الصفحة الرئيسية » إصدارات جديدة
رُوحُ الفريق

2015/08/24 | الکاتب : أسرة البلاغ


 


رُوحُ الفريق

دورُ العملِ الجماعي في إثراءِ العملِ وإنجاحه

 

 

لجنة التأليف- مؤسسة البلاغ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من باب الأمثلة -كوسائل إيضاح- سندخل، لأنّها الأقرب للعقل وللذائقة وستختصر علينا من الكلام كثيره ليدلّ قليلهُ على المراد:

 

أوّلاً: تشكيلة فريق كرة القدم:

يتألّف فريق كرة القدم -اللعبة الشعبية الأكثر اشتهاراً في العالم- من أحد عشر لاعباً: حارس المرمى، وأربعة مدافعين، وأربعة من لاعبي الوسط (الجناحين) ومهاجمين اثنين. (وتختلف التشكيلة بحسب ما إذا كانت (هجومية) أو (دفاعية) ودور. كلّ واحدٍ معروف لا نريد الخوض فيه، لكنّنا نسجّل الملاحظات التالية على التشكيلة التي وإن اختلف عدد أعضائها، لكنّها تبقى مقسّمة إلى أربعة أقسام: حراسة مرمى، دفاع، خط وسط، هجوم:

1- فريق كرة القدم مؤلّف من (11) لاعباً (عدا الاحتياط).. هوفريقٌ واحد يحمل اسماً واحداً، وهدفاً مشتركاً، وروحاً تعاونية تجعل حاصل مجموع الفريق لاعباً واحداً وليس أحد عشر لاعباً.

2- مهارات اللاعبين هي التي تساعد المدرّب على توزيعهم في الساحة ليحتل كلٌّ منهم موقعه المناسب بحيث تُسدّ (تغطي) بهم حاجة الملعب: حراسةً للمرمى، ودفاعاً، وخطّاً وسطاً، وهجوماً.

3- وحدة الفريق، وانتماء أعضائه لعنوانه، وارتدائهم لزيّ واحد، ليست (مصهراً) أو (بوتقةً) ينصهر الجميع فيها كما تنصهر المعادن الذائبة بعد تعريضها للنار، بـ(المهارات الفرديّة) لا تُلغى ولا تذوب ولا تُصادر داخل الفريق، بل هي تتجلى أكثر من خلاله. أي انّ عين المراقب أو المشاهد للفريق ترصد نشاط كلّ لاعب فيه، وتثمّن لكلّ لاعبٍ دوره ومهارته وأساليبه الفنية، وبمعنى آخر، نحن ننظر للفريق بعينين: عين على الفريق كوحدة متكاملة، وعين على أفراده كيف يتعاملون مع متطلبات الميدان. ونظرتنا للفريق كباقة لاعبين لا تُسقط نظرتنا المقارنة لمواهب أعضائه، الأمر الذي يعني أنّ حقّ التقييم والإشادة والتثمين محفوظٌ لكلّ لاعب، ولذلك تجد أنّ هناك جوائز تخصّص لأحسن لاعب في حراسة المرمى، ولأفضل مدافع، ولأحسن لاعب خط وسط، ولهدّاف الدورة، وما إلى ذلك.

4- إحراز الهدف مسؤولية تضامنيّة ومجهود تعاضدي يلعب حتى حارس المرمى دوراً فيه، وعلى مدى تعاون الفريق، وحُسن التنظيم والتنسيق، وبراعة المناولات، والشعور بروح العمل الجماعي، تتوقف الدقّة في التسديد والتصويب. وعلى هذا يمكن القول -بلغةٍ رياضية وعلميّة أيضاً- إنّ الهدف المحرز ليس صناعة لاعب واحد هو الذي في موقع الهجوم، بل هو صناعة مشتركة يلعب -كما قلنا- حتى حارس المرمى دوراً فيه. نعم، نحن نسمّي الهدف بإسم مسجّله، أو بإسم الذي أدخل الكرة في المرمى وهزّ الشباك بركلة موفقة، لكن الحساب العلمي الدقيق يقول إنّ هذا الهدف جاء نتيجة جهود متضافرة انطلقت من تحويلة الكرة من قِبَل حارس المرمى إلى الدفاع، ومنه إلى الخط الوسط، ومنه إلى الهجوم.

هل يمكن للاعب واحد أن يسجّل هدفاً بنفسه مستغنياً عن تعاون فريقه؟

الجواب: مهما كان هذا اللاعب بارعاً، ماهراً لا يمكنه أن يصوّب الكرة نحو المرمى ما لم يستفد من مناولات أعضاء الفريق الآخرين، وبالتالي فالهدف سبيكة يتعاون جميع أفراد الفريق على صناعتها. وعليه أيضاً، فإنّ فوز الفريق لا يقاس بعدد الأهداف المسجَّلة فقط، بل بالمستوى الفنّي الذي أدار فيه الفريق المباراة، أي مدى التكاتف والتعاضد بين اللاعبين، وعلى لغة التفاهم المشتركة بينهم، وكذلك لا تقاس الخسارة بكمّ الأهداف المسجّلة ضد الفريق الخاسر، بل بضعف أداء لاعبيه، وتشتت ضرباته، وأنانية بعض لاعبيه، أي بضعف التناغم الداخلي للفريق، أو بانعدام اللغة المشتركة بين أعضائه.

5- مدرّب الفريق يقدِّم الملاحظات والتعليمات والتوجيهات والإرشادات، ويضع الخطة، لكنه لا يلعب على أرض الملعب، وإن كنّا نراه يقف خارج الميدان يشرف على سير المباراة بحيث يمكنه أن يرفد الفريق بإيعازات آنية وبحسب ما يتطلبه الموقف، ذلك انّ عين المدرّب -كمشرف عام- ترى ما لا يراه اللاعب المنشغل في أداء دوره، وبهذا نفهم أنّ دور الإشراف لا ينتفي بمجرد وضع الخطة وإيكال المهمات إلى اللاعبين.

6- تشكيلة فريق كرة القدم لا تشمل اللاعبين الأحد عشر، ولا اللاعبين الاحتياط، بل تضمّ المدرّب ومساعد المدرّب، والممرّن أو مدرّب اللياقة (المشرف على تمرينات وتدريبات الفريق) وعلى الفريق الطبي المرافق، وربّما هناك هيئة استشارية يستعين بها المدرّب أثناء المباراة وبعدها، مما يعني أنّ هناك فريق عمل يعمل من وراء الستار أو خلف حدود الملعب ليقدم للفريق خدماته طوال مدة المباراة وقبلها وبعدها. ولا يستهان بجهد الخطوط الخلفية، فهي خطوط (إمداد) و(إرشاد) و(إسناد) لا يقوى الفريق الممارس على إنجاز مهمّته بدونها. بل، لا نغالي، إذا قلنا، إنّ للجمهور دوره أيضاً في تشجيع الفريق وإثارة حماسته ورفع معنوياته، مثلما للنقّاد الرياضيين دورهم في تقييم المباريات، ونقد أداء الفريق، وتثمين مهارات اللاعبين. هناك إذاً أكثر من فريق وراء الفريق وليس هو الفريق الوحيد.. هناك فريق يقع تحت النظر، وهناك فرق لا يُسلّط عليها الضوء خلال المباراة إلّا نادراً. وفي الحساب النهائي نجد أنّ الفريق الفعلي والفرق المساعدة تبلغ العشرات من الأشخاص.

 

ثانياً: نظام الفرقة الموسيقية:

الفرقة الموسيقية: مجموعة من العازفين الذين يعزفون على الآلات النفخية والنقرية والوترية، ويصطلح عليها بـ(الاوركسترا) وتضمّ مجموعة كبيرة من العازفين تتراوح بين (40-100) عازف على مختلف الآلات الموسيقية الإيقاعية والوترية والهوائية وآلات المفاتيح. هذه (الجوقة) أو فريق العمل الموسيقي تضمّ أيضاً مجموعة من المنشدين تسمّى (الكورس) أو (الكورال) ويتقدم الفرقة قائد الاوركسترا ويدعى (المايسترو) وهو شخص مرموق ذو دراية عالية في عالم الموسيقى، وغالباً ما يكون متمكّنا ومحترفاً للعزف على أكثر من آلة موسيقية. وسواء كانت الفرق الموسيقية مسرحية تعزف على المسرح، أو عسكرية تعزف موسيقى السير (المارش) فإنّ دور الفرقة كدور الفريق تعمل على ضبط الإيقاع لـ(النشيد) أو (السير) حتى ليبدو المنشدون منشداً واحداً، والموسيقيون أو العازفون عازفاً واحداً، تماماً كما انّ القطعة الموسيقية واحدة.

فماذا يمكن أن نستوحي من عمل الفرق الموسيقية في فهمنا لروح الفريق، فريق العمل الواحد المتكامل؟

1- كما في فريق كرة القدم، أعضاء الفرقة الموسيقية يقسّمون على مجاميع بحسب آلاتهم الموسيقية، لكن تعدّد الآلات وعدد العازفين الكبير مسخّر لمهمّة واحدة هي تقديم لوحة موسيقية متناغمة أو منسجمة النغمات تقول بلسان الحال: أنا نتاج هذه المجموعة الموسيقية المتآلفة.. أنا بنت هذه الأسرة الموسيقية المتآخية.

2- العمل الموسيقي الذي نستمع إليه لدقائق معدودات هو خلاصة لجهود مضنية وتدريبات متواصلة وقع خلالها الخطأ، والنغمات النشاز، والإعادات المتكررة، وما كان هذا الضبط على مستوى السرعة ودرجة الصوت والإيقاع وتداخل النغمات وتلابسها بعضها ببعض، ليكون لولا هذا العمل غير المرئي أو غير المنظور بالنسبة للمستمعين. ولذلك لا يمكن القول إنّ عمل (المايسترو) هو فقط هزّ العصا أمام أعضاء فرقته ليوحّد العزف على ضوء التعليمات الصادرة في آخر جلسة تدريبية، وإنّما هو عمل إشرافي دقيق يربط بين الأدوات المختلفة، ويضبط التوقيت، ويلائم بين العزف والعزف، حتى تأتي القطعة الموسيقية يوم العرض ناطقةً عن روافد موسيقية صابة في نهرٍ متدفّق كبير تختلط فيه المياه لدرجة يتعذّر عليك فصل مياه هذا الرافد عن ذاك الرافد.. إنّها في المحصلة، مياه النهر الموسيقي الواحد الموحَّد.

3- إنّ كلّاً من (النوتة) الخارطة الموسيقية الموضوعة أمام العازفين، ولغة الإشارات من قِبَل قائد الفرقة، والحسّ الموسيقي المرهف لكلّ عازف تتزواج عند تقديم المعزوفة من غير أن تغمط حقّ أي مشترك في صياغتها أو نسجها بهذا اللحن المؤتلف المؤتلق الرقراق الذي تسير خطى العسكر على إيقاعه، أو تمشي خطى أصوات الفرقة الإنشادية على توزيع نغماته.

 

ثالثاً: أسراب الطيور وقُطعان الحيوان:

عالم الحيوان -والطير منه- أممٌ أمثالنا، كما يحدّثنا القرآن الكريم، فهو عالم ينتظم في أسلوب (فريق العمل) وليس مجاميع فوضوية تقودها غرائزها للتنافر والتصادم والسير باتجاهات متعاكسة، لاحظ هذا في قُطعان الأغنام التي تسير خلف الراعي (المايسترو) يتقدمها كلبٌ يساعدها في الحفاظ على نسق القطيع، وتلعب عصا الراعي مثلما الأجراس المعلّقة في أعناقها على خلق معزوفة موسيقية لها إيقاع معيّن تسير الجموع الغفيرة للخرفان عليه متجهة إلى مرعاها أو عائدة إلى زرائبها، ومثلها الدبدبة، والحمير الوحشية، وقوافل الإبل، وأسراب الطيور.

بيّنت بعض الدراسات المتخصّصة في عالم الطيور أنّ السبب في تحليق الطيور المهاجرة على شكل حرف (V) باللغة الإنجليزية، أو رقم (7) في الرياضيات العربية، هو من أجل أن تستفيد قدر الإمكان من مجمل الاضطراب الهوائي الذي يشكّله السرب كاملاً، وبالتالي فإنّها تقلل بهذا السير (ضمن فريق طيران موحّد) من الجهد الذي يجب أن تبذله في ما لو طارت متفرّقة، أي إنّ كلّ طائرٍ ضمن السرب يولِّد -عندما يضرب بجناحيه الهواء- طاقة تساعده على التحليق، كما تساعد الطائر الذي يليه ما يمكّن فريق طيور السرب على التعاون في عملية طيران سليمة وقليلة التكاليف، وأشارت الدراسات إلى أنّ التشكيل (الذي يُشبه جناحي طائر كبير) يمكّن كامل السرب من قطع مسافة تبلغ 70% أكثر ممّا لو طار الطائر منفرداً. كما وجد الباحثون أنّه عندما يخرج الطير من سربه (من شكل الرقم 7) سوف يدرك الخطأ الجسيم الذي ارتكبه وحجم السحب الهوائي الذي وقع فيه، فيعود في الحال إلى مكانه ضمن السرب[1].

 

رابعاً: تقليد (العونة) أو (الفزعة) بين الفلاحين:

(العونة) مشتقّة من التعاون، وعندما تسمعها متداولة بين المزارعين أو الفلاحين تفهم أنّها تقليد يتمثّل في أن يقوم أشخاص من الفلاحين وأسرهم بمساعدة جيرانهم أو أقاربهم من الفلاحين أيضاً في مواسم الحصاد أو القطاف أو جني الثمار.

تشيع هذه الظاهرة، أو التقليد الاجتماعي الحميد في مجتمعات زراعية فلسطينية ولبنانية وأردنية خاصة في موسم قطاف الزيتون، وفي المجتمع الزراعي العراقي عند زراعة القمح أو الرز أو تلقيح النخل وجني التمور، وفي المجتمع الفلاحي المصري والشامي عند قطاف القطن، وغيرها من بلدان عالمنا الإسلامي والعربي الزراعي الذي لا يزال محافظاً على قيم العونة والتعاون والعوانة أو الفزعة.

ولا تحتاج (العونة) وهي هبّة أهل الريف أو القرية لمساعدة بعضهم البعض في الزراعة أو الحصاد إلى (دعوات) و(إعلانات) و(نداءات) عبر المآذن ومكبرات الصوت، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، بل تقوم على المبادرة الفردية، أي إنّها عملٌ تطوّعي، يكفي أن يأتي ابن الريف ليقول لجاره الفلاح: دعني أعينك في قطف الزيتون أو التقاطه وتجميعه أو في عصره. وكانت هذه العادة الطيبة والمعبّرة عن (روح الفريق) تتسع -قبل وسائل النقل الحديثة- لتشمل إعارة الدواب والعتاد اللازم (الأدوات المستخدمة في القطف أو الجني). وكلّ ذلك بدون مقابل، نعم، الفلاح الذي تتم مساعدته يهبّ هو الآخر لمساعدة غيره من الفلاحين عندما يحين موسم حصادهم. وإذا بك ترى القرية، أو الريف، أو المزارع، كأنّها ورش عمل، وفرق عمل، كلٌّ منشغلٌ بلون من متطلبات العمل، فهؤلاء يحصدون السنابل، وأولئك يجمعونها على شكل حزم، وهؤلاء ينقلونها إلى البيدر، وهناك مجموعة تدوسها وتذريها.. وهكذا.. إنّه (عُرسٌ فلاحيّ) أو (مهرجان زراعي) يعزف فيه الجميع أنشودة العمل التعاضدي من غير (مايسترو) ربّما، إلّا بقدر ما يوجه صاحب المزرعة أو البستان مساعديه على القيام بهذا العمل أو ذاك.

 

خلاصة واستنتاج:

روح الفريق أو العمل الجماعي التعاوني نابعة من كون الإنسان أخ الإنسان، ومن طبعه الاجتماعي الذي ثبت بتجربته الحياتية الطويلة أنّه لن يستطيع تحقيق الإنجازات الكبرى بمفرده، وانّ مفهوم (العونة) في الحقول الزراعية هو نفسه مفهوم (فريق العمل) في كرة القدم، والفرقة الموسيقية، والمختبرات العملية، والمعاهد الدراسية، والمؤسسات الصناعية، والثقافية، والدعوية، والعسكرية.

ولا نكشف جديداً إذا قلنا إنّ البلدان المتقدمة أكثر حرصاً على العمل الجماعي وأكثر رفضاً للعمل الفردي، فالشركات (الصغيرة) و(العملاقة) تفضّل الإنسان الذي يستطيع أن يعمل داخل فريق (مجموعة عاملين منتظمة أو منظّمة) على الموظف أو العامل الذي يفضّل العمل الفردي حتى ولو كان هذا بارعاً وصاحب مهارة فذّة في اختصاصه.

فلماذا هذا التفضيل؟

 

إيجابيات وفوائد العمل كفريق:

العمل بروح الفريق ينفع الطرفين معاً: (الفرد) العامل ضمن إطار جماعي، والجماعة التي تأتلف ضمن فريق عمل موحّد. فلننظر إلى الإيجابيات التي يجنيها كلٌّ منهما ضمن الفريق:

 

1- الإيجابيات التي يحظى بها الفرد في فريق عمله:

أ) العمل الجماعي بطبيعته وروحه التعاونية يقلل ويقلص من درجات الأنانية وحبّ الذات، هو أقرب إلى (التواضع) من الأعمال الفردية المحضة، لأنّ المنخرط مع الجماعة في فريق عمل يقدّم إقراراً ضمنياً انّه مستعدٌّ للتعاون مع الفريق وأن يضع تجربته وموهبته وخبرته في خدمتها، وانّه -وإن امتاز ببعض المميزات- فردٌ في جماعة وعضوٌ في فرقة، مع الاحتفاظ لكلّ ذي خبرة أو تجربة بموقعه داخل الفريق.

ب) مهارتي كفرد -مهما علت- تبقى تدور في حلقتها الخاصة التي لها مستويات معيّنة من النمو والارتقاء، لكن احتكاك هذه المواهب وتلاقحها مع مواهب أخرى، سيصقلها أكثر، وينمها أكثر، ويدفعها إلى مستويات أعلى خاصةً في أجواء التنافس (المحمود) لا (المحموم).

ت) مثلما يكتسب الآخرون من تجربتي وخبرتي وموهبتي، فإنّني بالمقابل سأكتسب من تجاربهم وخبراتهم ومواهبهم، لاسيّما إذا كان الفريق منسجماً من حيث الكفاءات والمؤهلات المشكّلة له. وتلك حقيقةٌ إنسانيةٌ مهمّة يجب الإيمان بها، وهي أنّ كلّ إنسان -مهما تواضعت إمكاناته- آتاه الله من المواهب المميزة التي يستطيع من خلالها أن يرفد غيره ويعضده ويشدّ من أزره بها. ولذلك كانت واحدة من غايات الخلقة المتباينة أو المتعددة الأذواق والمشارب والاتجاهات هو تحقيق حالة من الثراء البشري والإبداعي على أكثر من صعيد. يقول تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ (الأنعام/ 165).

قيل في معناها: فاوت بيننا في الأرزاق، والأخلاق، والمحاسن، والمساوئ، والمناظر، والأشكال، والألوان لحكمة من بعض ما نلحظهُ منها هو هذه (السعة) وهذا (الثراء) في التنوّع في العطاء. (انتبه أنّ التفاوت ليس جبرياً قهرياً، وإنّما هو تابع للاستعدادات).

وقال عزّ وجلّ:

﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزخرف/ 32). هذا المعنى الذي استوحاه الشاعر في قوله:

الناسُ للناس من بدوٍ ومن حضرٍ *** بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدمُ

ث) لا يُعدم الفرد في العمل ضمن فريق أيادٍ مساعدة كثيرة لإنجاز عمل هو المسؤول الأول فيه، حيث يمكنه الاستعانة بأعضاء الفريق لتحقيق المهمّة التي انيطت به، بل سيجد متطوعين للعمل معه، مثلما يجدونه حاضراً مستعداً لخدمتهم إذا انتدبوه لخدمة ما. (تذكّر مثال (العونة) بين الفلاحين).

جـ) العمل ضمن الفريق يقلل نسبة الأخطاء التي أقع فيها بمفردي، لأنني لا أعدم (ناصحاً) مشفقاً، ولا (ناقداً) هادفاً، ولا (حريصاً) يهمه أن ننجح جميعاً، (هذا بالطبع في أجواء فريق عمل إيجابي يشعر فيه كلّ فرد أنّه عضو في أسرة تعاونية تتعالى على أنانياتها وآفاقها الضيقة).

حـ) العمل الجماعي -خاصة مع سيادة روح التعاطف والنشاط والمثابرة- يقلّص أيضاً من حالات الإحساس بالخمول والتقاعس والكسل. (في خلية النحل، وهي مثل لفريق عمل متكامل، ليس هناك مكان للنحلة الكسولة، تُطرد خارج المملكة إذا لم تقم بواجبها على خير وجه... لاحظ أنّ ثمة معزوفة موسيقية كأنّها تُعزف على وتر واحد داخل الخليّة، وما نسمعهُ من طنين النحل وهو منشغل بعمله ومتفاعل مع بعضه البعض هو صدى لتلك السمفونية).. النحل مثال رائع لروح الفريق.

خـ) الشعور بالقوة لا يتأتى للفرد الأعزل، هو شعور ينتاب الذين يضعون يداً بيد. ولذلك قيل: (الاتحاد هو أقوى الحصون). في الحديث: «عليكم بالجماعة فإنّ الذئب إنّما يصيب من الغنم الشاردة»[2]. لهذا خلق الله للإنسان يدين اثنتين لتساعد كلٌّ منهما الأخرى على حمل الحمل وتخفيفه على اليد الواحدة. في (الكونغو) يقولون: «إسوارة واحدة لن تخشخش». لقد كان بإمكان موسى 7 أن يمارس النبوّة بكلّ مهامها الصعبة فريداً وحيداً، من غير استعانة بأخيه، لاسيّما وانّه يستمد قوته من الله تعالى، فلماذا طلب أن يشدّ الله تعالى أزره بأخيه؟ إنّه 7 كان يريد للمهمّة الصعبة أن تنجز بأفضل وأتمّ وجه من خلال (فريق العمل). وفي الأمثال العالمية: «الفأس بلا يد سوف لن يهدد الغابة». ولذلك ورد في الأثر: «المرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بأخيه»! يمكنك أن تبقى ملتصقاً بالأرض بجناحك الواحد، امّا إذا أردت أن تحلّق إلى الأعلى فلابدّ لك من جناحين.. أخوك (فريق عملك) جناحك الذي به تطير.

في الحديث: «الله في عون العبد ما دام العبدُ في عون أخيه»[3]!

د) يمكن لحماسي المتقد أن يكون كافياً لإنجاز بعض أعمالي وأنا منفردٌ بها، لكن نسبة معنوياتي ترتفع أكثر، حينما أكون ضمن طاقم عمل يحفّزني ويشجعني ويسددني ويدفعني ويتكامل بي وأتكامل به. العمل كفريق ليس بناء قصيدة على الورق يصفّق لي مستمعوها، هو بناء عمراني يحتاج إلى جهود كثيرة وكبيرة حتى تسعد بسُكناه عائلة، تجد فيه أمنها وأمانها ومأواها وعشها الذي تربي فيه أبناءها.. العمل كلما كان أكثر خدمة للغير، كان أدعى لرفع الحماسة وشحذ الهمّة.. وأقرب إلى الله. هذا فضلاً عن سرعة الإنجاز التي ما كانت لتكون لولا هذه (العونة) أو المعونة أو التعاون الذي ألقاه ضمن فريق عملي. في الأمثال النيجيرية: «طالما القطيع متحد سوف يبقى الذئب جائعاً»!.

 

2- الإيجابيات التي يحظى بها الفريق كمجموعة:

إذا كان هذا هو بعض حصاد الفرد العامل ضمن فريق عمل، فكم يا ترى هي الأرباح التي تجنيها المجموعة المنظمة من خلال الروح التي تتحلى بها (روح الفريق)؟ إليك بعضها:

أ) تحسين العلاقات وتهذيب المشاعر، حتى ليشعر الجميع داخل المنظمة أو المؤسسة أو الفريق بروح أُسرية عالية، فكبيرهم بمثابة الأب وصغيرهم بموقع الابن، ومساويهم في العمر بمكانة الأخ، وفي مرحلة متقدمة من شيوع الروح الأُسرية بين الفريق تصل هذه الروح إلى درجة الروح الأخوية عندما تذوب الفوارق أو تذوّب نتيجة الشعور المرهف بإنسانية الآخر، وأن تحبّ له ما تحبّ لنفسك وتكره له ما تكره لها. كان النبيّ 6 يحبّ ويحبّذ العمل الجماعي، ولم يكن يميز نفسه عن فريق العمل: لاحظ ذلك في المسجد، حتى إذا دخل شخص غريب لم يرَ النبيّ 6 من قبل، سأل: أيّكم محمّد؟! ويمكنك ملاحظة ذلك في بناء المسجد النبويّ، فلم يكن 6 يجلس تحت مظلة يراقب العمل والعاملين، بل كان منخرطاً معهم يحمل الحجارة واللبنة كما يحملون، وإذا قيل له: نكفيك يا رسول الله! قال بما معناه: شأني شأنكم ولا أستغني عن أجر. و يمكنك ملاحظة ذلك في انغماسه مع الفريق العسكري في حفر الخندق، حيث نراه حاملاً فأسه أو معوله من غير تمييز، وهذا -لعمري- أفضل طرق استثارة الهمم ورفع مستوى الحماس عند فريق العمل، عندما يلاحظ أعضاؤه أنّ عميدهم أو رئيسهم أو كبيرهم يساوي نفسه بأنفسهم ليقف الجميع صفاً واحداً في خدمة العمل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف/ 4).

من هذه الآية الكريمة يمكن أن نستلّ أو نستلهم فقهاً نسمّيه (فقه البنيان المرصوص): إذ ليس معنى البنيان المرصوص، البناء الذي على مستوى واحد من الطوب أو الطابوق، بل هو البناء الذي فيه الطابوق الكامل، وأنصاف الطابوق، وأرباع الطابوق، بل وقطع الطابوق الصغيرة التي تُسدّ بها الفُرج والفجوات والثغرات.. بكلّ هذه الأشكال من الطابوق يكون البنيانُ مرصوصاً.

في البناء الاجتماعي، والثقافي، والتربوي، والسياسي، .. في فرق العمل كافةً، لا غنى عن أية طاقةٍ مهما كانت صغيرة، بل ليس هناك طاقةٌ صغيرة: (لا تحقرنّ من المعروف شيئاً).. في فريق العمل المنتخب ضمن مواصفات ومؤهلات معينة، كلّ طاقةٍ إيجابية، مهما كان حجمها، ولو سألت النهر الكبير، البحر الغزير: من أين ماؤك؟ لقال: من قطرات المطر (البحر مدادهُ من نُقط)!

وعلى ضوء هذه النظرة، فإنّ إهمال الطاقات الصغيرة، وتهميشها، وتقزيمها وركنها جانباً، لا يخلخل البنيان فقط، وإنّما يدفع المهمّشين إلى إسقاطه أيضاً، وبالتالي، فلكلّ طاقة -صغيرة أو كبيرة- موضعها من البناء، إذا أحسن البنّاءون توظيفها بشكل سليم.. البناء المرصوص هو كلّ هذه اللبنات المؤتلفة، وحينما تندغم القطعة الصغيرة (بروح الفريق) في القطع الكبيرة، لا تبدو صغيرة حينذاك، وإنّما يُنظر إليها من خلال النظرة العامّة الكلّية للبناء.

وهذا هو أكبر ما تحققه المشاريع الضخمة من استخدام روح الفريق في الوصول إلى أهدافها، إنّها لا تهمل أية طاقة، فحتى المُستَخدمون أو المنظّفون يساهمون في الإنجاز، ولولا ما يتيحونه من بيئة صالحة للعمل لتلكأ وتعوّق سير العجلة عن دورانها المنتظم.

فقه البنيان المرصوص المستنبط من (روح الفريق) يعلّمني كيف أكون فرداً أو عضواً في فريق العمل حتى وإن لم انتسب إليه، ربّما لا تسعفني قواي على أن أساهم في الخدمة، عندها يجمل بي أن أشجّع البنائين، وأشدّ على أياديهم، وأثني على إنجازهم، وأقدّر ما يعانون من صعوبات، وأمنع مَن يريد هدم ما بنوه.. عملي هذا مشاركة.. أنا عضوٌ فخريٌّ في الفريق وإن لم أنتمِ له!!

ب) روح الفريق تزيد في الإنتاج وتحسّن نوعيته، وترفع من المكاسب والأرباح، وهذه الإيجابية المادية تقابل تلك الإيجابية المعنوية، وإذا سارت الأمور سيراً حسناً، فالجميع من أعضاء الفريق مستفيد، طالما انّ لكلّ عامل في إنجاز المشروع يداً وله مكافأة، فإنّه يندفع إلى تطوير الإنتاج بأقصى طاقة. وبسبب من هذا لم يقبل (ذو القرنين) مجرد الاقتراح ببناء السدّ بين الجبلين اللذين كان ينفذ منهما الأعداء، ولا أن يتقاضى أجراً على عمله، بل قابل الاقتراح بضرورة اعتماد (فريق العمل) حتى يعرف المشاركون قيمة العمل الذي أنجزوه، ومن ثمّ يحافظون عليه لأنّهم مَن ساهم في ردمه أو بنائه. النصّ القرآني صريح في التعبير عن روح الفريق في قصة ذي القرنين: ﴿قالُوا يا ذا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (الكهف/ 94-95).

هم يقترحون أن ينجز العمل بطريقة فردية كونه قد أوتي من كلّ شيء سبباً (أي منحه الله تعالى أسباب القوة على الإنجازات الخارقة العظيمة). وهو يجيب (أعينوني بقوة) أي لا تعتمدوا على قوتي الموهوبة من قِبَل الله تعالى فقط، بل استعملوا قوّتكم الممنوحة من قِبَله أيضاً، بمعنى: شمّروا عن سواعدكم لنعمل عمل الفريق، لا عمل (المقاول) الذي يعمل العمل كلّه وأنتم تتفرجون.. تابع بقية القصة:

﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (الكهف/ 96)، أمرهم أن ينقلوا قطع الحديد من أماكنها إلى موضع السدّ حتى تكون المواد الخام للبناء جاهزة. فلما آتوه بها وسدّ بها الفراغ بين الجبلين أراد لها أن تلتحم حتى يصعب اقتحامها: ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ (الكهف/ 96)، أمرهم أن ينفخوا في الكير وربما أكثر من كير (الذي يهيّج النار التي تصهر الحديد). ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (الكهف/ 96)، وهذا هو الطلب الثالث، أن يضيف إلى الحديد المنصهر نحاساً ذائباً حتى تزداد صلادته وصلابته فلا يتمكن الأعداء من نقبه أو ثقبه، فنقلوا إليه النحاس أيضاً.

إنّ حكمة ذي القرنين جعلته يوظّف طاقات أهل المدينة المستضعفة في ما هم قادرون عليه من (النقل) و(النفخ)، وهكذا أُنجز أضخم سدّ في التأريخ عن طريق فريق العمل.. ويبقى الكلّ دائماً أكبر من مجموع أجزائه. وفي الحكمة: «كلّ قوة ضعيفة ما لم تكن موحّدة»!

 

3- الأعمال الجماعية مباركة، يباركها الله تعالى:

«يد الله مع الجماعة»، ويباركها الناس لأنّ فيها مصلحةٌ عليا بالنسبة لهم. (العونة مثلاً)، ومن الخطأ أن نتصور انّ فريق العمل هو مجرد تجميع للطاقات، هذه هي المقدمة، فبعد التجميع يأتي (التوظيف) السليم لها، حيث يوضع الرجل المناسب (الطاقة والكفاءة المناسبة) في مكانه المناسب، وبالتالي: (جهدٌ أكبر = حصادٌ أوفر، أخطاء أقل، مباركة ربّانية في الفوز والنصر وزيادة الإنتاج).

 

4- وكما تبيّن من المكاسب الفردية للعمل ضمن الفريق، فإنّ رفع المعنويات، والإبداع، والإنجاز السريع، والإنتاج الأكبر هو من بعض مجتنيات أو قطوف العمل الجمعي.

وإذا كان المحدثون يعتبرون اليابانيين أول مَن طبَّق إدارة (الجودة الشاملة) و(حلقات الجودة) و(فريق العمل)، فإنّنا نعتبر الديانات حتى التي سبقت الإسلام كلّها قد نادت بهذا المبدأ تقديراً منها انّ الطاقة (بل الطاقات) الكامنة في الفرد تبقى كامنة ما لم يتم تحريرها وإطلاقها من خلال العمل الجماعي على شكل فريق، ولذلك كانت (صلاة الجمعة) و(صلاة الجماعة) و(الأعمال الخيرية التطوعيّة) و(السرايا) في الأعمال الجهادية، وما يصطلح عليه اليوم بـ(لجان العمل) في الأمور الإدارية، كانت موجودة على عهود الأنبياء وكان شعار الجودة مطروح دائماً: «رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه»[4]!.

 

5- إنّ روح الفريق لا توجد مجالاً للتنسيق بين أعضائه فقط، ولا تخلق حالة من التفاعل بينهم وحسب، بل تحقق أنبل غاية أُسست فِرقُ العمل من أجلها، وهي أن ليس في البشر إنسان كامل (عدا الأنبياء والأوصياء) فكان لابدّ من البحث عن صيغة توفر (التكامل) إذا عزّ (الكمال)، ولا يتوفر التكامل إلّا بإضافة مخزون طاقتي إلى طاقتك، ورصيد خبرتي وتجربتي إلى رصيد خبرتك وتجربتك، وممازجة عقلي بعقلك، لنصل إلى أفضل القرارات وأصوبها. وأطيب النتائج وأرقاها: في الرواية عن الإمام عليّ 7: «مَن شاور الناس شاركهم في عقولهم»[5]!

 

6- لابدّ لكلّ فريق عمل من منطلقات (مبادئ) يبدأ حركته منها، ورؤية (تشخيص) كاملة للأهداف والغايات التي يريد أن يصل إليها. وما هي الوسائل النظيفة والأدوات الممكنة التي توصله إلى تلك الغايات النبيلة، فإذا كان فريق العمل مسلّماً بكل ذلك هانت المهمّات الصعبة، والمشاريع الكبيرة، والإنجازات الشاقة، لأنّنا في النتيجة متفقون على أن عشرة عقول مفكرة، وعشرين عين مبصرة، وعشرين يد متحدة، وعشرة قلوب مؤتلفة لا تزحزح صخرة المستحيل، بل تفتتها أيضاً. ولذلك نحن مع مَن قال: (اتجاه الأشرعة) وليس (اتجاه الرياح) هو الذي يحدّد وجهة سيرنا.

 

العوائق التي تقف في طريق فريق العمل:

ذلك كلّه في الجانب الأمين من الطريق، أما ما يعترض عمل الجماعة أو فريق العمل من مشاكل ومعوقات تُنقص أو تقلل من درجة الفاعلية، أو تفشل العمل وتصيب الفريق بالهزيمة والخسارة، فهو الشقّ الآخر المهم الذي لا يفوتنا الحديث عنه، ممّا يعني أن ليس كلّ فريق عمل بالضرورة ناجح ومنتصر ويحقق الأهداف المرجوّة.. فكما أنّ الفرق الخاسرة في كرة القدم كثيرة، فكذلك فرق العمل في غير المجالات الرياضية، ولذلك أسبابه التي يمكن الإشارة إلى أهمها هنا بغية التنبّه إليها وتفاديها أو تلافيها ما أمكن:

لنتعرّف أولاً على احتياجات أو شروط فريق العمل حتى نقارنها بالنواقص والسلبيات فيما بعد. واحتياجات أي فريق، في أي حقل تنقسم إلى قسمين:

أوّلاً: احتياجات ميدانية (مادّية) أو بحسب الاصطلاح المعاصر (لوجستية).

ثانياً: أخلاقية الفريق (الجانب المعنوي فيه).. روحه.

في البند الأول، لكلّ فريق احتياجات أساسية لابدّ من توفرها كجزء من تهيئة الإمكانات التي تقيّض للفريق إنجاز عمله بأسرع وقت، وأفضل نوعية، وأكثر إنتاج، ويعتمد ذلك على مدى قدرة قيادة الفريق على تأمين احتياجاته (اللوجستية) أو التي بواسطتها يسعى لتحقيق أهدافه.

وفي البند الثاني المتعلق بـ(أخلاقية الفريق) فالحاجات تتعدد لكنّها تلتقي عند مشترك واحد وهو (التعاون). فمن متطلبات الفريق:

- احترام أعضائه لبعضهم البعض.

- التواضع لبقية الأعضاء.

- الطاعة للخبير.

- التسامح.

- التشاور.

إنّ الافتقار لهذه الشروط التي تصنع روح الفريق، حتى مع توفر واستكمال متطلبات البند الأول تضع الفريق على حافة الهاوية، وتهدده بالفشل والانهيار والإفلاس. فعلى سبيل المثال حينما تكثر الرؤوس في الفريق، وتنخفض درجة الطاعة، ويستأثر بعض الأعضاء بالقرار، ولا تتسع الصدور لقبول الخطأ والاعتذار، نكون أمام الصورة التي يصورها القرآن للجماعة المتصارعة بعد وحدة واتحاد. يقول تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال/ 46). الريح هنا تعبير عن (القوة الدافعة) التي تقف في ظهر السُفُن لتدفع بها في عرض البحر، لا القوة الموزعة أو المشتتة ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر/ 14).

ملاحظة مهمّة: «القرآن لم يستعمل كلمة (الفشل) إلّا في حال التنازع والاختلاف».

هنا يمكن أن نفكك الفريق بالطريقة التالية:

11 (لاعباً) = 11 لاعباً

بينما كانت المعادلة عند الاتحاد:

11 (لاعب) = 1 (الفريق الذي يتحلّى بروح الفريق)!

هذا لا يعني أنّ قلوب الفريق وعقوله واحدة أو متساوية، لكن كلّ عضو فيه يتذكر وهو يمارس دوره أنّه جزء من كلّ، وانّ ذاته لابدّ وأن تشعر بالانتماء للجماعة، وانّه مدينٌ لفريقه بأن يعمل وفق توجهاته التي ارتضاها عند قبوله الانخراط فيه، فهو لا يتصرف بمعزل عن سياسة الفريق والتزاماته وشعاراته ومصلحته. وقد يقول عضوٌ في الفريق، مبرّراً تجاوزاته، هذا الخطأ محسوبٌ عليَّ لا على الفريق، وقد ينظر الناس إليه كذلك، لكنّ وحدة الفريق أو روحه الأخلاقية عامل من عوامل نجاحه وتفوقه وتميّزه، وليس أداؤه الميداني أو إنتاجه المادي هو الذي يدخل في الحساب والتقييم فقط، بمعنى، إنّ (سمعة الفريق) تُكتسب من سمعة كلّ مشارك فيه، هي سمعة محترمة ومصونة وعلى كلّ عضو في الفريق مراعاتها وعدم الخدش أو الإخلال بها. لهذا نقرأ في الكثير من الأحاديث والروايات: «ليس منّا» أي ليس من أخلاق المسلمين لا أنّه خارج الديوان أو السجل المدني للمسلمين، وبكلمةٍ أخرى، هو مسلم غير مكتمل الإسلام، أو مؤمن غير مستوفٍ لشروط الإيمان، مَن أخلّ بسمعة فريق الإسلام والمسلمين في الغش أو عدم إنصاف المظلوم، أو عدم الاستجابة لنصرته، وما شابه ذلك من نواقص وعيوب.

إنّ أخطر ما يواجه أي فريق، ما يلي:

 

1- الأنانية:

لسبب بسيط، إنّها تتعارض وروح الجماعة، فأن تكون أنانياً وأنت عضوٌ في فريق يعني أنّك لا تعي معنى العمل ضمن مجموعة، فتبدو كالنغمة النشاز في السمفونية المتناغمة، ولذلك قيل: «الأنانية كريح الصحراء تجفف كلّ شيء». ولذلك أيضاً كان أحد أهم أهداف النبوات في التأريخ مكافحة هذه النزعة الضيقة عند الإنسان.

ومن تداعيات الأنانية اتّباع الهوى، أي بدلاً من اتّباع ولزوم الجماعة (ما دامت على الحقّ والصواب، وإلّا لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق)، علماً لو أنّ الأنبياء والرُسل : أرادوا تشكيل فريق موحّد من (مئة وعشرين ألف عضو) وهذا هو عددهم، لما اختلفوا في ما بينهم لأنّهم لا يعملون بمنطق الأنانية وهوى الذات، ولهذا السبب رأيناهم في (ليلة الإسراء) يقدّمون النبيّ محمّد 6 ليصلي فيهم على الرغم من أنّه آخرهم.. هم قدّموا الأفضل والأشرف والأول لا في التسلسل النبويّ، بل في المقام والقرب من الله، في مستوى العطاء الكلي الشامل للإنسانية كلّها. وفي ذلك درس لكلّ فريق فيه كبير أو خبير أو عالم أو مجرّب.

داخل الفريق لابدّ من التحلّي بروح الفريق، لابدّ من التنازل والتساهل والتواضع حتى يمكن تحقيق قدر من التفاعل والانسجام والموائمة، وإلّا فالمغرور والمتكبّر والمتعالي على الفريق محسوبٌ عليهم من حيث (العدد) لكنّه ساقطٌ عنهم من حيث (الروحية) أو (الأخلاقية).. هو منهم وليس منهم!

دعونا نعود إلى فريق كرة القدم، ففي الفرق التي تعمل بروحية الفريق والعمل الجماعي ليس المهم مَن هو الذي يسجّل الهدف، المهم أن يسجّل الفريق الفوز بتعاون أعضائه، ولذلك قد نرى لاعباً في موقع الهجوم قادر على تسديد الكرة ليسجّل الهدف باسمه، وإذا به يناولها للاعب آخر أقرب إلى الهدف وأضمن لتسديد الرمية ليسجلها بدلاً منه، ونحن كمشاهدين ومتابعين ومراقبين نعرف جيّداً أنّ الذي (صنع) الهدف هو مَن ناول الكرة لا الذي أدخلها بركلة منه في الشباك، ومن يفعل هذا يعرف أنّ (فوز الفريق) أهم من الثناء على أحد لاعبيه، وانّه يتحلّى بروحية وأخلاقية الفريق التي تشكل سبباً مهمّاً من أسباب فوزه وتقدمه، بل وتربية وتعليم أعضائه.

 

2- التنافس المريض:

التنافس الشريف ممدوح والقرآن يدعو إليه يقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ (المائدة/ 48)، ويقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين/ 26).

والساحة أو الميدان يسمحان به، فحتى داخل الفريق يمكن لبعض الأعضاء أن ينافسوا زملائهم في ما يخدم العمل الجماعي برمّته، ولا يمنع الكفوء والبارع من أن يظهر مهارته أثناء العمل، إذ ليس الإبداع حكراً على عضو دون آخر، ولكن التنافس المريض أو المذموم هو التقاتل للحصول على (اللقب) أو على (الكأس) أو (الجائزة) أو (الترقية) حتى لو وضع المنافس المريض الآخرين تحته ليعتليهم أو يتسلق على أكتافهم.

هنا لابدّ للمنضوي تحت راية فريق أن يتعرّف على ما نسمّيه بـ(فقه الشركة المساهمة)[6]. في الشركات المساهمة يقف الجميع (كلّ المساهمين) من واجباتهم وحقوقهم على مسافات متقاربة، فالشركة شركة الجميع، وهذا هو سبب نمائها وبركتها ودوامها. وهي إذ تربح ينعكس ربحها على الجميع، وإذا خسرت تأثّر بخسارتها الجميع.. في الشركات المساهمة ينشط الجميع لإنجاح الشركة ورفع مستوى سمعتها بين الزبائن، بل والشركات الأخرى أيضاً، وأيّما تكاسل أو إهمال أو تقاعس أو تقصير في خدمة الشركة وإعلاء شأنها يُلحق الضرر بكلّ مساهم فيها. -والمساهمون في تلك الشركات يعملون- كلٌّ بقدر همّته على اجتذاب واجتلاب العملاء والزبائن، فلا نرى مساهماً يمنع مساهماً آخر من الدعاية والإعلان لشركته، بل الجميع مهتم ومنشغل وسعيد بزيادة الزبائن والأرباح تبعاً لذلك.. وفي هذه الشركات التضامنيّة، لا يحقّ لمساهم أن يشوّه صورة زميل أو مساهم آخر، ولا أن يقترف ما يطعن بسمعة الشركة، أو يعمل على إعاقة عملها، أو الإساءة إلى موظَّفيها وروّادها، ولا يحقّ له أن يتجاوز حدود صلاحياته، صحيح انّ الاستحقاقات في الشركة المساهمة بمقدار ما يضع فيها الشريك من أسهم، إلّا أنّ روحية الشراكة والتعاون والتعاضد والتعاطف هي التي تجعل من حزمة المساهمين وكأنّهم شريكٌ واحد، والتنافس بين الشركاء على تحقيق أفضل مستوى للشركة.

 

3- الاتكالية:

ليس في خلايا النحل اتكال نحلة هزيلة على نحلة نشيطة، أو نحلة ضعيفة على أخرى قوية، أو نحلة أقلّ ذكاءً على نحلةٍ ذكية، ففي خلية النحل لكلٍّ (دورُه) حتى تكتمل (دورةُ) العمل داخل الخلية وإلّا فلا مكان للاتّكاليّين والمتواكلين بين النحل. وهكذا الأمر في فريق العمل، فكلمة من قبيل (البركة بالجماعة) أو (فيكم الكفاية) لا محلّ لها في الفرق الجادة التي يحملُ بعضها البعض الآخر، ويكمّل بعضها البعض، ففي الفرق التضامنية كفريق النحل تسود المفاهيم التالية:

- (مَن اتكل على غيره طال جوعه) و(فرو الغير لن يدفئك) و(لا تتكل إلّا على نفسك) و(إذا لم يكن لديك مساعد فتعكّز على عصاك)، و(سوف تسقط الفاكهة الطازجة (الناضجة) لكنّها لن تسقط في فمك أنت (التنبل) الكسلان الذي يوكل عمله لغيره ويتكل على همّة ونشاط الجماعة بينما هو لا يبذل ما يبذلون، ولا يعاني ما يعانون).

يُحكى أنّ ملكاً أراد أن يبني بركة في أعلى جبل، ولما فرغ البناءون من إنشائها، تعذّر عليه إيصال الماء إليها، فطلب من رعيته أن يحمل كلٌّ منهم قربة مملوءة بالماء لينقلها إلى البركة التي تقع على مرتفع شاهق، ولمّا كانت المسافة شاقة ومضنية، ابتدعت الرعية فكرةً مخادعة للتحايل على قرار الملك، فكان كلّ واحدٍ ينفخ القُربة ويصعد إلى الجبل موهماً الناظر إليه أنّه يحمل قُربة مملوءة ماء ومن دون أن يُشعر غيره بحيلته، وبعد فترة لاحظ الملك أنّ البركة لا تزال فارغة على الرغم من حركة الصعود والهبوط، فأوقف رعيته ليسألهم أين الماء؟ وهدّدهم بالقتل إذا لم يصدقوه القول. فتجرّأ أحدهم قائلاً: يا حضرة الملك لقد ثقل عليَّ نقل القُربة المليئة بالماء إلى هذا المرتفع الذي تقع عليه بركتكم السعيدة، فقلت إذا نقل الآخرون الماء إليها، فمن سيعرف انّ قُربتي فارغة بين عشرات القُرب التي تحمل الماء، فنفختها حتى لا أتعرّض للعقوبة ولكي أوهم الحرس إنّني أحمل الماء أيضاً، ثمّ سأل غيره فأجابه نفس الجواب، فاتضح أنّ كلّ شخص كان متكلٌ على غيره في نقل الماء، ممّا ترك البركة فارغة تشكو إلى ملكها القُرب المنفوخة هواءً! وهذا هو معنى ما أشار به النبيّ 6 على جماعة سألوه (الجنة). فقال: نعم، بشرط أن يعتمد كلٌّ منكم على نفسه. فكانوا يعملون أعمالهم بأيديهم حتى إذا سقط سوط أحدهم، وهو على ظهر الناقة، لا يقول الذي على الأرض ناولنيه، بل ينزل من ظهر دابته ليتناوله أو يحمله بنفسه.

هذا بالطبع للأعمال الفردية التي تخصّ الإنسان نفسه، أمّا عندما نعمل ضمن فريق، فإنّ كلّ عضو فيه لابدّ وأن يشعر أنّه المسؤول الأول، أو أنّه مسؤولٌ بقدر ما تناط به من مسؤولية، وأن يستعين بالآخر في ما إذا عجز هو عن القيام به، أو تطلب العمل جهداً إضافياً لا يتحقق إلّا بـ(العونة).

يقول الشاعر (الطغرائي):

وإنّما رجلُ الدنيا وواحدُها     مَن لا يعوّلُ في الدنيا على رجلِ

وفي الأمثال (اليونانية): «اليد تغسلُ أُختها، واليدان تغسلان الوجه»!

 

4- الفوضى:

ليس هناك فوضى خلّاقة، الفوضى فوضى، وهي مرفوضة في خلية النحل كما إنّها مرفوضة بدرجة أكبر في فريق عمل إنساني، ولو افترضنا إنّنا أوكلنا لجماعة من البنّائين أن يبنوا بيتاً من غير (خُطة) ولا (خريطة بناء) ولا (مهندس مشرف)، ولا (اجتماع يعرّف كلّ بناء دوره ومسؤوليته)، فكيف سيكون البيت المُرتجل أو الفوضوي أو غير المخطط له سلفاً؟

لك أن تتصور بيتاً كلٌّ يبنيه على مزاجه، فقد تجد غرفة الطعام مكان غرفة النوم وهذه مكان الحمام، وهذا بدل غرفة الجلوس، وقد تجد أكثر من غرفة جلوس ولا تجد حماماً لا لأنّ البنّائين لا يعرفون بناء البيت، بل لأنّ كلّ بنّاء مجتهد على طريقته الخاصّة التي قد تتعارض وتتضارب مع طريقة الآخر. والحال انّ (التنظيم) وتوزيع المهام وتقسيم العمل مطلوبٌ ليس في (فريق العمل) لمؤسسة أو شركة أو معسكر عمل، بل حتى في أعمال أبسط من ذلك.

سافر النبيّ 6 مع جماعة من أصحابه وأرادوا ذبح شاة لطعامهم، فوزّعوا الأعمال بينهم، فقال بعضهم: عليَّ ذبحها. وقال آخر: عليَّ سلخها. وقال ثالث: عليَّ طبخها، وعفوا النبيّ 6 من المسؤولية. فقال: وأمّا أنا فعليَّ جمع الحطب. وبهذا تشكّل فريق عمل للطبخ عرّف كلُّ واحد مهمّته فلا ينشغل الأثنان أو الجماعة في عمل الواحد.

وكثيراً بل دائما يحتاج البيت إلى فريق عمل ليس لإعداد مأدبة كبيرة نستقبل فيها ضيوفاً من الخارج، بل حتى في الأعمال اليومية أو ما يسمّى بالروتينية، وإلّا أصبحت الأُمّ: طبّاخة، ومنظّفة، ومتبضّعة، وناقلة أولاد للمدرسة، ومعلّمة أولاد في البيت، وممرّضة للمتوعك منهم، والقائمة والساهرة على الخدمة في الصغيرة والكبيرة، والباقون كزبائن المطعم أو الفندق أو دار الاستراحة. صحيح أنّنا نرى نساءً يفعلن ذلك كلّه، لكن هذا لا هو من (التنظيم) في شيء، ولا هو من (المروءة) في شيء. وقد ننجز في أجواء الفوضى عملاً لكنّه يتطلب جهداً مضاعفاً، ووقتاً أطول، وأعصاباً أكثر تماسكاً، ولا يأتي في النهاية بالشكل الذي يرضي الفوضويين.

 

5- افتقاد الرأس:

حتى لو بلغ الانسجام والتفاهم بين أعضاء الفريق درجة عالية، فإنّهم يحتاجون إلى رأسٍ يدير العمل، وينسّقه، ويبرمجه، ويتعاون في تذليل صعوباته وحلّ مشكلاته، أي لابدّ من (مَرجع) يرجع الفريق إليه، في تلبية بعض الاحتياجات وفضّ بعض المنازعات، بل في التشاور واستمزاج الرأي أيضاً، وبالتالي: جسدٌ بلا رأس كتلة لحمية كثيرة الأعضاء لكنّها لا تحسن التصرّف لوحدها، أو قد تعمل لكن أعمالها تتقاطع أو تتضارب أو تتناقض، ولعلّ هذا هو الذي دفع النبيّ 6 وهو يشجّع على فكرة روح الفريق: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم عليكم»[7]: فلابدّ من (أمير) أو رأس لا للتسلّط وإصدار الأوامر والاتكال على الغير، بل تحاشياً للوقوع في مطبّ الفوضى وتقليل درجة الاحتكاك، وتحقيق أكبر قدر من التفاهم والتناغم والانسجام.

 

بين (الاندماج) و(الاستقلالية):

في فريق العمل يمتزج الفرد مع المجموعة ويتفاعل معها ممّا يقلّص درجة الفردانية أو الاستقلالية داخل إطارها، وذلك أحد متطلبات الفريق، فحتى لو سمح الفريق بقدر أو بشيء من التفرّد فإنّ قوانين الفريق لا تسمح بالمزاجية والتقاطع، أي إنّ الفريق في النتيجة لا يقبل أن يشذّ أحد أعضائه عن الجمع المحيط به، لأنّ ذلك يهدد أصل فكرة العمل الجمعي أو روح الفريق، فطالما انّ السمكة في المحيط المائي فإنّها تسبح في اتجاه سربها. وفي بعض الدراسات الميدانية انّ (70%) من حالات الفصل من الشركات لا يكون سببها عجز الموظف عن أداء عمله بشكل مناسب، وإنّما يكون الفصل لعدم إدراكه ثقافة (قانون) شركته، فهو لم يستطع أن يتناغم معها.

غير إنّنا يجب أن نفرّق بين أمرين: (الانسجام) و(شخصية العامل)، فالانسجام لا يعني الانغماس، والاندماج مع الفريق لا يُراد به (محو الكيان) أو أن أُصبح نسخة مكررة من الآخرين، ذلك أنّ سبباً من أسباب نجاح وتفوق الفريق هو هذه التعددية في المواهب داخل تشكيلته، لكنّها تعددية لصالح الفريق وليس في الضدّ من مصلحته، أي انّ أعضاء الفريق الرياضي يلبسون نفس الزيّ لكنّهم لا يمتلكون نفس الذكاء والحنكة والمهارة، والفريق الذي يحاول أن يلغي امتيازات لاعبيه (أو أعضائه) هو فريق استنساخي جامد أو متخلّف، فكأنّه يقول لتعدد المهارات كوني مهارة متماثلة، وليس من فريق عاقل أو حكيم يقول ذلك.

من هنا، وعلى ضوء هذه المقدمة، ليكن لكلٍّ منّا (بصمته) المميزة داخل الفريق، وطريقته الذكية الخاصة في التعامل والتعاطي والتكامل، وبتعبيرٍ آخر لأكن رفيق العمّال داخل (فريق العمل). لأكن حمامة السلام التي توفّق ولا تفرّق ﴿إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات/ 10)، ﴿فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال/ 1). وبالتالي، فروح الفريق تعني أخلاقيته المتجاوزة لحدود الذاتيات غير المنافية لاحتفاظ كلّ عضو فيه بخصوصيته، وغير المتعاكسة مع روح التنافس الموضوعي الشريف أو النظيف داخل إطاره.

على أنّ المساواة بين أعضاء الفريق والوقوف من الجميع على نفس المسافة لا يعني أن يغمط حقّ المتميزين والبارعين والمنجزين أعمالهم على أكمل وجه. لقد نبّه الإمام عليّ 7 وهو يتحدّث مع أحد ولاته (مالك الأشتر) في كيفية التعامل مع أعضاء الفريق بحسب (العطاء) لا على نحو (المساواة)، فيقول له: «ولا يكونّن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة! وألزم كلّاً منهم ما ألزم نفسه»[8]. لأنّنا إذا عملنا بمبدأ المساواة، مع عدم التساوي، نكون قد أغضبنا (العدل) فيفتر عطاء المحسن والمتميز والمعطاء، ويتشجّع المقصّر والمتكاسل والمتواكل على كلّ ذلك عندما يرى أنّه وغيره على سوية واحدة، وكلمة (ألزم كلّاً منهم ما ألزم نفسه) أي إعطِ كلّ ذي حقٍّ حقّه، فللمحسن الإحسان ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ (الرحمن/ 60). وللمسيئ أو المقصّر الردع والعقوبة، ومع التمادي والاستغراق الفصل.

 

6- التبجّح والغرور:

 الغرور آفةٌ فردية وجماعية أيضاً. على الصعيد الفردي يمنع الإعجاب بالنفس من النمو و(التنمية) والازدياد من محاسن الأخلاق، ومراتب الترقي، وعلى المستوى الجماعي (غرور الفرد داخل الفريق) يخلق حالة من الجفاء والجفاف والتجافي بين العامل المغرور وبين زملائه أو رفاقه في الفريق، فلا يكون هناك مساحة للتفاهم والتلاقح، ولهذا السبب دعا لقمان ابنه إلى التواضع: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان/ 18)، فالقرآن يُلفت النظر إلى مراعاة التواضع في المحيط الاجتماعي (للناس) و(في الأرض)، أي إنّك والآخرون من نفس الطينة، فلست من (تبر) وهم من (تراب) ولا أنت -بما امتلكت من مزايا ومواهب- بأفضل من غيرك، لأنّ المعيار هو ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الذي يمكن ترجمته من خلال اشتقاق بعض معانيه:

- أفضلكم أكثركم عطاءً خالصاً ومخلصاً.

- أفضلكم الذي يتكافل مع مجموعته وأبناء جنسه.

- أفضلكم القادر على أن يهب الآخرين السعادة والسلام واليد العليا.

- أفضلكم الذي كلما ازداد فضلاً، تواضع لله وخفض جناح الذّل للمؤمنين والعاملين.

فلا نستغرب إذا قيل لنا إنّ الغرور قد لا يقلب الفضائل، وإنّما يهزّها من أساسها، كما لا نُفاجئ بمنطق الطبيعة وهي تقول لنا إنّ الطاووس يملك القليل في رأسه، والكثير في ذَنَبه، وإنّه حتى (النسر) لن يستطيع التحليق فوق الشمس.

 

عوامل نجاح الفريق:

قيل الكثير عن عوامل نجاح فرق العمل، وكتب الكثير في ذلك أيضاً، لكنّنا نشير أو نؤشر على أهمّها، مستوحين ذلك من روح ديننا الإسلامي الذي يلتقي في جوهره مع مبادئ العمل الجمعي أو الجماعي في آخر ما توصلت إليه تقنياته وتقنيناته من كفالات وضمانات للنجاح:

 

1- الوحدة الداخلية في مواجهة التحديات:

حينما أراد القرآن الكريم أن يصف المجتمع الإسلامي في روحه الأولى (روح الفريق) كان أفضل ما وصف به الملتفين حول النبيّ 6 التفاف السوار حول المعصم، قوله سبحانه: ﴿مُحمَّدٌ رَّسُول اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح/ 29).

ويمكن أن نستفيد من وحي الآية أهم عناصر نجاح الحركة التي تريد أن تحقق انتصاراً في الواقع:

1- الهدف: الله -تعالى- قدّم النبيّ محمّداً 6 بصفته الرسالية لا الشخصية، ليبقى الهدف حتى مع رحيل القائد.

2- القدوة: فالنبيّ القائد 6 هو الأُسوة الحسنة التي تتجّه سُفن العاملين المبحرة في عُبَاب[9] بحر الحياة نحو مناره، وهكذا يُفترض بكلّ قائدٍ في أي موقع.

3- الالتفاف حول القيادة الصالحة: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ في الفوز والخسارة، والرخاء والشدّة، أي انّ أعضاء الفريق يحملون روحاً وثابة هي روح الثبات على المبدأ في مختلف الظروف والأحوال.

4- القيادة لا تلغي دور القاعدة، وكما أنّ للقيادة أو الرأس دوره الكبير في بناء وإنجاح (روح الفريق) فإنّ للفريق دوره في التكامل مع القيادة أو القبطان للوصول بالسفينة لا إلى ساحل النجاة فقط، بل إلى السواحل البعيدة التي تتطلبها الحركة وتستدعيها أهداف الفريق.

5- الفريق تسوده الرحمة الداخلية بين أعضائه (قيادة وقاعدة)، والرحمة لها تفريعاتها من (الاحترام) و(التعاطف) و(التسامح) و(التباذل) و(التعاون) و(التواصي بالصبر) و(التواصي بالحقّ).. إلخ. وهو بمثابة رجل واحد وقوة متراصة في وجه التحديات التي تعترضه.

لقد عُرف عنه 6 أنّه كان يكره كلمة (أنا) التي يُشمّ منها رائحة الأنانية، لأنّه تربية القرآن الذي يتحدث عن صيغ الجمع في كلّ الخصال الحميدة التي يُثني عليها، فهو يطالب بـ(الصف) المرصوص الذي زيّن به عنوان أحد سوره العظيمة. اليوم وفي عصر فِرَق العمل وروح العمل الجماعية تتأكد أهمية هذه الروح. في كتابه (قواعد العمل) يقول (ريتشارد تمبلر): «تحدّث بلهجة (نحن) وتجنّب الكلام بـ(أنا)». ص 172. معتبراً ذلك قاعدة مهمّة من قواعد العمل الذي يرنو إلى النجاح ويتطلع إلى المزيد من التوفيق، وكم هو جميلٌ أن ترى مكتشفة اليورانيوم (السيدة كوري) حينما كانت تعمل في مخبر واحد مع زوجها، وكانت تصدر بحوثها موقّعةً بـ(نحن) الذين اكتشفنا هذا، لتعلّم العاملين، كيف يقدّر بعضهم البعض الآخر، حتى ولو كانت نسبة مساهمته أو حصة البعض منهم في العمل أقل، واعتباره شريكاً مساهماً في العمل: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾!!

 

2- وعي الأهداف:

لم يقصر القرآن الوعي في إطار القيادة فحسب، بل وسّع دائرته لتشمل القواعد أيضاً (أي فريق العمل كلّه) قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف/ 108). و(البصيرة) تقابل (الوعي) وهي شرط مشترك مطلوب من الاثنين معاً: (الرأس) و(الفريق). وكلّما كان الوعي بالأهداف أكبر، كان الوصول إليها أيسر، فالهدف مفرداً أو مجموعة أهداف هو الذي يعطي الحياة معنى.

يقول الشاعر مصوّباً عينه نحو هدفه:

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً *** إنّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ

وكما يقال في الأمثال، فإنّه ليس هناك ريحٌ تخدمُ مَن لم يوجّه رحلته إلى ميناء معيّن.

وكلّما كان الهدف واضحاً ومحدداً وكبيراً التحمت الهمم كلّها من أجل بلوغه، وإنّ ما يوقع في الفشل أو الخسارة هو الانشغال بـ(الثانوي) عن (الرئيسي)[10]. وصدق مَن قال: إذا ركضت وراء أرنبين سوف لن تمسك أي شيء. ولهذا تجد القادة العسكريين مهتمين جدّاً بهذه القاعدة، فلا ينشغلون إلّا بأهدافهم المحددة.

 

3- المشورة والتشاور:

عقلٌ واحدٌ لا يكفي حتى لو كان جبّاراً. النبيّ 6 على عظمته كان يستشير أصحابه، نعم، بحسب روح الفريق، المشاورة والمداولة والنقاش، كلّ ذلك مطلوب قبل ساعة الصفر أو الحسم، فإذا دقت الساعة، فالكلمة الفصل للقيادة ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ﴾ (آل عمران/ 159)، ولغة الجمع الموافقة لروح الفريق حاضرة دائماً في مبدأ الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى/ 38). والدلالة واضحة لأنّ مَن شاور الناس شاركها عقولها، كما يقول الإمام عليّ 7. وما خاب مَن استشار، لأنّ المستشار يمحضك النصيحة، ولذلك قيل: نصّف رأيك مع أخيك فاستشره، كما قيل المشورة حصنٌ من الندامة، وأمانٌ من الملامة، ذلك أنّ مَن قلّب وجوه الآراء عرف مواطن الخطأ والخلل والنقص والفشل.

يقول الشاعر:

إنْ سرٍّ عليك التوى *** فشاور حكيماً ولا تعصهِ

وتبقى وصيته 6 نبراساً لكلّ فريق عمل يطمح إلى النجاح «ما تشاور قومٌ إلّا هُدوا الله لأرشد أمرهم»[11]!

 

4- النظرة العملية للمقترحات:

ما يجعل اقتراحات القيادة، أو أي الفريق، أو أي عضو فيه قابلة للتنفيذ هو الاستعداد للمشاركة في إنزالها منزل التطبيق. (ذو القرنين والمدينة المستضعفة التي كانت تتعرض لغارات وهجمات البرابرة، نموذجاً).

وقد تؤجّل بعض الاقتراحات لأنّ الوقت غير مناسب، أو الامكانات غير متاحة، أو انّ الشروط غير متوفرة، أو انّ غيرها متقدّمٌ عليها بحسب سلّم الأولويات، لكن ذلك لا يمنع المتقدّم باقتراح للنهضة أو لتطوير العمل وتحسين الأداء للإحباط والتوقف عن تقديم الاقتراحات، ولا يعني أنّ مجرد استعداد صاحب الاقتراح كافٍ لتنفيذه، فقد لا التفت إلى الجوانب والزوايا الأخرى التي يراها الفريق، وبالمحصلة، فإنّ الاقتراح الجدير بالإجراء والتنفيذ لابدّ أن يَلقى عند الفريق روحاً إيجابية في الاستعداد لإدخاله في حيز التنفيذ عن أي من أعضاء الفريق صدر، طالما أنّ فيه مصلحة الفريق ككلّ. لقد عانى الإمام عليّ 7 أثناء خلافته من هذه المشكلة، وهي إنّ اقتراحاته (وهي هنا ليست شخصية وإنّما يُراد بها مصلحة الإسلام العليا) كانت تُقابل بالصدود والجحود والاصطدام بعقبةٍ صخريةٍ صلدةٍ. وكان 7 يعبّر عن ذلك بمرارة فيقول تارة: «أفسدتم عليَّ رأيي» ويقول تارة: «لا رأي لمَن لا يُطاع» ويصف تارة ثالثة الحجج التي يتذرّع بها فريق العمل بأنّها واهية، ممّا يعني أنّ القيادة، حتى وإن كانت حائزة على أعلى مراتب الكفاءة والدراية والعلم والخبرة، لا تستطيع لوحدها أن تنجز مقترحاتها أو خططها، ومشاريعها إذا كان فريق العمل غير متفاعل معها، ولقد كان له 7 رأي مغاير في معركة صفين لكن فريق أو طاقم العمل معه كان له رأيٌ مخالف، وكان هؤلاء يشكّلون الأغلبية، فانصاع لرأيهم بعدما رفضوا الاستجابة لأمره.

 

5- التعلّم من الأخطاء:

فريق العمل العسكري الذي شارك مع النبيّ 6 في معركة أُحد، فشل في حسم المعركة لصالحه، نتيجة عدم الالتزام بالتعليمات الصادرة عن القيادة العليا ممثلةً بالرسول 6 الذي حذّر من التفاف العدو عليهم إذا تركوا مواقعهم التي وضعهم فيها. خسر المسلمون المعركة لكنّهم ربحوا درساً وتجربةً قاسيةً لا تُنسى.

وما من فريق عمل في التأريخ كلّه، كانت كلّ أعماله ناجحة، وطريقه مفروشة بالورود، ويحقّق الانتصارات على طول الخط، وعلى الرغم من أنّ النبيّ 6 لم يشكّل مجلساً للتحقيق في الخطأ. لأنّه شخّصه، ولم يعاقب المخالفين لأنّهم عاقبوا أنفسهم بأنفسهم عندما عرفوا أنّهم السبب في الخسارة أو الهزيمة، إلّا أنّ منهج القرآن في التربية والتعليم، هوالاستفادة من الخطأ الفادح والتجربة المرّة: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور/ 11). على أنّ ذكرى الخطأ يجب أن تبقى ماثلةً للأعيان حاضرة في الأذهان، لأنّنا -كفريق عمل- سنخسر واحدة من التجارب التي يمكن أن نستقوي بمعاكستها في تجاربنا اللّاحقة، أي إنّ السؤال بعد الخطأ: كيف نعمل وبقدر أقل من الأخطاء، وأن لا نعيد أو نكرر الخطأ ذاته الذي دفعنا بسببه ضريبة باهضة، ولذلك قال العقلاء: إن (تعثر) هو ليس أن (تسقط)، وإذا كان مَن تزلّ قدمه، يدلّ الكثيرين على الطريق، فالأجدر به أن يكون هو عبرةً لنفسه قبل أن يكون عبرةً لمن يعتبر، ولهذا من الأفضل أن تُخطئ في البداية مِن أن تُخطئ في النهاية.

إنّ الدفاع عن الأخطاء ليس من شيم الفرق القوية التي تستفيد من أخطائها لمزيد من القوة، فلا هي تنكرها ولا هي تبررها، بل تضعها في الرصيد آخذة بعين الاعتبار إنّ مَن لا يعترف بخطأه مصممٌ على القيام بأخطاء أخرى.

كما أنّ اتهام أفراد الفريق لبعضهم البعض -في حال الفشل والخسارة أو (إلقاء) اللوم على بعضهم- انّه هو السبب في الخسارة. لا يقي الفريق من النتيجة المؤسفة، وإنّما تقف الفرق التي تستوعب هزائمها موقفاً شجاعاً من أخطائها معترفةً أنّ الخسارة يتحملها الجميع، كما أنّ النصر أو الفوز أو الربح يناله الجميع. نعم، الذين يتعمدون الأخطاء ويتسببون في إلحاق الضرر أو الهزيمة، هؤلاء يعترفون ضمناً أنّهم لم يعودوا مؤهلين أو صالحين للبقاء ضمن إطار الفريق الذي يستطيع أن يتحمل (الخسارة) لكنه لم ولن يستطيع أن يتحمل (الخيانة).

 

6- الحفاظ على السمعة:

كلّما حظي فريق العمل -في أي موقع من مواقع الخدمة الإنسانية- بشهرة واسعة، زاد ذلك في العبء والمسؤولية عليه، فالفريق الناجح ليس هو الذي ينام على وسادة المجد، بل الذي يبقى ساعياً للحفاظ على سمعته من خلال: أدائه الجيد والمتميز، وأخلاقيته التي سجّلت له مكانة في القلوب، وبالتالي فإنّ سمعة الفريق هي مِن حسن تصرّف أعضائه، كما أنّها تُحصد وتُرصد عبر خدماته الجليلة، وانتصاراته المتلاحقة. وبالنظر إلى أهمية هذا العامل، فإنّ الحفاظ على سلامة السمعة ونقائها وتألقها أشدّ وأصعب من اكتسابها.

غير انّ الشهرة أو السمعة لا تُطلب لذاتها، ولا هي هدف بحدّ ذاتها، وإنّما هي تأتي لتكلّل العمل المخلص والجدّ والمثابرة واختيار العناصر النزيهة والكفوءة. إنّ شهرة العسل الذي فيه شفاء للناس، والشمع المستحصل من خلايا النحل للإفادة، ليس هو الذي يجعل النحل في عمل دؤوب لصناعة هذا وإنتاج ذاك، فهو يعمل بعيداً عن الأضواء، ما يهمّه أداء مهمّته بالإخلاص، والتشريف والتكريم والمدح والثناء يأتي من غير بحث عنه. وبناءً على ذلك، فإنّ شعار كلّ فريق يسعى إلى النجاح على الطريقة النحلية هو: النجاح ليس كلّ شيء، إنّما القيام بالجهد لتربح!!

 

على هامش الفريق:

الوجه الآخر للفريق، هو الوجه غير المنظور منه، أو غير المسلّط الضوء عليه هو المساحة الحرّة التي يتحرك فيها أعضاء الفريق خارج دائرة فريق العمل، سواء في اللقاءات الإخوانية الثنائية، أو الرحلات الجماعية، أو التزاور، أو تبادل الآراء في شؤون حياتية غير متعلقة بالعمل، أو التهادي (مبادلة الهدايا)، أو إبداء الاستعداد للإحلال محل رفيق في الفريق في حال مرضه، أو سفره، أو تعوّقه عن العمل لسببٍ ما.. وما إلى ذلك.

في الحديث النبوي: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»[12] وفي الوصايا العيسوية: «فليحب بعضكم بعضاً» ويستوحي (جبران خليل جبران) هذه اللفتة الإنسانية الرائعة، ليقول: «أحبّوا بعضكم بعضاً، ولكن لا تقيّدوا المحبّة بالقيود، بل لتكن المحبّة بحراً متموّجاً بين شواطئ نفوسكم»!

إنّ الانتقال في العلاقة من الزمالة داخل الفريق (فريق العمل) إلى مستوى الصحبة والصداقة يضفي على عمل الفريق نفسه بركةً، وتعاوناً، وإبداعاً، واختزالاً للجهود والأوقات، إنّها ربحٌ للفريق من غير أن ينفق الفريق (كوحدة عمل) فلساً واحداً. في روسيا يقولون: «الصديق الحقيقي أفضل من مئة خادم»!

لكنّنا ونحن نوطد العلاقة العملية ونطوّرها إلى إخوانية يجب أن لا ننسى انّ الذي يظن أنّه يستطيع الاكتفاء بنفسه ويستغني عن الناس يُخطئ خطأً كبيراً، وانّ الذي يظن أنّ الآخرين لا يمكنهم الاستغناء عنه يرتكب خطأً أكبر!

 

خلاصة واستنتاجات:

1- روح الفريق أهم من الفريق، الفريق مجموعة عاملين، أمّا روح الفريق فهو عقولهم التي تشترك في التفكير، وقلوبهم التي تعزف بنبضاتها سيمفونية النجاح.

2- روح الفريق: جدّ واجتهاد ومثابرة، ولذلك قيل: الدولاب الذي يبرم (يدور) لا يصدأ، وبالمثابرة سوف يصبح الصوف سجّادة ممتازة!

3- روح الفريق: التفكير بالإخلاص فيه أكثر من الجوائز التي تنتظره، لأنّ ذلك هو الذي يجلب هذه.

4- روح الفريق: معاودة الكفاح بعد الفشل، لأنّها كما يقول الشاعر الإنجليزي شكسبير -هي التي تظهر من أي معدنٍ صُنعت الرجال-. فإذا فقد الفريق الربح أو الفوز في السباق، وبقي محتفظاً بروحه الداخلية بـ(أخلاقيته) فإنّ الفوز هو سيأتي إليه.

5- يُقال، والحقّ ما يقال: باستطاعة رجل واحد أن يكون عنصراً حاسماً في الفريق، ولكن ليس باستطاعته صنع فريق، ذلك أنّ الفريق يحتاج إلى روح والروح (تكامل) العقول والأيدي والقلوب.

6- روح الفريق التشاورية، تلاقحية، استمزاجية، تعاضدية، إخوانية، إسلامية، إنسانية، ملائكية.

 

-وَآخِرُ دَعْوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ-



[1]- في الأمثال الدالة على ضرورة التميّز في المواهب والمهارات والإبداعات يقال: فلان يغرّد خارج السرب، ولا يقال: يطير خارج السرب، فلك أن تغرّد خارج سربك، لكنك لن تستطيع الطيران لمسافات طويلة بدونه!

[2]- ابن عبد ربه، العقد الفريد، منشورات دار ومكتبة الهلال، 1981، الطبعة الأولى، ج2/ ح18 ومجمل الأمثال: ج1/287... الغنم الشاردة القاصية.

[3]- الوسائل، ج12، ح14526.

[4]- الكافي، ج3، ص262، ح45.

[5]- نهج البلاغة، حكمة 366.

[6]- كلمة فقه هنا لا تعني أحكام الحلال والحرام، بل تعني الثقافة، ففي الأدبيات الإسلامية شاع هذا المصطلح ليقابل مفهوم الثقافة عندنا، ولذلك قلنا (فقه البنيان المرصوص) و(فقه الشركة المساهمة).

[7]- رواه الطبراني.

[8]- نهج البلاغة، من عهد الإمام عليّ 7 لمالك الأشتر، عندما أراد توليته على مصر.

[9]- عُباب البحر: مَوْجُه.

[10]- في المفاهيم الفقهية أو ما يسمّى بـ(علم الوصول) هناك قاعدة رئيسية مهمّة من الضروري مراعاتها في كلّ فريق عمل وهي (قاعدة التزاحم) فإذا كان هناك (مهم) و(أهم) فالأهم هو الذي يقدّم، وهذا ما يعبّر عنه في قواعد العمل اليوم بـ(سلّم الأولويات).

[11]- بحار الأنوار، ج75، ص105، ح4.

[12]- رواه البخاري ومسلم.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1018
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا