الصفحة الرئيسية » المجتمع المسلم
أسس العلاقة مع الآخر

2015/11/28 | الکاتب :


محبة الله ورسوله:

في القرآن الكريم أكثر من حديث عن الخطّ الذي ينبغي للإنسان المؤمن المسلم أن يتحرك عليه في وجدانه العاطفي الذي يراد له أن يتحوّل إلى حركة في الواقع، وهي محبة الله ورسوله، فلا يكفي أن تشهد بالوحدانية لله وبالرسالة لرسول الله، بل لابدّ لك من أن تعيش ارتباطاً روحياً وجدانياً بالله وبرسوله.

وفي هذا الجانب ينطلق الخطُّ لينفتح على الإيجاب من جهة وعلى السلب من جهة، ففي الجانب الإيجابي نقرأ قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران/ 31)، وذلك بأن يكون حبّك لله في عقلك وفي قلبك حركةً في خطّ رسول الله الذي (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم/ 3-4)، وفي الجانب السلبي الذي يؤكد على أنّ حبّ الله ورسوله يعني الرفض لكلّ موقف أو لكلّ شخصٍ تتعارض العلاقة به مع هذه الحالة الوجدانية في حبّك لله، ولرسوله، وأن ترفض كلّ ما عدا الله وكلّ مَن يخالف الرسول في عقلك رفضاً عقلياً، وفي قلبك رفضاً عاطفياً، وفي حياتك رفضاً عملياً.

 

الخطُّ السلبيّ:

تعالوا لننطلق في الخطّ السلبي بعدما امتلأ القرآن بالخطّ الإيجابي (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (التغابن/ 12)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب/ 36)، فالخط السلبي يعني كيف يتحرك حبّك لله ولرسوله ليكون حالة رفض تمثل منطق الرفض عندك، وحركة الرفض في حياتك لمن هو مخالف لله ولرسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ) (التوبة/ 23)، فلابدّ أن تنقطع الولاية بينك وبينهم، إذ ليست هناك مشكلة أن تبقى الحالة العاطفية الشخصية التي تتصل بمشاعر الذات وأحاسيسها. (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لقمان/ 15)، ولكن الولاية المرفوضة هي هذا الاندماج في الموقف وفي الفكر وفي العاطفة، إذ لابدّ أن ينقطع ما بينك وبينه إذا استحبّ الكفر على الإيمان، وارتضى السير في خط الكفر العملي العقيدي، أي العمل في الموقع المضادّ للخطّ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ)، أي مَن ينصرهم على المؤمنين ويساعدهم في خطوطهم ويعمّق قلبه على أساس حبّهم ويسكت عن رفض أفكارهم (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة/ 23) لله، لأنّهم أعانوا عدوّ الله ووالوه في المضادّة لله، وهم الظالمون لأنفسهم لأنّهم وجّهوا أنفسهم في اتجاه مضاد لخطّ الإيمان وبما يعرّضهم لسخط الله وعقوبته، وهم أيضاً ظالمون للحقيقة لأنّهم وقفوا ضد الحقّ لمصلحة الباطل وإن كان الموقف موقفاً عملياً:

(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/ 24)، إنّ هذه الآية تتحدث عن الأفق الواسع في الجانب السلبي الذي يجب أن يتخذه الإنسان في مواجهة كلّ الحالات والأوضاع التي تصدّ الإنسان عن مسؤوليته أمام الله ورسوله في علاقته بهما، وأمام مسؤوليته عن الجهاد في سبيل الله عندما يأمره أبوه وابنه وأخوه أو زوجته أو عشيرته بأن يبتعد عن خطّ الإيمان ومجتمع المؤمنين وعن السير في خط الله ورسوله.

أو أن يكون لك مال تخاف عليه إذا انفتحت على الله وعلى رسوله، وابتعدت عن أعداء الله ورسوله، أو تجارة تخشى كسادها لأنّها قد تحقق لك الربح كلّما اقتربت من مجتمع الكفر أكثر وكلّما جاملته أكثر وكلّما انفتحت عليه أكثر، أو هناك مصالح يمكن أن تحصل عليها جرّاء الانفتاح عليهم، ويمكن أن تفقدها أو تعيش مشكلة في داخلها إن أنت انسحبت من واقعهم مما يمنعك عن الجهاد في سبيل الله.

(فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) (التوبة/ 24)، وهنا جعل الله تعالى القضية غامضة ليشع الإنسان بالهول مما يهدّده الله به من أمره الذي قد يكون عذاباً في الدنيا وقد يكون خسارة في تجارته وعملاً بضدّ ما يريده... (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/ 24).

 

انطلاق الإيمان من الوجدان:

وهناك آية أخرى تشبه هذه الآية في طبيعة الأسلوب الذي يتحرك فيه الإنسان في الجانب السلبي والإيجابي، ففي سورة (المجادلة) يقول تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة/ 22)، فالإيمان بالله واليوم الآخر الذي يشمل الانفتاح على التوحيد الذي يختزن في داخله معنى الرسالة والذي يمثل مواجهة الإنسان لمسؤوليته، لابدّ أن ينطلق من حالة وجدانية شعورية روحية في داخل ذات الإنسان المؤمن، وذلك بأن لا يحمل المودّة – وهي هنا عمق العاطفة – بحيث لا تمثل محادّته لله ولرسوله شيئاً بالنسبة إليه، كما يقول بعض الناس عن نفر من أصدقائهم أنّه كافرٌ وكفرهُ عليه لكنني أحبّه فهو صديقي رغم أنّه يحادّ الله ورسوله ورغم تمرّده على الله سبحانه وتعالى، فهذا يدلّ بحسب طبيعته على هوان الله عليك وعلى ضعف الإيمان عندك، لأنّك لو واجهت إنساناً يعادي أباك أو عشيرتك فإنّك لا تنفعل إيجابياً معه بحيث تحمل له المودّة، فكيف يمكن لك وأنت تعيش عظمة الإيمان وقيمته وتعيش عظمة الله وجلاله، وتعيش عظمة مسؤوليتك يوم تقف بين يديه، كيف ذلك وأنت توادّ من حادّ الله ورسوله.

 

الدين الحب:

ولذلك فإنّ معنى قوله تعالى هو أنّه لا يجتمع الإيمان مع الإخلاص العاطفي لمن يقول ضد الإيمان وينفتح على الكفر بكلّ حياته، لأنّ الإيمان والكفر لا يجتمعان، فإذا اقتربت من الإيمان ابتعدت عن الكفر والعكس صحيح، ولهذا ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) "إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيراً فانظر قلبك فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك، وإذا كان قلبك يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك والمرء مع من أحبّ" لأنّ الحبّ يمثل حركة الذات الإنسانية في مواجهة ما يؤمن به الإنسان أو ما يرفضه، وقد ورد في حديث الإمام الصادق (ع) وهو يختصر حالة الإنسان الوجدانية للدين أو خلافه: "وما الدينُ إلّا الحبّ" فالدين هو الحبّ وهو بأن تحبّ أولياء الله وأن تبغض أعداء الله، لذلك قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة/ 22).

هؤلاء هم الذين يؤمنون ويحرّكون قلوبهم وعقولهم في خطّ إيمانهم، فالإيمان هو الذي يحدّد لهم علاقتهم بالآخرين، فمن كان مؤمناً كانوا معه في العمق، ومن لم يكن مؤمناً لم يكونوا معه في العمق، وقد كرّم الله هؤلاء فقال (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) أي جعل قلوبهم منفتحة على الإيمان كما لو كان مكتوباً في قلوبهم وكما لو كان مخلوقاً معهم (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) وهذه هي الجائزة الروحية للإنسان المؤمن، فإنّه يعطيهم روح القدس الذي يعطيه لأنبيائه ولأوليائه (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)، ثمّ هذا الرضا المتبادل من خلال الحبّ المتبادل (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ) لأنّ الله تعالى أراد لحزبه أن يكونوا معه كلاً لا بعضاً كأن يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل إنّ مَن يكون، من "حزب الله" فإنّه يخلص كلّ عقله وقلبه ومشاعره وحياته لله سبحانه وتعالى، وهؤلاء هم الذين يعيشون الفلاح في الدنيا وفي الآخرة.

 

النموذج القرآنيّ التطبيقيّ:

فمَن هو يا ترى النموذج القرآني لهذا الإنسان الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمات، مَن هو الإنسان الذي يقف ليضادّ قومه وأباه ويتحدّى ويتحمّل المشاكل، مَن هو هذا القرآني الذي لا يوادّ من حادّ الله ورسوله حتى لو كان أباه وعشيرته، مَن هو هذا القرآني الذي إذا وقف أمام أبيه وأخيه وعشيرته وأمام كلّ ما في الدنيا من أموال وتجارة ومساكن فيرفضه من أجل الله، إنّه إبراهيم الخليل (ع): (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) (مريم/ 41)، عاش الصدق حتى تحوّل إلى دقٍ في كلّ ذاته (إذ قال لأبيه) وفي الروايات أنّه عمه وهو معه في البيت (يا أبتِ) وكان إبراهيم يومذاك شاباً يعيش الإيمان من خلال عقله وما أفاضه الله عليه من لطفه. قال لأبيه بكلّ حنان وبكلّ عاطفة وبكلّ دالّة الابن على أبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) (مريم/ 42)، فها أنا أخاطب عقلك ووجدانك وإنسانيتك، فمَن هو هذا الصنم الذي تعبده وهو لا يسمع ولا يبصر ولا يستطيع أن يدافع عنك أو يمنحك أية فرصة في حاجات الحياة. (يا أبت) لا تتصوّرني إنساناً صغيراً هو نتاجك مما جعله الله من سنّته في ولادة الناس، فربما حصل الصغير على علم لم يحصل عليه الكبير، وقصة الإيمان وقصّة الكفر إنّما هي قصة علم لا قصة سنّ، فقد يرسل الله الصغير نبيّاً للناس كما في قوله تعالى عن يحيى (ع): (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم/ 12)، وكما انطق عيسى (ع) بالرسالة وهو لا يزال في المهد.

 

الصراط السويّ:

ويمضي إبراهيم (ع) في حواره مع أبيه (إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)، يمكن أن أهدي به كلّ الضّالين (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) (مريم/ 43)، لأنّني أملك هذا الصراط الذي لا تملكون رؤيته بفعل تقاليدكم وعاداتكم وتعقيداتكم النفسية فالصنمية في كلّ تقاليدها وعباداتها هي من وحي الشيطان، فأنت عندما تعبد الصنم فإنّما تعبد الشيطان (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) (مريم/ 44)، فقد رفض السجود لله وتمرّد عليه وهدّد كلّ بني آدم بأن يخرجهم من الجنّة عندما أنظره الله (يا أبت) إنّني انطلق في هذا فيما أقوله لك من حالتين:

حالة الإنسان الذي يريد أن يهدي الناس من الضلال من خلال رسالته ومسؤوليته. وحالة الإنسان الذي يريد أن يهدي أباه من خلال حالة عاطفية. أنت أبي ولا أحبّ لأبي أن يمسّه العذاب ولا أحب له أن يسخط الله عليه (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم/ 45)، ومَن خرج من ولاية الله إلى ولاية الشيطان فأين يكون موقعه ومصيره؟

 

الهجر الجميل:

هذه هي كلمة إبراهيم لأبيه (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ) (مريم/ 46)، فلقد كلّم أباه بالمنطق وبحنان البنوّة أمام الأبوّة وبكلّ إنسانيته لكن الأب تحدث بلغة الأب المسيطر والإنسان الذي أغلق عقله عن الهدى، وعن الانفتاح عن كلمات الحقّ (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (مريم/ 46)، أي أخرج من بيتي (قال سلام عليك) وهذه كلمات الأنبياء (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) (الفرقان/ 63)، (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) (مريم/ 47)، ومن الطبيعي أن لا يستغفر له وهو مشرك ولكن يطلب من الله أن يغفر له بأن يهيء له وسائل المغفرة، وبأن يهديه إلى سواء السبيل (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (مريم/ 48)، وهكذا أعطاه الله من لطفه ومن رحمته بعد أن أدّى رسالته (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا) (مريم/ 49)، (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم/ 50)، وهكذا انطلقت الصلاة الإبراهيمية كما نقول دائماً "اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك وترحّم وتحنّن على محمّد وآل محمّد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين" فلا يزال المسلمون يردّدون هذه الصلاة عندما ينطلقون في أي موقع من مواقع الإخلاص لله سبحانه وتعالى.

 

الألفة الآبائية:

ثمّ ينقل القرآن بعد ذلك مواجهته لقومه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) (الشعراء/ 69-70)، وهو يعرف ذلك ولكن أراد أن يجرّهم إلى الحوار (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء/ 71)، أي كما ترى (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) (الشعراء/ 72)، هل يملكون آذاناً يسمعون بها (أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشعراء/ 73)، فلو تمرّدتم عليهم فهل ينزلون عليكم العذاب، ولو طلبتم منهم المال فهل يعطونكم المال (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء/ 74)، فنحن لا نناقش قضية العبادة لأنّها قضية تراث الآباء والأجداد ولسنا بصدد مناقشة ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا، وهو أمر واجهه الكثير من الأنبياء ولا يزال يواجه الكثير من المصلحين عندما يناقشون شيئاً أو يواجهون مسألة فيحدثك الناس عن الآباء والأجداد وعن عاداتهم. ونحن نقرأ القرآن ونقرأ رفضه في أن تكون العلاقة مع الأجداد وعن عاداتهم. ونحن نقرأ القرآن ونقرأ رفضه في أن تكون العلاقة مع الأجداد علاقة فكر نرثه أو عادة نرثها لأنّ الله يريد للإنسان أن يتحمّل مسؤولية فكره وعاطفته وحركته سواء كانت مع الآباء والأجداد أو ضدّهم (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ) (الشعراء/ 75-76)، وأعلن إبراهيم الموقف لوحده وكلّ قومه محيطون به وقد يكون قومه عشيرته وقد يكونون أهل بلده (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) أعلم العداوة للأصنام (إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء/ 77)، وكان كمن يخاطب نفسه، وهو يريد أن يسمعوه بعيداً عن حالة التشنج لأنّهم يرونه يخاطب نفسه عندما يتحدث عن الله عزّ وجلّ، فكأنه انفصل عن موقفهم كما لو كان يناجي نفسه على طريقته عندما رأى شمساً وقمراً وكوكباً فكان يريد لهم أن يفكّروا من دون أن يواجههم بالفكرة وجهاً لوجه لكن من موقع أنّهم يستمعون ويستغربون ويفكرون فلعلّهم يهتدون بذلك.

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء/ 78-82).

ثمّ انفصل عن نفسه وعنهم قائلاً (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء/ 83)، حكماً استطيع أن انفتح فيه على كلّ قضايا الناس في كلّ ما يختلفون ويتنازعون فيه وكلّ ما يعيشون ساحة الصراع فيه (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) (الشعراء/ 84)، بحيث يذكرني الناس في مدى الزمن.

فهل كان إبراهيم (ع) يبحث عن الذكر الخالد لحاجة في نفسه؟ وما قيمة الذكر الخالد للإنسان إذا مات وانفصل عن الحياة الدنيا ولم يعد يشعر بالحياة كلّها وكلّ امتيازاتها وكلّ سلبياتها وإيجابيتها، لكنه أراد أن يتحدث الناس عن رسالته (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج/ 78)، (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (البقرة/ 135)، (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا) (آل عمران/ 67)، لتبقى رسالته وجهاده وكلّ أساليبه في الدعوة ليستفيد الناس منها، وتلك هي قصة الإنسان الداعية إلى الله، فهو يحب أن يذكر الناس دعوته ورسالته، ويحبّ أن يمتدّ الزمن باسمه حتى يكون منطلقاً لفهم رسالته.

(وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) (الشعراء/ 85)، وهذه هي أمنية كلّ مؤمن ومسلم (وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) (الشعراء/ 86)، لأنّه وعده بالاستغفار (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) (الشعراء/ 87)، اجعلني انطلق لأحصل على رضاك وعلى محبتك ومغفرتك فلا شيء إلّا رضاك (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (الإنفطار/ 19)، (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ) (الشعراء/ 88)، لأنّ المال يتركه الإنسان وراءه ولأنّ البنين يتحركون ليدافع كلّ واحد عن نفسه (إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء/ 89)، من الكفر ومن الضلال ومن الحقد والبغضاء.

 

الخط القرآني للعلاقة:

وهذه هي قصة هذا الخطّ القرآني الإسلامي الذي يقول لك: لا تنطلق في الحياة في علاقاتك مع الآخرين من خلال ذاتياتك ولا فئوياتك بل انطلق ليكون ربّك ورسولك وقرآنك وإسلامك هو الأساس في علاقاتك مع الناس إيجابياً إن ساروا في الخطّ الإيجابي للإيمان، وسلبياً إن ساروا في الخط السلبي منه إنّ في قضايا العقيدة والشريعة أو في الاجتماع والسياسة والحرب والسلم، ليكن الله كلّ شيء عندك، وليكن رسول الله كلّ شيء في خطّك، وليكن القرآن الذي هو كلام الله ورسالة رسوله هو المنهاج الذي تحرّك كلّ حياتك وعملك وعلاقاتك ومواقفك في الحياة على أساسٍ منه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1195
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التعايش السلمي بين الشعوب/ ج2
 كيف نتعايش مع الآخر؟
 احترام الرأي الآخر
 التعايش السلمي
 حقّ الاختلاف والتعددية والتعايش مع الآخرين
 أسس العلاقة مع الآخر
 المنطق القرآني في التعامل مع لآخر
 مبدأ التعايش بين البشر.. إسلامياً
 التعايش في الرؤية الإسلامية
 التعايش مع الآخر في ضوء القرآن

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا