الصفحة الرئيسية » المجتمع المسلم
الإيمان والعمل الصالح

2015/09/14 | الکاتب : عمار كاظم


جزاء المؤمنين:

لقد جرى الأسلوب القرآنيّ على الحديث عمّا ينتظر المؤمنين من رضوان الله وثوابه جزاءً لإيمانهم وعملهم الصالح في كلّ مورد يتحدّث فيه عن الكافرين وعمّا ينتظرهم من عذاب النار جزاءً لكفرهم وطغيانهم. وقد جرت هذه الآية على هذا الأسلوب، بدعوة النبيّ (ص) إلى تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنّات التي تجري من تحتها الأنهار، والتي تشبه أثمارُها أثمارَ الدنيا، حتى يخيّل إليهم أنّ هذه الثمرات امتدادٌ لما كانوا يجدونه منها في الدنيا لتشابهها. ثمّ يحدّثنا الله عن المتع الحسية التي تنتظرهم في الآخرة، وذلك في ما يعدّه لهم من أزواج مطهّرة، بكلّ ما تعنيه كلمة الطهارة من معاني الروح والجسد، حيث تمّ لهم بذلك نعم الله وألطافه في حياة خالدة لا شقاء فيها ولا فناء، بل هو الخلود السابح في رحمة الله ورضوانه.

 

خصائص الجنّة:

وبشّر اللهُ في هذه الآيات (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ)، تتنوّع وتمتدّ أشجارها وأثمارها، وتتحرّك كلّ جمالاتها، بما ينعش الروح، ويسحر البصر، ويأخذ باللبّ؛ (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) المتدفّقة بالحياة الصافية، العذبة، الرقراقة، التي تمنح الأرض الخصب والنموّ والحياة، لتنبت من كلّ زوج بهيج، ولتهتزّ بالخضرة المعشوشبة والثمار اللذيذة.

(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا) وتناولوه بأيديهم، وحدّقوا فيه، وفي خصائصه، وفي حجمه، ولونه، وشكله، وتلذّذوا بطعمه في عناصره الحلوة الشهية، (قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) في الدنيا فلم يتغيّر علينا شيء ممّا ألِفناه وعرفناه من الثمار، (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يشبه بعضُه بعضاً في الشكل، ولكنه يختلف في طبيعته، أو يشبه ثمار الدنيا، مع تميّزه عنها في الجودة، أو يشبه بعضه بعضاً في الجودة، ذلك أنّ لثمار الجنّة خصائصها التي تتميّز عن كلّ ما في الدنيا من لذّة، كما قال الله في الحديث عن كلّ ما في الجنة ممّا ينتظر المؤمنين والمؤمنات: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة/ 17)، فلا يعرف الإنسان ماذا يتخيّر منها.

 

الكدح رسالة:

(يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق/ 6)، فليست الحياة فرصةً للاسترخاء والنوم والراحة اللاهية المطلقة، وليست مجالاً للعبث واللّعب واللّهو، بل هي فرصتك للكدح الذي يمثّل الجهد العملي الذي يترك تأثيره عليك في كيانك الجدي والروحي والشعوري، لأنّ هناك دوراً كبيراً لابدّ من أن تقوم به في خلافتك عن الله في إدارة شؤون الحياة في الأرض على خطّ رسالاته، فلابدّ لك من أن تكدح في فكرك لتنتج الفكر الذي يخطّط للحركة ويدفع نحو التطوّر، ولابدّ لك من أن تكدح في نشاطك الجهادي لتملأ الحياة بالدعوة باسمه تعالى والجهاد والحركة الدائبة في سبيله في مختلف المواقع، بما يجعل الحياة كلّها حياة الرسالة وللرسالة.

إنّ الحياة هي المعمل الكبير الذي أراد الله له أن ينتج الخير في حركة الحقّ في ساحة الصراع، وجعل الإنسان كادحاً حيّاً أساسيّاً في تحريك أجهزته، وفي توجيه إنتاجه، فلا مجال للتفكير بالراحة، بل هو الجهد الدائب الذي إذا التقى بالنوم، فلكي يمنحه النوم حيويّة جديدةً، وإذا عاش مع بعض لحظات الراحة والاسترخاء واللّهو، فمن أجل أن يخفّف عنه ثقلَ التعب، وضغط الضعف واختناق الروح، ما يجعل لهذه الأمور معنى يتّصل بشروط الكدح، لا معنى يتخفّف الإنسان به منه. وهكذا يخاطب الله الإنسان من موقع إنسانيّته، ليكدح إلى ربّه كدحاً، ليقول له إنّه مهما أعطى من جهدٍ، فإنّه سوف يلتقي به في يوم القيامة، لتكون طبيعة النتائج منسجمةً مع طبيعة الكدح.

 

ثواب الكادحين:

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) (الحاقة/ 19)، وهو الذي يجعل كدحه في طاعة الله في خط الإيمان والعمل الصالح، (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) (الإنشقاق/ 8)، لأنّه لا يحمل في كتابه أيّة انحرافاتٍ كبيرةٍ تُبعده عن الله، فقد عاش حياته كلّها مؤمناً بالله، عاملاً بطاعته بمقدار جهده، فإذا كانت له بعض المعاصي، فإنّها لا تمثّل شيئاً كبيراً يستوجب غضب الله عليه، ما يجعل المغفرة أمراً طبيعياً له، من خلال ما يرحم الله به عباده الصالحين من التكفير عن سيّئاتهم، ومن إدخالهم في مواقع رحمته. وبذلك، كان هذا الإنسان هو الراضي المرضيّ الذي يعيش سعادة القدوم على الله تعالى، فلا يتوقّف إلّا لكي ينظر في كتابه. كما ورد في بعض الأحاديث..

(وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) (الإنشقاق/ 9)، وليس أهله إلّا الذين ارتضاهم الله أهلاً له في مجتمع الجنّة، الذي يضمّ الحور العين، والوالدان المخلّدين، والملائكة المقرّبين، والصالحين من أزواج المؤمنين وأولادهم وآبائهم... ليتلقّاهم بوجهٍ طافحٍ بالسرور، وقلبٍ مملوءٍ بالشعور بالسعادة، بما غفر الله له من ذنبه، وبما خفّف عنه من حسابه، وما أولاه من فضله في نعيم جنّته.

 

المصدر: كتاب مفاهيمُ خيرٍ وصلاح

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 447
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 ثواب العمل الصالح
 طوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه
 الإيمان والعمل الصالح
 الإخلاص في العمل الصالح
 الاستباق إلى الخير
 الحياة الطيبة بالعمل الصالح
 دوام الذكر والعمل الصالح
 سيماء المصلحين في القرآن الكريم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا