الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
قبسات من حياة الإمام الباقر (ع)

2015/09/23 | الکاتب : عمار كاظم


عندما ندرس الإمام الباقر (ع) الذي هو الإمام المفترض الطاعة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والذي يتميز بكلّ ما يتميز به الأئمة (عليهم السلام) من ألطاف الله بهم فيما منحهم من عصمته، وفيما هيأ لهم من الكرامات التي توحي بأنّهم قريبون إلى الله قرباً لا يملكه الكثيرون من أوليائه. وعندما ندرسه في هذه المرحلة التي نعيشها، فإننا نريد أن ندرس الخطوط الفكرية التي أرادنا أن نتحرك فيها لنستهدي بهداه كما استهدينا بهدى الأئمة من آبائه وأبنائه الذين استهدوا جميعاً بهدي الله في كتابه وهدي رسوله من سنته، لأنّ دورنا في علاقتنا بأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو دور الأُمّة التي تعمل على أن تعيش مع أهل البيت في حركتها في الحياة، وفي تصوراتها الفكرية، وفي علاقاتها بكلّ المسؤوليات التي تتحملها، وفي معرفتها بالقيم الإسلامية.

مالئ عصره علماً:

الإمام الباقر (ع) هو الذي ملأ العصر الذي عاشه بعلم تنوّعت موضوعاته وانفتحت أبعاده على كلّ القضايا التي كان يعيشها عصره فلم تنطلق أية قضية في أية شبهة أو أية مشكلة إلّا ووجدنا الإمام الباقر (ع) يتحدث عنها ليضيء ما أظلم منها، وليفتح آفاقها تماماً، وقد تحدث بعض الذين رووا عنه وهو "محمّد بن مسلم" أنّه كان يسأله في مختلف القضايا حتى أنّه روى عنه ثلاثين ألف حديث، ونجد أيضاً رواة آخرين رووا عنه ما يقارب ذلك في أكثر من موضوع. وكان العلماء في تلك المرحلة، كما يقول كتّاب سيرته، يهرعون إليه ليروا عنه، فمنهم من بقايا الصحابة، ومنهم من فقهاء التابعين، ومنهم عظماء المفسرين والفقهاء والمؤرخين، حتى أننا رأينا (الطبري) في تأريخه يروي الكثير من الإمام الباقر (ع)، ويذكر كتّاب سيرته كذلك أنّ العلماء عندما يلتقون عنده فإنّهم يتصاغرون أمامه كما لو كانوا تلامذة بين يديه، حتى أنّ بعضهم يقولون: "رأيت الحكم بن عتيبة، وهو من العلماء المبرّزين في ذلك الوقت، عندما دخل على الإمام الباقر (ع) جلس بين يديه كما لو كان تلميذاً من تلامذته" وهذا يدل على أنّه كان ملتقى كلّ الواقع الإسلامي من خلال مثقفيه، فلقد كان محلّ الثقة المطلقة في علمه، كما كان محل الثقة المطلقة في الجوانب الأخرى من شخصيته.

قبسات من كلماته (ع):

وفي هذه اللقطات التي التقطناها من بعض كلماته نحاول أن ندرس كيف كان الإمام (ع) يثير القضايا التي تمثل اهتمامات المجتمع من حوله، فلقد كان يريد للناس أن يتعلّموا، ويريد للعلماء والمثقفين أن يعلّموا الناس، فكان يقول لهم إنّهم يتحمّلون مسؤولية العلم الذي يعطونه للناس، فإنّ فتحوا للناس من علمهم باب هدى فإنّهم يحصلون على كلّ أجر النتائج التي يتحرّك بها هذا العلم في هداية الناس. وإذا أعطو الناس علماً ضالاً يفتح باب ضلال فإنّهم يتحملون كلّ سيئات هذا الضلال وكلّ وزره، فلقد قال: "مَن علّم باب هدىً فله أجر من عمل به ولا ينقصُ أولئك من أجورهم شيئاً، ومن علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئاً".

التدقيق في العلم:

فماذا نستوحي من هذا الحديث؟ ما نستوحيه هو أنّ على العالم والمثقف والمفكر عندما يريد أن يعطي نتيجة ثقافته وعلمه وفكره للناس فإنّ عليه أن يدقّق في هذا العلم الذي يعطيه، هل أنّه علم هدى أو أنّه علم ضلال، لأنّ حركته في تعليم العلم جزء من عمله الذي يعطيه الله به خيراً أو شرّاً. وهذه مسألة مهمة وهي أن تتحمل مسؤولية ما تعلّم الناس به وما تحدّثهم به لأنّك من خلال علمك ربّما تغيّر تفكير الإنسان، فإذا كان علمك ضالاً فإنّك تغيّر فكره إلى الضلال، وإذا كان علمك هدىً فإنّك تغيّر تفكيره إلى الهدى. من هنا – فإنّ الذين يتحدثون مع الناس الذي يطرحون الثقة في علمهم لابدّ أن يعيشوا مسؤولية هذا العلم فلا يتحدثون به بطريقة استهلاكية من دون أساس. ثمّ أراد (ع) أن يبيّن للناس حقيقة مهمّة وهي أنّ عليهم أن يرجعوا إلى كتاب الله في كلّ القضايا التي يبتلون بها، والمشاكل التي تعرض لهم، والتحديات التي يواجهونها، لأنّ كتاب الله يشتمل على كلّ الخطوط العامة، وعلى أُسس المفاهيم العقيدية والشرعية والحياتية التي يحتاجها الناس، فلقد كان يريدهم أن يقرأوا القرآن قراءة يستنطقونه بها في كلّ ما يُشكل عليهم من أمر، وفي كلّ ما يواجههم من أفكار معقدة.

كتاب الله أوّلاً:

يقول (ع): "إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج الأُمّة إليه إلّا وأنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً"، فالكتاب أوّلاً والسنة ثانياً وهي لا تبتعد عن الكتاب في الخطوط العامة ولكنها قد تختلف عنه في أنّها تتحدث عن التفاصيل التي لم يتحدث عنها، مما أوكل الله تعالى أمره إلى رسوله فيما ألهمه به أو فيما أوحى إليه وحياً ليس قرآنياً، لأنّ الله سبحانه وتعالى كان يوحي للنبي بأمور ليست قرآناً يتلى بين الناس. ويضيف الإمام (ع) فيقول: "وجعل لك شيء حدّاً" أي أنّه حدّد حدود المفاهيم والشرائع بحيث لا يتجاوزها الناس، "وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه" وهم الذين جعلهم الله سبحانه وتعالى تراجمة وحيه والأدلاء عليه "وجعل على من تعدّى ذلك الحد حدّاً". وإذن، نفهم من خلال هذا الحديث أنّ علينا في كلّ ما يطرأ من مشاكل وقضايا فكرية، أن ننطلق إلى كتاب الله وسنّة نبيه لنجد فيها ما يحلّ لنا كلّ مشكلاتنا، ولكي لا نضيع فيما ضاع أو يضيع فيه الآخرون، وقد اعتبر الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) عندما رفضوا القيام الذي أخذ به بعض فقهاء المسلمين أنّ لا حاجة بنا له، لأنّنا إنما نحتاج إلى القيام فيما لو كان هناك فراغ في التشريع فيما بيّنه الله في كتابه أو سنة نبيه، ولقد ذكر الأئمة في أكثر من مكان وحديث أنّ الله تعالى لم يترك شيئاً إلّا وقد بيّنه، ولكن هناك أشياء لم يحفظها المسلمون، بل حفظها من قرّبهم إليه. فنحن نجد أنّ علياً (ع) كان يجمع كلّ ما عند رسول الله (ص) والأئمة يحدثوننا عن كتاب عليّ (ع) كمصدر من مصادر معلوماتهم وعن الجامعة التي هي خطّ علي وإملاء رسول الله (ص) مما يعني أننا إذا لم نجد مسألة عند رواة المسلمين فإنها موجودة عند أهل البيت (ع) من خلال المصدر الذي انطلق به عليّ (ع) فيما تعلّمه من رسول الله (ص) حتى أنّه قال: "علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب" وقال رسول الله (ص) فيما يرويه الفريقان من المسلمين: "أنا مدينة العلم وعليّ بابها".

منهجه في تربية أصحابه:

وكان الإمام (ع) في تربيته لأصحابه يتخذ منهجاً رائعاً قد لا يستسيغه الكثيرون ممن يملكون المواقع العلمية، فقد كان يطلب من أصحابه إذا أفتى لهم بفتوى أن يسألوه عن مصدرها من كتاب الله ليعلّم أصحابه منهجين: الأوّل، وهو أن يسألوا كلّ من يفتيهم حتى لو كان في مستوى الإمام، عن مصدر فتياه، ذلك أنّ المسألة لا تنطلق من خلال الشكّ في المفتي في عدم امتلاكه المعرفة فيطلبون منه أن يدلّهم على المصدر، ولكن ليتثقفوا بذلك، لأنّ هناك فرقاً بين أن تطلق الفتوى من دون أن تركزها على الحجّة التي انطلقت منها، فتترك الإنسان الذي سمع منك من دون أن يعيش ثقافة الفتوى وإن كان يعيش حرفيّتها، وبين من يطلق الفتوى ويشير إلى الدليل عليها، فإنك بذلك تحصل على ثقافتين: الثقافة التي انطلقت بها الفتوى وثقافة الفتوى ذاتها. فنفهم من هذا أنّ الأئمة (ع) كانوا يريدون للأُمّة أن تتثقف بالإسلام بحيث تحمل الثقافة الفقهية في مصادر الفتوى بالمقدار الذي يتسع له فكرها ومستواها، وأما في الجانب الآخر، فإنّه (ع) كان يريد للأُمّة أن ترجع إلى القرآن وكان يعلّمها كيف تأخذ أحكامها ومفاهيمها منه. يقول الحديث عن (أبي الجارود) قال: قال أبو جعفر – أي الإمام الباقر (ع) –: "إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله" ثمّ قال في بعض حديثه: "إنّ رسول الله (ص) نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال" فقيل له – أي للباقر – (يا ابن رسول الله: أين هذا من كتاب الله؟!)، قال (ع): "إنّ الله يقول: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء/ 114)، الله سبحانه وتعالى في هذه الآية اعتبر كلّ حديث لا يتضمن الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس حديثاً لا خير فيه، فالقيل والقال هو الحديث عن عيوب الناس واللغو وما شاكل. وأما الدليل القرآني على (فساد المال) أي النهي عن إضاعة المال، فقوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامً) (النساء/ 5)، فإنما نهى الله عن إتيان السفهاء أموالنا من جهة أنّ السفيه لا يعرف كيف يدير المال وكيف يصرفه. وأمّا الدليل على النهي عن (كثرة السؤال) فقوله تعالى: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة/ 101)، أي اسألوا عن الأشياء التي تتعلق بالعقيدة والشريعة والمنهج وبما تحتاجونه في أمر معاشكم ومعادكم، أما الأسئلة التي لا تعنيكم والتي لا تضرّ من يجهلها ولا تنفع من يعلمها، فلماذا تضيعون أوقاتكم في طلبها؟!.

مفهوم الآخرة:

وكان الإمام الباقر (ع) يريد إبطال بعض الأفكار الموجودة لدى بعض الناس ممن يعتبرون أنّ الحصول على الآخرة لا يجتمع مع طلب المال، ومع العمل الذي يستهدف الحصول على الرزق ليعول الإنسان أهله أو ليحفظ ماء وجهه، فلقد كانوا يعتبرون الإنسان الذي يريد الآخرة هو الذي يترك الدنيا، فمن انشغل بالدنيا حتى لو كان انشغاله من أجل هدفٍ يحبه الله ويرضاه فإنّه بعيد عن الآخرة. ففي قصة للإمام الباقر (ع) مع (محمّد بن المنكدر) الذي كان يقول: "ما كنت أرى أنّ مثل علي بن الحسين (ع) يدعُ خلفاً لفضل عليّ بن الحسين حتى رأيت ابنه محمّد بن عليّ، فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه بأي شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت (محمّد بن عليّ) وكان رجلاً بديناً وهو متكٍ على غلامين له أسودين أو موليين فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أشهد لأعظنّه، فدنوت منه، فسلّمت عليه فسلّم عليّ ببهر – أي بانقطاع نفس – وقد تصبّب عرقاً، فقلت: أصلحك الله شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال" ترى ماذا كانت عاقبتك؟ فقال: فخلّى عن الغلامين من يده ثمّ تساند وقال: "لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جائني وأنا في طاعة من طاعات الله تعالى أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله". إنّه يقوم بمسؤولياته حيال عياله وهو أمرٌ يحبه الله الذي يحب الذين يقومون بمسؤولياتهم في الدنيا فيما يرضيه وهو أمر عباديّ، حتى ورد عندنا في الحديث تعليقاً على فهمنا لكلام الإمام "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال" فقلت (القول لابن المنكدر): "يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني" أي أنك نبّهتني على هذه الحقيقة الإسلامية وهي أنّ الاستعداد للآخرة لا يعني أن يترك الإنسان الدنيا بل أن يترك معصية الله وله كلّ الحرية في أن يأخذ من الدنيا ما يجعله يعيش في نطاق مسؤولياته.

الحبُّ في الله:

وهكذا كان الإمام يتحرك على أساس ربط الناس ببعضهم البعض على أساس الإيمان، وهذا أمر قد يفتقده الكثير من المسلمين، قال وهو ينقل الحديث عن رسول الله (ص) وكلّ ما عنده وعند الأئمة من رسول الله "ودُّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو مع أصفياء الله" أي أراد أن يقول إنّ ارتباط الإنسان المؤمن بالله يعني أن تكون علاقته بالناس من خلال علاقته بالله، فأنت تحب الناس بقدر ما يحبون الله ويحبهم الله، وأنت تبغض الناس بقدر ما يبغضون الله ويبغضهم الله، وأنت تعطي الناس لأنّهم قريبون من الله، وتمنعهم فلا تعطيهم لأنّهم بعيدون عن الله. فمن كان الله هو النور الذي يضيء له مشاعره في الحب والبغض، وينير له مواقفه في العطاء والمنع فهو من أصفياء الله وتلك تمثل الدرجة الرفيعة من مراتب الإيمان. وهكذا كان يوصي أصحابه فيقول: "عظّموا أصحابكم ولا تحقّروهم ووقّروهم ولا يتهجم بعضكم على بعض ولا تضارّوا أي أن يضرّ أحدكم الآخر – ولا تحاسدوا – أن يحسد أحدكم الآخر – وإيّاكم والبخل وكونوا عباد الله المخلصين"، وهكذا نجده يقول للذين يحاولون أن يتحدّثوا دائماً عن عيوب الناس يقول: "إن أسرع الخير ثواباً البرّ" بحيث أنّك إذا بررت بالناس وأعطيتهم الخير فما أسرع حصولك على الثواب، "وأسرع الشرّ عقوبة البغي" أي العدوان على الناس "وكفى بالمرء عيباً أن ينظر في عيوب غيره" مما يعمى عليه من عيب نفسه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه من بعض الكلمات التي تثير حساسيته وتثير أذاه، أو ينهى الناس عمّا لا يستطيع تركه. وكان يقول: "اتبع مَن يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاشّ". كما يروي الإمام الباقر (ع) عن رسول الله (ص) أنّه قال: "دخل يهودي على رسول الله وعائشة عنده فقال السام عليك – السام يعني الموت – فقال رسول الله (ص) وعليك، ثمّ دخل آخر فقال مثل ذلك فردّ عليه كما رد على صاحبه ثمّ دخل آخر فقال مثل ذلك فردّ رسول الله كما ردّ على صاحبيه فغضبت عائشة لأنّها لم تلتفت للموضوع، فقالت: عليكم السام والغضب واللعنة يا معشرَ اليهود يا إخوة القردة والخنازير، أنتم تدعون على رسول الله وعلى من حوله بالموت، فقال لها رسول الله (ص): "يا عائشة إنّ الفحش لو كان ممثلاً لكان مثال السوء" وهذا يعني أنّ الكلمات الفاحشة لو مثّلت في صورة إنسان لكانت إنساناً قبيحاً ينفر الناس من رؤيته "إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلّا زانه ولم يرفع عن شيء إلّا شانه"، قالت: يا رسول الله أما سمعتَ قولهم، فقال بلى، أما سمعت ما رددتُ عليهم (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة/ 194)، وهذا هو خلق رسول الله (ص) الذي كان يعفو عندما كان يرى في العفو مصلحة.

 ظلم من لا يجد ناصراً:

ويقول الباقر (ع): "لما حضرت (علي بن الحسين) الوفاة ضمّني إلى صدره، ثم قال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أنّ أباه أوصاه به، قال يا بني إياك وظلمُ مَن لا يجد عليك ناصراً إلّا الله"، فالظلم قبيح للقوي وللضعيف ولكن أقبح الظلم وأشدّه عقوبة هو أن تظلم الإنسان الذي لا يملك أن يدافع عن نفسه ولا يملك إلّا أن يبتهل إلى الله طالباً أن ينصره عليك، وإذا كان الله هو الذي ينصر هذا المظلوم عليك فكيف يكون موقفك ومنظرك "إياك وظلم من لا يجدُ ناصراً عليك إلّا الله". ونستوحي من ذلك كيف كان أهل البيت (عليهم السلام) يرسمون الظلم بالمستوى الذي يكون النهي عن الظلم آخر وصاياهم عندما يريدون أن يودّعوا الحياة، مما يعني أنّ هذه الوصية تقف في درجة الأهمية الكبرى.

 الكذب مفتاح الشرور:

وفي مسألة الكذب يقول الإمام الباقر (ع): "إنّ الله جعل للشر أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب والكذب شرّ من الشراب"، وقال: "الكذب خراب الإيمان"، وقال: "أيّ شيء أشدّ من الكذب، إنّ الكذّاب كلما أفنى أحدوثة مطّها بأخرى"، أي أنّ عنده مصنع أكاذيب والسرّ في أنّ الكذب خراب الإيمان وأنّ فيه مفاتيح الشر لأنّ الكذب يستر الحقيقة، ولأنّه يبدّل صورة الأشياء فيسيء إلى تصورات الناس وإلى الكثير من أوضاعهم وذلك عندما تتحرك الكذبة لتفرض نفسها على الواقع لتشويه صورة إنسان مؤمن أو من خلال تلميع صورة إنسان كافر، وبذلك تكون جريمة الكذاب جريمة تتصل بالواقع العام للناس، بينما أكبر نتائج جريمة شرب الخمر تتصل بشارب الخمر وحده. وفي نهاية المطاف، يقسّم الإمام الباقر (ع) الظلم كما قسّمه جده علي بن أبي طالب (ع) فيقول: "الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفر، وظلم يغفر، وظلم لا يدعه الله، أما الظلم الذي لا يغفر فهو الشرك بالله". والله تعالى يقول: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان/ 13)، "وأمّا الظلم الذي يغفره الله سبحانه وتعالى فهو ظلم العبد نفسه" في بعض الحالات "وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة بين العباد" يعني ما للعباد من ديون مادية ومعنوية ومن حقوق على بعضهم البعض، فإنّ الله يترك ذلك للناس عندما يقفون بين يديه غداً ليأخذ كلّ واحد منهم حقه عندما يقول يا عدلُ يا حكيم إحكم بيني وبين من سلب مالي ومن أخذ حقي، وهذا هو منهج أهل البيت (ع) في علاقتنا بالناس وبالحياة وقبل ذلك بالله.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 457
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا