الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
دروس من سيرة الرسول (ص) في «الحُديبية»

2015/08/15 | الکاتب : عمار كاظم


لما تخلص المسلمون من يهود المدينة كبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير، وأجلوهم منها، واطمأنوا إلى أن قريشاً لم يعد بإمكانها غزوهم، خصوصاً بعد واقعة الخندق وما لحق بهم من الهزيمة النكراء، أخذ الشوق يهز المهاجرين، بل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على العموم إلى زيارة بيت الله الحرام الذي اعتاد العرب زيارته والحج إليه منذ عهد إبراهيم الخليل (ع). وفي أواخر السنة السادسة من الهجرة قرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسير بأصحابه من المدينة المنورة إلى مكة، ليزور بيت الله الحرام، بعد أن رأى في منامه أنه يدخله هو وأصحابه آمِنين من غير قتال. كما روت ذلك الآية الشريفة: «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا» (الفتح/27). فتوجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- نحو مكة، ومعه ما يقرب من ألف وأربعمئة من المهاجرين والأنصار. وذلك في الأول من ذي القعدة، من السنة السادسة للهجرة، وقد ساقوا معهم سبعين بدنة هدياً، لتُنْحر في مكة. فلما تناهى الخبر إلى قريش فزعت، وظنت أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- يريد الهجوم عليها، فراحت تتدارس الموقف، وتعدُ نفسها لصده عن البيت الحرام. ولما بلغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبار إعداد قريش، والتهيؤ لقتاله، غير مسيره، وسلك -صلى الله عليه وسلم- طريقاً غير الطريق الذي سلكته قُوات قريش المتوجهة لقتاله. ثم استقر في وادي الحُديْبية، وأرسل إليهم أحد أفراد قبيلة خزاعة، ليُبلغهم بالأهداف التي جاء من أجلها، أي أنه جاء ليزور البيت، تقرُباً إلى الله عز وجل لتبليغ دعوته، فإنْ هم رفضوا فسيقاتلهم حتى النصر. وبعد جدل طويل استجابت قريش لنداء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسلت سهيل بن عمرو ممثـلاً عنها للتفاوض معه، فبدأ الحوار وثبـتت النقاط التي اتفقوا عليها، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الامام علي (ع) أن يكتب وثيقة الصلح، فكتبها، وكان مضمونها: أن الطرفين اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، وأن من أتى محمد -صلى الله عليه وسلم- من قريش بغير إذن وليه يرده إليه، ومن أتى قريشاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ترده إليه، وأن يكون الإسلام ظاهراً بمكـة لا يكره أحد على دينه، وأن محمداً يرجع عنهم عامه هذا، ثم يدخل في العام القابل مكـة فيقيم فيها ثلاثة أيام... إلخ. فاستجابت قريش لنداء الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما رأتْ قوته وإصراره على ما يريد، وأدركت ما بها من ضعف وعجز عن المقاومة. وبدأ الحوار، وثُبتت مبادئ الصلح، ودعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإمام علي (ع) لكتابة بنود الاتفاقية التي جاء فيها ما يأتي:

1-      إيقاف الحرب بين الطرفين لمُدة عشر سنين.

2-      من أحب أن يدخل في عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- فعل، ومن أحب الدخول في عهد قريش فعل.

3-     - أن يكون الإسلام ظاهراً بمكة، لا يُكره أحدٌ على دينه، ولا يؤذى، ولا يُعير.

4-      أن يرجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا العام، ثم يعود إلى مكة في العام القادم، بدون سلاح.

فتأثر بعض المسلمين من الاتفاقية السالفة الذكر، وأحسُوا بخيْبة الأمل، وأخذوا يُظهرون جزعهم وتساؤلهم. لكن النتائج جاءت على خلاف تصوُراتهم وأوهامهم، فقد بدأت نتائج الصُلح وآثاره الإيجابية تظهر، وتتفاعل لتمهد إلى تحول كبير. وبدأ المسلمون يدركون قيمة هذه الاتفاقية التي شلت نشاط قريش المعادي، وفسحت المجال أمام الدعوة الإسلامية، لشق طريقها بين صفوف القبائل العربية. فأقبل الناس على الدخول في الإسلام، وأمن المستخفُون بإسلامهم، فأعلنوا دينهم، ومكن الله نبيه من دخول مكة وأداء مراسم العمرة في العام القادم. وأخيراً، فلقد وصف القرآن الكريم هذا الصُلح بـ(الفتح) في بعض آياته، لأنه كان حقاً الممهد للنصر الكبير، وهو فتح مكة في سنة (8هـ).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 325
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا