الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أثر الصيام في إصلاح النفس وتقويمها

2015/07/04 | الکاتب : عمار كاظم


للعبادات أثرها الواضح، ودورها القوي في إصلاح الفرد وتزكيته، وهي بعد العقيدة الركن الثاني في بناء الفرد المسلم. والمتدبر للمنهج الإسلامي يدرك أنّه منهج عبادة والعبادة فيه ذات أسرار. ومن أسرارها أنها زاد الطريق، وأنّها مدد الروح، وأنها جلاء القلب، وأنّه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب لتذوق هذا التكليف، في حلاوة وبشاشة ويسر.. إنّ الله تعالى، حينما انتدب نبيه محمّداً (ص) قال له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا* إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) (المزمل/ 1-5). فكان الإعداد للقول الثقيل، والتكليف الشاق، والدور العظيم، هو قيام الليل، وترتيل القرآن إنها العبادة التي تفتح القلب، وتوثق الصلة، وتيسر الأمر وتشرق بالنور، وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان. وإذا تعبد الله خلقه بشيء، فإنّما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية. فالصيام نظام تربوي شامل لكلّ العبادات يظهر أثره بوضوح في الأخلاق والشخصية التي لابدّ أن ينعكس أثرها على السلوك الاجتماعي. وقد حدد القرآن الكريم الحكمة الجليلة لمشروعية الصيام في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183). وفي الصيام تخليص للإنسان من رق الشهوة وعبادة المادة، وتربية عملية على السيطرة على الغرائز. فهو جهاد شاق يعود الصبر، وقوة الإرادة ومضاء العزيمة، والاستعداد لمواجهة كلّ الاحتمالات، والصائم حين يجد ألم الجوع، وحرارة العطش يشعر بإحساس الفقير المحروم فتمد يده بالخير والبرّ إلى إخوانه المسلمين فيتحقق بذلك خير كثير. والصيام عامل قوي على نشر الفضائل ومحق الرذائل، والقضاء على أسباب الشحناء والبغضاء بين أفراد المجتمع فهو بمثابة صمام أمان للفرد والمجتمع يقول في ذلك (ص): "الصيام جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، ولا يفسق، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم...". والصيام الذي يبغيه الإسلام ويجعله وسيلة لتزكية النفس، ليس مجرد الامتناع عن شهوة البطن والفرج وإنما هو كف الجوارح كلها عن معصية الله. قال (ص): "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة، في أن يدع طعامه وشرابه" وقال: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش". والصوم من أقوى العبادات التي تقوي صلة العبد بربه، وفيها إشراق للروح، وتطهير للنفس، وطمأنينة للقلب، وفيها تواضع لله مع الشعور بالعزة والكرامة، دون ذلة لأحد سواه، وفيها تدريب على الإخلاص لله. والصوم يمد المسلم بزاد روحي عظيم يعينه على مواجهة مشاق الحياة ومصاعبها. فحينما يقف المسلم بين يدي ربه خاشعاً ضارعاً في هذا الشهر الفضيل فإنّه يشعر بطاقة إيمانية تسري في أوصاله، فتعطيه دفعة هائلة تعينه على مجابهة أحداث الحياة. ولابدّ للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوّة الكبرى ويستمد منها العون، حيث يتجاوز الجهد قواه المحدودة، حينما تواجهه قوى الشرّ الباطنة والظاهرة، حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق.. هنا تبدو قيمة الصيام والعبادات المتصلة به. إنّها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوّة الباقية. إنّها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير. إنّها الروح والندى والظلال في الهاجرة إنّها اللمسة الحانية للقلب المتعب. والصوم  له أثر كبير في ربط الفرد المسلم بمجتمعه وتحقيق المساواة بين أفراد هذا المجتمع فقد شرع الله تعالى الاجتماع على هذه العبادة في فتتوثق الروابط والعرى، ويتركز التعاون، والتعاطف والتراحم، ويتحقق مبدأ المساواة وفي هذا كلّه، إشعار للمؤمنين بوجوب ترابطهم، وتوحيد وجهتهم وغايتهم. هو الإنسان في أشد الحاجة إلى هذه القوة الروحية الرمضانية، قوة الشهر الكريم التي ترتفع بنفسية الأفراد إلى الغايات العالية، وتجعل الصلة بين الناس لا تنحصر في الماديات، بل تعم الروحانيات التي هي مخ الحياة وعصب المجتمع. وللزكاة دور كبير وأثر واضح في تزكية الفرد وإصلاحه خاصة في شهر الخير والبركة "فهي علاج عملي بعيد الغاية لضعف النفس، وتحصينها من أدواء الشح والأثرة، وعبادة المال". وقد ورد ذكر الزكاة في القرآن الكريم مقروناً بالصلاة في مواضع كثيرة كما ذكرت باسم الصدقة، ومن أصرح ما ورد في بيان حكمتها قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة/ 103). والتطهير يظهر في تخليص النفس من شوائب الرذيلة، والتزكية تنضح في تحليتها بالفضيلة، وفي إخراج الزكاة تطهير من رذيلة الأثرة والأنانية والشح والبخل وتحرر من أسر الشهوة وعبادة المال، وشعور بالرضا والقناعة، وتعود على الرحمة، والاهتمام بالغير. والزكاة من أقوى عوامل تثبيت المودة والتراحم وتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع "فهي تشعر الفقراء بأنهم أعضاء فيمجتمع يحنو عليهم، ولا يحاولون اغتصاب أموالهم. ولا يفكرون في تعويق نماء هذه الأموال، وبهذا يسلم المجتمع من شرور كثيرة، ويطمئن الأثرياء على أموالهم وحياتهم". "كلكم لآدم وآدم من تراب" ويستشعروا وحدة الجسد، واتفاق الغاية والهدف، فيزيدهم ذلك إيماناً إلى إيمانهم، وقوّة إلى قوتهم. وإذا كنت قد فصلت الحديث عن دور الصلاة والزكاة والصيام والحج في تزكية الفرد وإصلاحه، فإن بقية العبادات التي كلفنا الله تعالى بها لها نفس الأثر وتقوم بنفس الدور في إصلاح الفرد وتزكيته، فمن المقرر المعلوم أنّ الله تعالى ما كلفنا بشيء إلا وفيه الخير كل الخير للفرد والمجتمع. وشأن الفرائض في ذلك شأن النوافل التي لها أثرها الفعال في تزكية الفرد، وتقوية الصلة بينه وبين ربه جلّ شأنه، وجعله عبداً ربانيّاً يحبه الله ويوفقه ويسدد خطواته، ويستجيب دعواته، وفي ذلك يقول الله تعالى في حديثه القدسي: "ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن استعاذني لأعيذنه ولئن سألني لأعطينه". وهكذا نرى حكمة المنهج القرآني في اتخاذ أقوى الوسائل لتزكية الفرد وإصلاحه، من خلال العقيدة والعبادة اللتان يبلغ الفرد المسلم بهما قمة الهداية والرشاد، ليصير فرداً صالحاً، وعضواً نافعاً لنفسه ولأهله، ولأُمّته. والإسلام بذلك يصنع اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، ويخطو الخطوة التي لابدّ منها في إقامة صرح المجتمع على أساس متين.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 438
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا