الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ثمار الخير من شهر الخير

2015/07/14 | الکاتب : عمار كاظم


اللّهمّ أعوذ بجلال وجهك الكريم أن ينقضي عني شهر رمضان أو يطلع الفجر من ليلتي هذه ولك قِبَلِي ذنب أو تبعة تعذبني عليه. عندما يقترب شهر رمضان المبارك شيئاً فشيئاً من نهايته، فالمسلمون فيه واحد من اثنين: واحد قام بما كُلّف به من فريضة الصوم فيه، فهو فَرِح مستبشر باقتراب هذه النهاية، وفَرِح باقتراب إعلان نصره على نفسه، وبنفاذ مشيئته، وبنجاحه في اختبار إيمانه وإرادته.. آخر تقاعد وتقاعس عن أداء هذه الفريضة راسباً في هذه الدورة التدريبية التربوية. ولكن نقول للصائمين، أنّه ليس كلّ من صام قد أدّى واجب الصوم.. إنّ الذي يؤدي فريضة الصوم حقيقة هو الذي تهيأت نفسه لاستقبال حياة ما بعد شهر رمضان وما يقع فيها من أحداث بنفس المستوى الذي كان في شهر الصيام من العزم والإرادة والأمل والقدرة على التغلب على الأحداث والصعاب، من دون ضعف ولا يأس حتى يكون فعلاً قد نجحَ في هذه الدورة التدريبية التربوية، وحتى لا يكون مصداقاً للحديث الشريف: كم من صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع والعطش. فهو ليس له أثر الصوم وفائدته ولم يتجاوز صومه فمه وبطنه إلى إعداد نفسه وقلبه.. فالصائم الذي ليس له من صيامه إلّا الجوع والعطش، هو ذلك الذي فَهِمَ الصوم أنّه إمساك عن الأكل والشرب فقط، ولذلك يستقبل حياة ما بعد شهر رمضان على أنّها حياة الأكل والشرب وبقية الملذات، فإن واجهته شدة أو أصيب بمكروه، اظلمّت الدنيا في عينيه، وعلى وجهه أمارات السخط والتبرم وربما أمارات اليأس والتسليم، لأنّه لم يشعر في شهر رمضان بإعداد الصوم له لمواجهة مثل هذا المكروه بروح القوي في إرادته، والمثابر الصابر في تغلّبه على صعاب حياته. إنّ سلوك الإنسان في حياة ما بعد شهر رمضان لدليل على قيمة صومه فيه، إن كان للأكل والشرب، أو للإعداد والتهيئة لكلّ ظروف الحياة، فإنّ الصوم الصحيح هو صوم الإعداد والتهيئة، ولأجل استمرار أثر هذه الدورة التدريبية التربوية تنصح الشريعة بصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى يكون الإنسان دائماً مستلهماً لعطاء هذه العبادة، فقد ورد في الحديث الشريف عن النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: صوم ثلاثة من كلّ شهر رمضان إلى رمضان، صوم الدهر كلّه. أي إذا صام الإنسان شهر رمضان من كلّ عام وأضاف إلى صومه ثلاثة أيام من كلّ شهر كان في انتفاعه بالصوم في حياته بمنزلة من يصوم الدهر كلّه، أي لازمته روح الصائم في الحياة، وهي روح القوي بإيمانه الذي يواجه الصعاب والمتاعب بشجاعة وصبر.. نعم، هكذا تصرّمتْ أيام شهر رمضان ومضى إلى ربّه بصحائف أعمال وسجل حافل فعّال هي زادنا من دنيانا، وذخيرتنا في آخرانا كما قال تعالى : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران/ 30). وفي الأثر: ما من يوم جديد إلّا وينادي.. يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عَمَلِك شهيد فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تتركني إلى يوم الوعيد. إنّ انقضاء شهر رمضان المبارك ليضعنا أمام قائمة حساب في الفوز فيه عاجل بشرى الله للمؤمنين، بقدر ما في الخذلان فيه من حسرة موجعة تحيط بدنيا الغافلين وآخرتهم على السواء. نعود ونتساءل.. هل استفدنا من الصوم؟.. وما الذي استفدناه؟.. هل أثمرَ الصوم ثمرة التقوى في نفوسنا؟.. هل تخرجنا من هذه الدورة التدريبية التربوية بأخلاق الصائمين حقاً الذين صفت تفوسهم وعفّت ألسنتهم واتحدت كلمتهم واستقام صفّهم وصاروا إخوة كما وصَف الله سبحانه المؤمنين؟.. وهل قهرنا في أنفسنا نزوات الظلم والاستعلاء بالباطل وشهوات الإثم والمعاصي؟.. وهل برئنا من دواعي الخوف والهزيمة والاستكانة للأحداث والابتلاءات المفاجئة والنوازل الطارئة؟.. هل صحّحنا علاقتنا مع الله، هل تمسّكنا بحبل الله، هل تمسّكنا بالثقلين اللذين خلّفهما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟.. هل تغلّبنا على أنفسنا؟.. فإنّ الانتصار والنجاح أن تغلب نفسك على هواها وأن تقودها إلى هداها، وأن تنقلها من مجال عداوتك إلى مودّتك بمقدار ما تستطيع، والنبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك. فجهاد النفس هو أعظم الجهاد، ولابدّ أن يكون دائماً مستمراً لأجل الوصول دائماً إلى طاعة الله، فإنّ الخير والشرّ في عراك موصول منذ خُلِق الإنسان، فانظر نفسك في أي جهةٍ أنت أيها الإنسان، وحاسبْ نفسك قبل فوات الأوان.. فالأيّام خمسة كما قالوا: يوم مفقود: هو أمْسُك الذي فاتك مع ما فرّطت فيه. يوم مشهود: هو يومك الذي أنت فيه، فتزوّد فيه من الطاعات. يوم مورود: وهو غيرك، لا تدري هل هو من أيامك أم لا؟ يوم موعود: وهو آخر أيامك من أيّام الدنيا فاجعله نصب عينيك. يوم ممدود: وهو آخرتك وهو يوم لا انقضاء له فاهتم له غاية اهتمامك. وهكذا نرجو جميعاً أن نخرج من مدرسة شهر رمضان ومن هذه الدورة التدريبية التربوية بأحاسيس توجه للخير والصّلاح، وتُحفّز للعمل المثمر، وهكذا كلّ العبادات في الإسلام تدعم جوانب الحياة وهي تنهض بالإنسان لأداء واجب الخلافة عن الله. اللّهمّ أدِّ عنا حقّ ما مضى من شهر رمضان واغفر لنا تقصيرنا فيه وتسلّمه منا مقبولاً ولا تؤاخذنا بإسرافنا على أنفسنا واجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 251
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله
 حُسن الظن يصون المجتمع
 القيمة التربوية لمحاسبة النفس
 لنحقق أسباب النصر في الغيبة والظهور
 رسالة الحق في خط الإمام المهدي(عج)
 الدور المطلوب في غيبة الإمام المهدي(عج)
 ميادين العمل الصالح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا