الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الكلمة الطيِّبة ليس لها موسم

2015/08/30 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ عطاء (الكلمة الطيّبة) ليس له موسم معيّن، ففي الربيع تعطيك الثمر وفي الصيف تعطيك وفي الشتاء وفي الخريف.. هذه هي الكلمة الطيبة في صورتها المادية الحسِّية، فهي عندما تكون صدقاً، حقّاً، وعندما تكون عدلاً، علماً، وعندما تكون خيراً، فهي تؤتي أكُلَها كلّ حين، فالخير لا فصل له، فكلّ الفصول فصوله، والحقّ لا موسم له، فكلّ المواسم مواسمه، وهكذا العدل وكلّ القيم الروحية (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً) في عمقها، وفي امتدادها، وفي عطائها، (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا). والله تعالى لا يأذن إلّا بالمحبّة (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ) (إبراهيم/ 25)، فالله يضرب المثل بالشيء الحسّي لننتقل منه إلى الشيء المعنوي (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فيا أيّها الإنسان فكِّر، وحرّك فكرك وعقلك، وحاول أن تأخذ شيئاً من شيء، وحاول أن تستنتج، ولا تجمِّد على ما عندك بل طوّره بالانتقال من (الحسِّي) إلى (المعنويّ) ومن (المعنويّ) إلى معنوي آخر. أما الكلمة الخبيثة فهي كالشجرة الخبيثة (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)، فليس لها جذور، وإذا لم يكن لها جذور في أعماق الأرض، فكيف تكون لها فروع في أعالي الفضاء، فالشجرة تمتد في الفضاء بمقدار امتدادها في الأرض، فإذا كانت تعيش على السطح، لا علاقة لها بالعمق، فإنّها ستموت أمام أيّة عاصفة، والكلمات الخبيثة هي كذلك، فكلمة (الكذب) وكلمة (الغيبة) وكلمة (النميمة) وكلمة (الباطل) وكلمة (الظلم) وكلّ كلمة لا تتعمق في حياة الإنسان ولا ترتفع إلى الله، فهي قد تترك تأثيراً بين وقت وآخر، لكنها لا تستطيع أن تصل إلى مستوى الخلود. أيّها الناس، انظروا إلى الكلمات الطيبة كيف امتدّت وقد مات الرّسل ومات الأولياء، ويبقى القرآن أمدَ الدهر يمتد فكراً وقيمة وحركة وحيوية، وانظروا إلى الكلمات الخبيثة، كيف ذهبت مع الرياح، فيما يبقى الله وتبقى كلماته، ويبقى الإنسان يحلِّق في الكلمات الطيبة التي ترتفع إلى الله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ) (فاطر/ 10)، فهل لنا أن نأخذ بالكلم الطيِّب في حياتنا الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية حتى ينطلق الكلم الطيِّب ليغني حياتنا؟

فكِّروا فيما يخلد، ولا تفكِّروا فيما يموت... (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، تلهون بها لحظة أو لحظتين (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)، في كلماتكم، (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) في أعمالكم، (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) في مشاريعكم، و(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) في كلِّ الحب الذي تعطونه، وفي كلِّ الحقّ الذي تثبِّتونه، وفي كلِّ الباطل الذي تهدّمونه (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا) (الكهف/ 46)، ويبقى الأمل عند الله للعاملين الصالحات يخضرُّ في حياتهم، وينطلقون للخضرة اليانعة في الجنة التي أعدّها الله للمتقين في اُخراهم.

لقد انتهج الإسلام سبيل التوعية الأخلاقية وتكوين المعرفة بالخلق والقيم الإنسانية النبيلة، وتحديد نوعية السلوك القويم، والحثّ على الالتزام به، والتحذير من سوء الخلق وتنفير المؤمن منه. انتهج الإسلام هذا الأسلوب من أجل أن يكوِّن وعياً أخلاقياً سليماً وفهماً علمياً لكلِّ سلوك يمارسه الإنسان، ليعرف قيمته ونتائجه وجزاءه؛ وليتعامل معه بوعي وتقدير واقعي لما يستحق من العناية والأهميّة. وقد تواردت الآيات والأحاديث والتوجيهات الإسلامية للتأكيد على اهتمام الإسلام وعنايته بهذا الجانب الإنساني النبيل وتحريك وجهة الإنسان المسلم نحوه. ومن هذه النصوص مدح القرآن الكريم للنبيّ العظيم محمّد (ص) بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم/ 4). وقوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود/ 112). وقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 10). وقوله الرسول الكريم (ص) حينما سُئل: «أيّ المؤمنين أفضلهم إيماناً؟ فقال: أحسنهم خُلُقاً». وقوله (ص): «إنّ الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حُسْن الخُلْق كما يعطي المجاهد في سبيل الله». وقوله (ص): «إنّ الصبر والصدق والحلم وحُسْن الخُلْق من أخلاق الأنبياء، وما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة شيء أفضل من حُسْن الخُلْق». وقوله (ص): «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم ببسط الوجه وحُسْن الخُلْق». وقوله (ص): «إنّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ مكارِمَ الأخلاق». وكما حثّ الإسلام على حُسْن الخُلْق، واهتمّ بتنمية الوعي الأخلاقي وزيادة المعرفة الأخلاقية والتوجيه نحو القيم والمفاهيم الإنسانية السامية، حذّر كذلك من سوء الخُلْق ومن انحدار الإنسان نحو الرذيلة والتسافل الأخلاقي، وقد اعتبر الإسلام سوء الخُلْق تشويهاً للطبيعة البشرية وعذاباً للنفس الإنسانية، لأنّ الأخلاق الفاضلة منسجمة مع الاستقامة الفطرية للإنسان، وسوء الخلق انحراف مضاد للطبيعة الإنسانية النقيّة، فقد ورد في الحديث الشريف: «مَن ساء خُلقه عذّب نفسه». لأنّ صاحب الخُلْق السيِّئ يعيش دوماً في صراع نفسي بسبب التوتّر الحاصل بينه وبين مَنْ يتعامل معهم من الناس لنفورهم منه ورفضهم لمواقفه وسوء تعامله، وهو بعد ذلك أبعد الناس عن الله، لأنّ الله سبحانه متّصف بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى، فكلّما اكتملت أخلاق المرء كلّما كان قُرْبه من الله سبحانه متسامياً إلى الدرجات الكمالية العُلْيا، وكلّما كان سيِّئ الخلق كان بعيداً عن الله محروماً من قربه وفيوضات حبّه ورحمته. لذلك ورد في الحديث الشريف: «تخلّقوا بأخلاق الله». فحُسْن الخُلْق في الإسلام دعوة إلى تكامل الجانب المتعالي في الإنسان؛ جانب الخصائص الإنسانية المتعالية عن الانفعالات والدوافع الغريزية التي لا تعرف سوى التعبير عن ذاتها والاستجابة لمثيراتها، كالغضب الطائش والشّهوة والظلم والانتقام والأنانية والجشع... إلخ. أمّا الخطوات العملية لتربية الحسّ الأخلاقي النبيل وتكامل الشعور بالفضيلة والاندفاع نحوها بدافع ذاتي طبيعي فهي: تربية الضمير الأخلاقي (وهو الإحساس الباطني بالخير والشر) الذي يساعد على تمييز مواقف الخير والتطابق معها، وإدراك المواقف الشرِّيرة والابتعاد عنها.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 238
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا