الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
بين يَدي الإمام الرضا

2015/08/26 | الکاتب : عمار كاظم


وُلدَ الإمام عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ السجّاد بن الحسين السبط الشهيد بن عليّ بن أبي طالب (ع) في المدينة المنوّرة سنة 148هـ، وانّ الإمام وُلدَ يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة 153هـ بعد وفاة الإمام الصادق (ع) بخمس سنين. قال رسول الله (ص): «نحنُ أهلُ بيتٍ لا يُقاسُ بنا أحد». حياة أهل البيت (ع) مدرسة تفيض بالعطاء، وتشعّ بالعلم والأدب، وشخصيّاتهم قدوة في الأخلاق والفضيلة وكمال الصفات، فهم أوّل الناس اقتداء برسول الله (ص)، وأقربهم للتمسّك بسيرته والاهتداء بهديه، امتازوا بالأدب العالي والخلق الرّفيع، وحظوا بطهارة الذات، وكمال النفس: «إنَّمَا يُريدُ اللَّهُ ليُذْهبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ الْبَيْت. وَيُطَهرَكُمْ تَطْهيرًا» (الأحزاب/ 33). وكيف لا يكونون كذلك وقد تربّوا الواحد تلو الآخر على أدب النبوّة وخُلق الرّسالة، يتوارثونها عن آبائهم، ويرتضعونها في بيت متّصل السلسلة والحلقات بالرسول الهادي، جدّهم النبيّ الكريم محمّد (ص). إنّ طهارة الذات وسموّ الملكات النفسية لهي سمةٌ من أبرز سمات الأئمّة الأطهار من أهل البيت (ع)، قد حظوا بها فوهبهم الله سبحانه هذه الألطاف برعاية منه وفضلٍ، فكانوا مُطهّرين من الرّ.جس، بعيدين عن الذنوب والمعاصي، شاء الله لهم ذلك: «إ.نَّمَا يُريدُ اللَّهُ ليُذْهبَ عَنْكُمُ الر.جْسَ أَهْلَ الْبَيْت. وَيُطَهرَكُمْ تَطْهيرًا». ليكونوا قدوة للبشرية، ودعاةً للهُدى والرّشاد، وقادةً للإنسانيّة وأئمّة للمسلمين.

 

الإنسان الكامل

إنّ دراسة صفات النبيّ وأخلاقه، وصفات أهل بيته الأطهار وأخلاقهم، توضّ.ح لنا الصيغة الكاملة للإنسان الكامل وللشخصية الإسلاميّة القدوة.. فحياتهم مدرسة وعبرة وموعظة، تفيض بالعطاء، وتشعّ بالخير والاستقامة، وتوحي بالكمال والهداية. وسلوكهم يجسّ.د مبادئ الرسالة حياة وعملاً، حتى إنّ الواحد منهم يهدي بسلوكه وعمله كما يهدي بقوله وتوجيهه، وكان الأئمّة (ع) يربّون تلامذتهم وأصحابهم على الالتزام والعمل قبل القول والكلام، وكانوا يُريدون من أصحابهم ويوصونهم بأن يكونوا دعاةً للهُدى بسلوكهم وفعلهم قبل أن يكونوا دعاة بأقوالهم. قال أبو عبد الله (ع): «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورعَ والاجتهاد والصّلاة والخير، فإنّ ذلك داعية». ذلك لأنّ رسالة الإسلام العمل والتطبيق، ولأنّ هذه الرسالة تدعو إلى العمل ورفض القول والادّعاء والنظرية التي لا واقع لها، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عنْدَ اللَّه. أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ» (الصف/ 2-3). لذلك نجد أئمة هذه الرسالة، وقادة هذه الأُمّة الرساليين يبدأون بالعمل والتطبيق، فلا يرى الناس منهم إلّا الصدق في القول والعمل، ولم يُشاهد في حياتهم فارقاً بين دعوة الفكر وبين السلوك. لذا صار سلوكهم قدوةً، وممارستُهُم هداية. إنّ كمال الذات وطهارة الوجدان واستقامة الخُلق وملكات النفس هي القاعدة الأساسية والمنطلق الذاتي للسلوك والعمل الصالح والالتزام بالقيم والمبادئ الشرعية. لذلك كان ابتعاد أهل البيت (ع) وتنزّهم عن الرّجس والمعاصي نتيجة طبيعية لطهارة الذات وكمال الملكات والقوى النفسية الباطنة لديهم، والتي أراد الله لها أن تكتملَ فيهم بلطفٍ منه وعنايةٍ خاصّة: «إنَّمَا يُريدُ اللَّهُ ليُذْهبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ الْبَيْت. وَيُطَهرَكُمْ تَطْهيرًا» (الأحزاب/ 33). والإمام عليّ بن موسى الرضا (ع) هو واحد من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام الهدى والصلاح من أهل البيت الأطهار (ع)، لذلك كانت حياته مناراً للمهتدين، ودليلاً للسائرين في طريق التقوى والعبادة، ومثلاً أعلى في الأخلاق والسلوك المستقيم.

 

الزُّهد وبساطة العيش في حياة الإمام

الزُّهد وضع سلوكي، وأخلاقي يَبتني على أساس فهمٍ عقائدي ونظرة ربانية سامية وتقويم إيماني دقيق لقيمة الحياة والملذات والمتع، وهو بعد ذلك منهج حياة وطريقة عيش. ومفهوم الزُّهد ككثير من المفاهيم والمصطلحات التي حصل فيها سوء الفهم والخلط بين المفاهيم. إلّا أنّ أهل البيت (ع) مصدرُ المعرفة ومنبعُ النور والهداية، يشخّ.صون لنا معنى الزّهد ويوضّ.حون أبعادَهُ النفسية والسلوكية، فقد ورد عن الإمام عليّ (ع) قوله: «ليس الزُّهد أن لا تملكَ شيئاً، إنما الزُّهد أن لا يملكَكَ شيء». ويفسّر الإمام السجّاد عليّ بن الحسين الزُّهد بقوله: «ألا وإنّ الزُّهد في آية من كتاب الله عزّ جلّ: «لكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بمَا آتَاكُمْ...» (الحديد/ 23)».

والإمام عليّ بن موسى الرضا (ع) قد جسّد هذه الصفة السلوكية والأخلاقية، كما جسّدها آباؤه الكرام حقيقةً وحياةً، فقد رُوي عنه أنّه: «كان جلوس الرضا (ع) في الصيف على حصيرٍ وفي الشتاء على مسح، ولبسُهُ الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن لهم». فالإمام الرضا (ع)، مع ما كان بيده من ثروة وغنىً، ومع ما كان له من مقام وقدرة على الاقتناء والاستمتاع، كان مُعرضاً عن زخرف الدنيا وزينة الحياة، ولكنّه على الرغم من ذلك كما تشير الرواية أنّه كان يعتني بمظهره الذي يلقى به الناس، ويتعامل به مع المجتمع، فهو مع نفسه ربّه متخلٍّ عن كلّ. حُبّ للمقتنيات وزينة الحياة، إلا أنّه يرى من ضرورات الحشمة والوقار الاجتماعية أن يَظهَرَ للناس بالمظهر الذي يَعتنونَ بالظّهور به، ليواك.بَ تفكيرَ المجتمع ويواف.قَ طبيعة الحياة في غير مُحرَّم.

 

التربية الاجتماعية

إنّ الإنسان اجتماعي ومدني بالطبع، ويعتقد البعض أنّ لذلك جذوراً في أصل خلقته، ويعتقد البعض الآخر أنّ دوافع ذلك هو الجبر والاضطرار، وقال آخرون إنّ منشأ ذلك هو العقل والتدبير وأنّ الإنسان قد وصل إلى هذه الحال بقدرة محسوبة، ويستطيع أن يتمتع أكثر بمواهب الحياة، من خلال المشاركة الاجتماعية، إذاً ثلاث أفكار في هذه المسألة (فطري واضطراري واختياري). ويفهم من آيات القرآن أنّ كون الإنسان اجتماعياً إنما هو أمر متأصل في أصل خلقته، حتى لو أننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أنّ الضرورات الحياتية للإنسان وتأمين احتياجاته إنما تكون عن طريق المجتمع. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ منْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائلَ لتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13)، وقال في الميزان في ذيل الآية المذكورة: «فالمراد: وجعلناكم شعوباً وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض، بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضاً ويتم أمر اجتماعكم». وقال تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبيينَ مُبَشرينَ وَمُنْذرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكتَابَ بالْحَق.ّ ليَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس. فيمَا اخْتَلَفُوا فيه. وَمَا اخْتَلَفَ فيه.» (البقرة: 213)، وتؤكد هذه الآية وحدة الانتماء الإنساني وأنّ فلسفة بعثة الأنبياء إنما هي من أجل رفع الخلاف الناشئ من الهوى والطغيان. وقد احترم الفلاسفة العلاقات الاجتماعية التي هي أحد الأنواع الأربعة للعلاقات، وتحدث العلماء التربويون أيضاً عن البعد الاجتماعي للتربية. فالتربية الاجتماعية هي توجيه الفرد، بحيث إنّه بميوله العاطفية نحو الحياة الاجتماعية يؤدي مسؤوليته الإلهية والإنسانية، وضمن تقيده بالحقوق الإنسانية المتقابلة سوف يستفيد من الشروط المساعدة والعلاقات الاجتماعية، من أجل نموه ورشده وتكامله. وخلافاً لبعض المذاهب ممن سار على طريق الإفراط والتفريط فأعطوا الأصالة إما للفرد وإما للمجتمع فقط، وأهملوا أي دور آخر، فإنّ الإسلام بإعطائه القيمة للفرد والمجتمع معاً وبالالتفات لدورهما وتأثيرهما المتقابل من جهة يدعو إلى تربية شخصية الفرد وإيجاد الاعتدال بين قواها واستعداداتها ويوجهها إلى الأهداف المشتركة الإنسانية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 302
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا