الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصلاة.. التزام وطمأنينة

2015/09/05 | الکاتب : عمار كاظم


الالتزام بمعنى الجدية والانتظام في السلوك يكاد يكون غريزة في ضمير الإنسان كما هو غريزة في ضمير هذا الكون المنظم. إنّ من الطبيعي للإنسان حينما ينظر إلى ما حوله فيرى كلّ شيء ملتزماً، أن ينزع إلى الالتزام. السماء بأجرامها ملتزمة بحركة منظمة، والمياه بجريانها وتبخرها وعودتها ملتزمة بنظام، والحيوان ملتزم بأنظمته التكوينية والغريزية، بل الذرة الواحدة من الوجود ملتزمة في حركات أجزائها ونواتها بنظام جادة في أداء مهمتها. والإنسان نفسه ملتزم في تكوينه الجسدي بأدق الأنظمة وأكملها.. فلمَ لا يكون ملتزماً في سلوكه بنظام، جاداً إلى هدف، ملتئماً مع مسيرة الطبيعة السعيدة المنتظمة. إنّ نفس الإنسان لا تطمئن إلى السلوك الفوضوي العابث ولا تستقر إلا بالانتظام مع موكب الوجود متحركة فيما خلقت له وهديت إليه.. أما ثورة الجيل الجديد على كلّ التزام وانتظام فهي ليست في عقيدتي خروجاً على (مبدأ) الالتزام. وإنما هي ثورة في البحث عن الالتزام نافع بدل ألوان الالتزام القائمة في العالم. إنّ السبب الحقيقي في تيار الفوضى والعبث الوجودي والهيبي الذي يجتاح العالم هو شعور هؤلاء (الثوار) بأنّ التزام الناس بشكل الحياة المعاش هو التزام فارغ.. فلماذا يقيد الإنسان نفسه بقوانين؟ ولماذا ينتظم في عمل يومي مضن؟ ولماذا.. ولماذا؟ أليس كلّ ذلك من أجل أن يعيش الإنسان سعيداً هانئاً، من يقول إنّ شكل الحياة القائم المعقد الباهظ هو أكثر هناءة من شكلها الحر الطليق؟ هذا هو لب منطق هؤلاء (الثوار) سواء استطاعوا أن يعبروا عنه بهذا الوضوح أو عجزوا.

إنّ هؤلاء الخوارج على الالتزامات غير المجدية في نظرهم ما هم إلا باحثين عن (التزام) طبيعي مبسَّطٍ مجدٍ، وليس فرقهم عن غيرهم من الباحثين إلا أنّهم رفضوا اللون الخاطىء من الالتزام وسرحوا في لون من السلوك قبل أن يعثروا على الالتزام الصحيح... ولابدّ أن تنتهي هذه الموجات الباحثة إلى التجاوب مع الطبيعة فتتبنى ألواناً من الالتزامات الميسرة وغير الميسرة تبعاً للظروف التي تحيط بها والفلسفات التي تنمو في أوساطها. مهما يكن من أمر فإنّ الالتزام والانتظام في السلوك هو نداء الفطرة في عمق الإنسان ونداء الحياة من حوله.. ولذلك لبّى التشريع الإسلامي هذا النداء ووضع للإنسان صيغة الالتزام اليومي محددة بفرائض يؤديها آناء نهاره وأطراف ليله.. الأمر الذي يعطي النفس البشرية استقراراً بانضباطها في مسيرتها انضباطاً يومياً، كما يعطيها انتظاماً مع ما حولها من الوجود انتظاماً واعياً متفتحاً متجاوباً مع هدفها الكبير، بعيداً عن انضباط التقاليد المبهم المملول، وعن انضباط (الحضارة) المجهد المعقد.. من أصح ما وصفت به الحضارة القائمة اليوم مع كلّ منجزاتها المادية للناس إلا أن تنقل إلى نفوسهم مخاوف حتى لقد أصبح القلق النفسي مشكلة عالمية تبعث على الأسى حقّاً. خذ إنساناً من حضارة القرن الواحد والعشرين وابحث عن لؤلؤة الاطمئنان في محارته فإنك غير واجدها، وأجد إنساناً يعيش العداء مع كلّ شيء فهو في عباب صاخب وفي غلاب دائم.. الناس في إحساسه أعداء ماكرون، والمستقبل في فهمه رعب مجهول لا يكشف عن نفسه ولا يبين، والموت فم فاغر لا يدري متى يطبق، والطبيعة عدو لدود بحرها وبردها وجميع ظواهرها..! والنفس البشرية إن هي فقدت اطمئنانها إلى الوجود فليس إلّا الأعراض المخيفة تنتاب الشخصية البشرية وتهدد كيانها من عمقه.. فهل في الحياة ما يحل هذه المشكلة ويمنح هذه النفس القلقة قدراً من الطمأنينة؟ إنّه لا أقدر من الإسلام على إهداء اللؤلؤة المفقودة إلى الأنفس القلقة. يقوم الإسلام أوّلاً بتطمين الناس نظرياً فيقدم لهم مفهومه السعيد الفريد عن الوجود وعن موقعهم المطمئن فيه، وليس هذا مجال استعراض مدى الطمأنينة والموضوعية في مفهوم الإسلام هذا. ثمّ يضع لهم فريضة الصلاة التي تجعل من الاطمئنان حقيقة يتعاملون معها في سلوكهم بعد أن استوعبوها في عقيدتهم.. ماذا أبلغ في تطمين النفس البشرية من أن تأوي في فترات نهارها إلى مليك الوجود عزّ وجلّ تتفيأ رعايته وحنانه وهداه وتستمد منه العون لحاضر أمرها ومقبله.

وللتوقيت الحكيم الذي اختاره الله سبحانه لفريضة الصلاة ارتباط واضح بدفعات الطمأنينة التي تحتاجها النفس كلّ يوم.. فما أن يرخي الليل أسداله على الأرض حتى يرتفع الأذان وتمتد يد الصلاة لتُطمئن الإنسان فتضعه بين يدي ربه وآماله مسلمة إيّاه إلى سكون مقصود.. وينهض الإنسان ليوم جديد فتوافيه الصلاة مبكرة تبارك له آماله وتبشره.. ويستغرق في العمل وملابسات الحياة فتعود اليد الرفيقة لتنتشله من حرصه ومخاوفه وتعيد إليه طمأنينته دافعة به إلى ارتياح من تعب النفس وتعب الجسم. توقيت حكيم كتبه الله على الإنسان كي يجدد لنفسه إيمانها واطمئنانها كلما قطعت مرحلة من النهار، من أجل أن تبقى مفعمة بالهداية والسعادة، سائرة برعاية ربّها وهداه تجني لوجودها خير الحاضر المطمئن وفوز المستقبل المأمول.. (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (النساء/ 103).

الصلاة.. مأمن نفسي

إنّ أهم ما يواجه الجيل الناشئ في ظل الحضارة المادية هو مشكلة القلق التي تسري سريان النار في الهشيم فتبدو لها مظاهر مختلفة كجماعات اللا انتماء، والجمعيات الموسيقية الصاخبة، وجمعيات البكاء، والانتحار والعري المستوحش وغير ذلك. ولعل أهم عامل من عوامل القلق هو عامل فقدان المأمن الروحي الذي يسكن خوف الإنسان من المجهول، ويطمئن الإنسانية إلى مستقبلها. ولكن الإسلام اجتث هذه المشكلة من جذورها. فليس هناك مشكلة تسمى (مشكلة القلق) اللّهمّ إلّا في المجتمعات التي تركت الإسلام، وإلّا في المقلدين في كلِّ شيء حتى في القلق أو مظاهر القلق. ويتلخص علاج الإسلام لذلك بنفس الإيمان الواعي، وتخصيص لحظات معينة يقف الإنسان فيها أمام خالقه والحقيقة الكبرى في الكون، فينسى كلّ هموم الدنيا ومشاكلها لأنّه يتعامل مع حقيقة هي فوقها جميعاً، ومن ثمّ أمره بذكر الله دائماً. وانّ الصلاة تمثل لدى الإنسان قمة ذكر الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرَّعد/ 28).

وعن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «كان عليّ (ع) إذا هاله شيء فزع إلى الصلاة» وعنه (ع) قال: «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثمّ يدخل المسجد فيصلي ركعتين يدعو الله فيهما. أما سمعتم الله يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة/ 45)». وقد جاءت الأحاديث الشريفة لتلقي ظلالاً من الرحمة والحنان على المصلي فتزيد في أمله وطمأنينته. فعن النبيّ (ص) قال: «إذا قام العبد في صلاته نظر الله عزّ وجلّ إليه وأظلته الرحمة من فوق رأسه إلى أُفق السماء، والملائكة تحفه من حوله إلى أفق السماء، ووكل الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول (يا أيها المصلي (لو) تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما إلتفت ولا زلت عن موضعك أبداً)». والفارق الكبير واضح بين صلاة المسلم وما يسمى بالصلاة عند البوذيين ومن لاذوا بالبوذية من الهاربين من مادية الغرب فإنّ كليهما يعيش في عالم روحاني، إلّا انّ الأوّل يعيش بوعي ويتسامى مع الواقع الذي تؤكده فطرته؛ في حين يغيب الثاني في حلم، وما أن يفيق حتى يفيق على واقع مر. هذا بالإضافة إلى الآثار الأُخرى التي تختلف فيها الصلاة الإسلامية عن غيرها.

الصلاة تواكب حياة الإنسان

كما نلاحظ انّ العبادات عموماً تتصف بصفة الشمول نجد انّ الصلاة تواكب حياة الإنسان بكلِّ تقلباتها بشدتها وفرجها، وعسرها ويسرها. وهذا يتضح في الصلاة اليومية التي يأتي بها المسلم مع كلّ صبح وظهر وعصر ومغرب وعشاء وفي أي حال كان فإنّ الصلاة لا تسقط بأي حال، كما يتضح بملاحظتنا لأنواع الصلوات الأخرى كالصلاة الأسبوعية (صلاة الجمعة) والصلاة السنوية (صلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى) والصلوات التي يؤديها المسلم عند بروز حادث سماوي هائل كالكسوف والخسوف أو أرضي كالزلزلة وهكذا. إنّ هذه السعة في أسباب الصلوات لتؤكد العمق الذي تبلغه في وجود الإنسان، وتبرز الاهتمام الذي تصبه السماء على أن يبقى الإنسان في حياته متصلاً بها يشكرها على هدايا العيد، ويتعوذ بها من غضبة الزلازل، وكلها تجري بأمر الله تعالى ويشعر بضعته أمامها من جهة، وكرامته إذا اتصل بها. ولكن من الصلوات المختلفة فوائدها الخاصة بها والتي تبدو واضحة للمتأمل المستعرض. وأخيراً يحسن بنا أن نختم هذا الحديث عن الصلاة بوصية للإمام أمير المؤمنين (ع) لأصحابه: «تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً». ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (المدثر/ 42-43)؟ وانّها لتحتُّ الذنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الربق. وشبهها رسول الله (ص) بالحمة تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن؟ وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرة عين من ولد ولا مال. يقول الله سبحانه: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (النّور/ 37)، وكان رسول الله (ص) نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنة، لقول الله سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه/ 132)، فكان يأمر أهله ويصبر عليها نفسه.

النوافل وروح التبرع

أما بالنسبة لصلوات النوافل فهي باب واسع مفتوح إذ ورد: «انّ الصلاة خير موضوع» وهي تؤدي أدواراً إضافية، ولها مداليل خاصة، لا يمكننا فعلاً استعراضها إلّا أننا نشير إلى أنها تقوي في الإنسان روح التبرع، أو الكون في مرتبة ترتفع عن مرتبطة إداء الواجب لتصل إلى مرتبة تطلب الإسراع في التكامل، والاستياق في مجال الخيرات (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة/ 148)، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران/ 133). ولقد رأينا بعض علماء التربية اليوم يركزون على هذه الروح تركيزاً قوياً فتقول إحدى القواعد التي وضعها الأستاذان بين وجيمس لتغيير العادات السيئة ما يلي:

«حافظ على قوة المقاومة واحفظها حية في نفسك وذلك بأن تتبرّع بعمل صغير كلّ يوم لا لسبب إلّا لمخالفة نفسك وهواك لأنّ هذا يعينك على مقاومة المصائب إذا حان حينها ويكون مثلك مثل رجل يدفع في كلِّ سنة مبلغاً صغيراً تأميناً على بيته ومتاعه».

وهذا الإمام أمير المؤمنين (ع) يحث في بعض أحاديثه على انّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا حل حين الإقبال فلتخزن النفس بالطاقات الروحية ومسببات القوة ومن أهمها الصلاة بما فيها من عطاء لا يقدّر، وهذا التخزين له المنفعة الكبر في تخطّي حالات الإدبار، أو إغراءات الهوى، وتكوين الإرادة القوية المستسلمة لأمر الله دائماً.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 345
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا