الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المعاني السامية لفريضة الصوم

2015/06/21 | الکاتب : عمار كاظم


من المعلوم البديهي انّ الصوم مكتوب مفروض... ووجوب الصوم يعني أنّه يرتقي إلى مستوى الضرورة اللازمة لحياة الإنسان إذ لا يتمكن من ممارسة حياته بشكل يليق به كخليفة لله في الأرض إلا بالاستعلاء على جواذب الأرض وهواتف النفس. وممّا يؤكد هذا اللزوم والضرورة للصوم في حياة الإنسان انّ الإنسان بجنبه اللّامادي.. الإنسان بإرادته وفكره وعقيدته وخلقه... الإنسان بنفحة الروح فيه. انّ سمو الجانب اللّامادي في الإنسان وقيادته للجانب المادي هو العلامة الفارقة المميزة للإنسان عن الحيوان، بل العلامة الفارقة أيضاً بين كلّ إنسان وآخر... إنّ قيادة الروح للجسد والعقل للغرائز قضية لا يمكن أن تتحقق إلّا من خلال العبادات التي حددها منهج ربّ العباد للعباد وفي طليعة ومقدمة العبادات التي تحقق هذه القيادة المنشودة هو الصوم. إلّا انّ الكثير من المسلمين يظنون انّ الصوم إنما يكون من الشراب والطعام والجنس وسائر المفطرات وعند مراجعة النصوص الواردة عن خاتم الأنبياء (ص) وأهل البيت (عليهم السلام) نجد أنّ هذه المفطرات في منهج الإسلام إنما منع منها الصائم لتكون حجاباً عن غيرها من المنكرات والرذائل الكثيرة أفعالاً كانت أو أقوالاً. فقد روي أنّ رسول الله (ص) سمع امرأة تسب جاريتها وهي صائمة فدعى بطعام فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال (ص): "كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟". ورد عنه (ص): "خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة". وقد قال الإمام الصادق (ع): "ليس الصيام من الطعام والشراب... إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك وبطنك وفرجك واحفظ يدك...، وأكثر السكوت إلا من خير..". وروي عنه (ع): "إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، إنما للصيام شرط يحتاج أن يحفظ حتى يتم الصوم، وهو الصمت الداخل، أما تسمع قول مريم بنت عمران: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (مريم/ 26)، يعني صمتاً، فإذا صمتم: فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب.. وغضوا أبصاركم.. ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا، ولا تسابوا ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة وألزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق ومجانبة أهل الشر واجتنبوا قول الزور، والكذب والإغراء والخصومة، وسوء الظن والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة... منتظرين لما وعدكم الله متزودين للقاء الله وعليكم السكينة والوقار والخشوع والخضوع وذل العبد الخائف من مولاه، ... راجين خائفين، راغبين، راهبين قد طهرت القلوب من العيوب، وتقدست سرائركم من الخبث.. وخشيت الله حقّ خشيته في السر والعلانية ورهبت نفسك لله في أيّام صومك، وفرغت قلبك له ونصبت قلبك فيما أمرك ودعاك إليه فإذا فعلت ذلك كلّه فأنت صائم لله بحقيقة صومه، صانع لما أمرك.. ويمضي الإمام الصادق (ع) في تبيان حقيقة الصوم وإماطة اللثام عن جوهره حتى يقول (ع): "انّ الصوم ليس من الطعام والشراب، وإنّما جعل الله ذلك حجاباً مما سواهما من الفواحش من الفعل والقول..". هذا هو الصوم الحقيقي الذي يراد به صنع الإنسان القوي السعيد والذي تدعو إليه المدرسة الإسلامية ليكون الإنسان خليفة الله في أرضه. أمّا الامتناع عن الأكل والشرب والجنس فقط فهو لا يحقق الهدف الذي جعل من أجله الصوم. لأنّ هذا الامتناع يمكن أن تقوم به حتى بعض الحيوانات في حالات معينة وبعض النّاس كذلك... انّ الامتناع والكف والإمساك عن شهوتي البطن والفرج إنما يشكل خطوة على الطريق التربوي والإعداد الروحي للرحلة الربانية الشاقة الممتعة نحو الله تبارك وتعالى والعروج إليه والتسامي والصعود في عالم المثل والقيم الإلهية فهماً والتزاماً. وبعض النّاس لا يجيدون الإفادة حتى من الخطوة الأولى في فريضة الصوم فهم يمسكون ويكفون عن الطعام والشراب فإذا جاء وقت الإفطار رأيتهم كالسباع الضارية هجوماً على المائدة الحافلة وافرطوا في أكلهم وشربهم حتى التخمة ووصية الرسول الأعظم (ص) لأُمّته تقول: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع فإذا أكلنا لا نشبع" وكلنا سواء في تطبيق الشقّ الأوّل من الوصية النبوية الذهبية، فنحن لا نأكل حتى نجوع إلّا انّ الاختلاف بيننا يمكن في الشقّ الثاني فالكثير الكثير منّا لا يراعي الالتزام حينما يأكل فيفرط ويسرف حتى يحفر قبره بأسنانه وقد قال النبيّ (ص): "شر ما ملأ ابن آدم من وعاء بطنه"، وقال (ص): "البطنة تذهب الفطنة"، وقال لقمان (ع) لابنه: "يا بنيّ إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة"، وهكذا تتحوَّل عملية الصوم عند البعض إلى عملية (شحن وتفريغ) وتفقد معانيها السامية وتبقى السيطرة والهيمنة والقيادة للغريزة والشهوة وتظل الروح مطموسة بظلام المادة ويبقى العقل مدحوراً. إذا أردنا أن نفيد من فريضة الصيام وأن نحقق أغراضها في أنفسنا وواقعنا فعلينا أن نتبع الأسلوب المحمدي معنوياً ومادياً لنخرج من شهر رمضان بوجود رباني جديد وولادة قرآنية مباركة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/ 24).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 246
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا