الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
شعبان شهر البركة والخير

2015/05/27 | الکاتب : عمار كاظم


أهم المسؤوليات التي حمّلها الله للانسان مسؤوليته عن عمره.. فهو دعاه إلى أن لا يضيِّعه ولا يهدره إلا فيما فيه الفائدة له في الدنيا والآخرة.. فهو مهر سعادته إن أنفذه في طاعة ربه. وهو ما سيتحسر الإنسان على التفريط به عندما يقف بين يدي ربه.. بعد ما أفنى عمره في اللهو والعبث والسعي إلى الملذات.

ويشير الله إلى حال هؤلاء يوم القيامة وندمهم على صرف رصيد عمرهم في الذنوب: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} (فاطر/37) {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} (أي ألم نعطكم العمر)، ولذا يقول الإمام (ع): فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجّة، وأن تؤدّيه أيّامه إلى الشقوة.

ومن هنا كان يقول: الآن الآن من قبل الندم ومن قبل أن تقول نفس: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله. العمر مسؤولية بكل ثوانيه ودقائقه وأيامه وأشهره وسنواته، وعلينا أن نغتنمه، لا سيما تلك المحطات الإضافية التي أودعها الله في هذا الزمن.. محطات روحية وإيمانية وتربوية. وعديدة هي هذه المحطات التي هيأها الله لنا ودعانا لاغتنامها والاستفادة منها.. كنا الشهر الماضي في محطة شهر رجب فطوبى لمن استفاد من أجواء هذا الشهر.

وندخل في شهر جديد من أشهر الفرص، شهر شعبان والذي لعظيم فضله وبركته وأهميته نسبه رسول الله اليه، نعم نسبه إليه، من بين كل شهور السنة. رُوي عن الإمام الصادق (ع): قوله لأحد أصحابه وهو صفوان الجمّال: حُثّ من في ناحيتك على صوم شعبان، (والقيام بما ورد فيه من مستحبات) فقلت: جعلت فداك ترى فيه شيئاً، فقال: نعم إنّ رسول الله (ص) كان إذا رأى هلال شعبان أمر منادياً ينادي في المدينة: يا أهل يثرب إنّي رسول رسول الله إليكم: ألا إنّ شعبان شهري فرحم الله من أعانني على شهري.

وإلى هذا يشير الإمام زين العابدين (ع) في دعائه: اللهم وهذا شهر نبيك سيد رسلك شعبان الذي حففته منك بالرحمة والرضوان الذي كان رسول الله (ص) يدأب في صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه، بخوعا لك في إكرامه وإعظامه، إلى محل حمامه. وقد أراد رسول الله لهذا الشهر المبارك أن يكون شهراً روحياً وإيمانياً يتزود الإنسان من معين ما فيه من أعمال وردت فيه..

ففي هذا الشهر حث على الصيام (طبعاً الصيام المستحب)، صيام كامل الشهر أو بعض أيامه، أوله ونصفه وآخره، أو الأيام البيض منه الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، أو صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع.. وقد ورد في ذلك أن رسول الله (ص) كان يصوم كل شهر شعبان ويصله بشهر رمضان، وكان يقول: صوم شهرين متتابعين توبة من الله.

عن الإمام زين العابدين (ع): سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: من صام شعبان حُبّاً لرسول الله (ص) وتقرّباً إلى الله أحبّه الله وقرّبه إلى كرامته يوم القيامة وأوجب له الجنّة. وهذا الشهر أيضاً هو شهر الاستغفار لله، شهر العودة إلى النفس ومحاسبتها، وتطهيرها. وقد ورد في ذلك صيغتان: صيغة أستغفر الله وأسأله التوبة في كل يوم سبعين مرة.. وصيغة أستغفر الله الذي لا إله إلا الله هو الرحمن الرحيم الحي القيوم وأتوب إليه أيضاً سبعين مرة وقد ورد في ذلك ثواب له فضلاً عن وعد من الله بقبول التوبة وحصول المغفرة.

ومن المستحب أيضاً الحث على البذل والعطاء والصدقة والإحسان إلى عباده والفقراء وذوي الحاجة. فعن الإمام الصادق (ع): من تصدّق بصدقة في شعبان ربّاها الله تعالى كما يربّي أحدكم فصيله، حتى يوافي يوم القيامة وقد صار مثل أحد.

ومن أعمال هذا الشهر الإكثار من ذكر الله: سبحان الله والحمد لله، لا إله إلا الله والله أكبر.. والإكثار من قول: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون. ومما تم التأكيد عليه في هذا الشهر، الإكثار من ذكر الصلاة على محمد وآل محمد، فقد ورد عن الإمام السجاد القول عند كل زوال: اللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ، وَمَوْضِعِ الرِّسالَةِ، وَمُخْتَلَفِ الْمَلائِكَةِ، وَمَعْدِنِ الْعِلْمِ، وَأَهْلِ بَيْتِ الْوَحْىِ، اللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد الْفُلْكِ الْجارِيَةِ فِي اللُّجَجِ الْغامِرَةِ، يَأْمَنُ مَنْ رَكِبَها، وَيَغْرَقُ مَنْ تَرَكَهَا.

ومن أبرز ما ورد الحث عليه في هذا الشهر هو الدعاء لله ومناجاته، ومن ذلك المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين (ع)، وكان الأئمة يتناقلونها الواحد عن الآخر ليبلغها إلى أصحابه وشيعته.. هذا الدعاء الذي فيه تفيض مشاعر الحب لله والإحساس بعطفه ورحمته وعطائه وفضله:

اللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاسْمَعْ دُعائي إِذا دَعَوْتُكَ، وَاْسمَعْ نِدائي إِذا نادَيْتُكَ، وَأَقْبِلْ عَليَّ إِذا ناجَيْتُكَ، فَقَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ، وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيكَ مُسْتَكيناً لَكَ، مُتَضرِّعاً إِلَيْكَ، راجِياً لِما لَدَيْكَ ثَوابي.

إِلـهي لَمْ يَزَلْ بِرُّكَ عَلَيَّ أَيّامَ حَياتي فَلا تَقْطَعْ بِرَّكَ عَنّي في مَماتي، كَيْفَ آيَسُ مِنْ حُسْنِ نَظَرِكَ لي بَعْدَ مَماتي، وَأَنْتَ لَمْ تُوَلِّني إلاّ الْجَميلَ في حَياتي.

إِلـهي هَبْ لي قَلْباً يُدْنيهِ مِنْكَ شَوْقُهُ , وَلِساناً يُرْفَعُ إِلَيْكَ صِدْقُهُ، وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ.. إِلـهي هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ إِلَيْكَ، وَأَنِرْ أَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ أَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ.. إِلـهي وَأَلْحِقْني بِنُورِ عِزِّكَ الأَبْهَجِ، فَأَكُونَ لَكَ عارِفاً، وَعَنْ سِواكَ مُنْحَرِفاً، وَمِنْكَ خائِفاً مُراقِباً.

ويبقى أن نذكّر بليلة النصف من شعبان التي هي من أهم الليالي بعد ليلة القدر، التي يمنح الله فيها عباده فضله ويغفر لهم بمنه.. ولذلك لا بد أن نجتهد باحياء تلك الليلة بما ورد فيها من دعاء وقراءة قرآن وصلوات واذكار.

إن أهمية كل هذه الأجواء الروحية والإيمانية والتربوية بمقدار أثرها ومدى انعكاسها على بناء انفسنا وعلى سلوكنا.. فلا بد للصيام أن يوصلنا إلى التقوى التي تجعلنا نقف عند حدود الله لا نتجاوزها.. وللاستغفار أن يطهّر قلوبنا من كل حقد وعداوة.. وعقولنا من كل باطل، وحياتنا من كل ما يسيء إلى علاقتنا بالله وبالناس.

ولا بد لذكر الله أن يعمق علاقتنا بخالقنا أن نشعر أكثر بعظمته وعلوه وكبريائه.. أن نعبده ونخلص له العبادة، أن نطيعه ونخلص له الطاعة، والصلاة على رسول الله.. أن تزيدنا حباً لرسوله وتسليماً له ولأهل بيته الطاهرين.. كذلك الدعاء، لا بد ان يجعلنا أكثر ارتباطا والتصاقا به. لقد أراد رسول الله (ص) لشهر شعبان أن يكون معسكر تدريب نتأهل فيه لندخل من خلاله إلى ضيافة الله في شهر رمضان. وإلى هذا يشير الإمام الرضا (ع) إلى أحد أصحابه.. عندما قال له في آخر جمعة من شعبان.. يا أبا الصلت إن شعبان قد مضى أكثره وهذه آخر جمعة فيه فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى، وعليك بالإقبال على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله عليك وأنت مخلص لله عز وجل وتستحق ضيافته.

ومن كل هذا الجو العابق بالحب لله والعطاء للناس.. نطل على أبرز مناسبات هذا الشهر، (ولادة الإمام الحسين (ع)، ولادة العباس (ع)، ولادة الإمام زين العابدين (ع)، نماذج سموا في علاقتهم بالله وكانوا قدوة في العلم والحلم والكرم، لم يحملوا حقداً حتى على أعدائهم ومن رفعوا السيوف في وجوههم. في هذا الشهر نستحضر كربلاء التي كانت القاسم المشترك بينهم، نستحضر الحسين وهو يقول: لاَ وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعْطَاءَ الذَّلِيلِ؛ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ. نستحضر العباس حين يقول: والله إن قطعتـم يمينـي.. إني أحامي أبداً عن ديني وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمين. نستحضر الإمام زين العابدين حين يقول لابن زياد الذي هدده بالقتل: أما علمت يا بن زياد أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة.

وفي الوقت نفسه نستذكر الفرح، فرح رسول الله، وهو يحمل بين يديه في الثالث من شهر شعبان سبطه الحسين (ع) الذي سيكون كما قال (ص): حسين مني وأنا من حسين سيد شباب أهل الجنة..

وفي الرابع منه نستذكر علياً (ع) وهو يضم إلى صدره وليده العباس فيرى فيه صورته في الشهامة والعنفوان، والتضحية حتى الإيثار.. ونستذكر في الخامس منه، وهو يؤذن في أذن ولده اليمنى ويقيم في اليسرى وهو يقول: اللهم اجعله زيناً للعابدين وسيداً للساجدين.

من حقنا أن نفرح بهذه الولادات.. ونريد لهذا الفرح أن يدخل بيوتنا، شوارعنا.. كل مواقعنا.. فنحن نريد لأجيالنا أن تعيش فرح هذه الولادات حتى تُطبع هذه المناسبات وما تمثله في سلوكهم ووجدانهم، وهنا ندعو إلى الإبداع في أساليب الاحتفال بهذه المناسبات، والإبداع في إعلان فرحنا، كي لا تبقى هي هي، نكررها أو نعبر عنها بما يسيء إلى المناسبة وأصحابها، كإطلاق المفرقعات أو كما يحصل في الموالد من أجواء ممنوعة..

فلا بد للتعبير أن يتناسب مع المضمون الذي ينبغي أن تؤديه استعادة هذه الذكريات، وبذلك نستطيع أن نوصل رسول الله (ص) وآل بيته إلى هذا العصر، عصر بات يقدم لأجيالنا نماذج أخرى كي تكون بديلاً للنماذج التي جعلها الله قدوة لنا وللبشرية.. وبذلك أيضاً نوصله إلى القلوب والوجدان ومن القلوب إلى العقول وعندها سيكون الفرح، فرح القلوب وفرح الجسد وفرح العقل وهذا هو الفرح الحقيقي.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 317
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا