الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في ذكرى الغدير.. من العقل إلى الحكمة

2015/10/03 | الکاتب : عمار كاظم


لنعتبره غدير المعرفة، وغدير الروح، وغدير الحركة في الحياة التي تتجدد، فالغدير ليس مجرّد مناسبة تقليدية، نستهلكها كما يستهلك الناس ما اعتادوا عليه من تقاليد، بل إنّ يوم الغدير يمثِّل الموقع الذي يمثِّله عليّ (ع)، القمة في الفكر، والقمة في الروح، والقمة في وعي الحياة كلّها، بكلّ مفرداتها وأوضاعها. فقد كان الإمام عليّ (ع) فكراً ينفتح على فقه العقيدة، وفقه الشريعة، وفقه المنهج، وفقه الإدارة، وفقه الحرب والسلم، وفقه الحياة. كان (ع) الإنسان الذي لم يفهمه عصره، بل كان الغريب في عصره، وكان (ع) يقول: «إنّ ها هنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حَمَلة». وكان الإنسان الذي أخلص للإسلام كلّه، وهو القائل: «.. فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولا يتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب..»، والقائل: «لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصة». إنّ الإمام عليّاً (ع) عاش عقل الرسول (ص) وروحه منذ طفولته الأولى، حتى اندمج عقله بعقله، وذابت روحه في روحه، وتحركت حياته في كلّ خطوط حياته، فكان رسول الله في الإسلام كلّه، وكما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد سُئل: لماذا قدّمت علياً؟، قال: «احتياج الكلّ إليه، واستغناؤه عن الكلّ، دليلٌ على أنّه إمام الكلّ». ولذلك، فإنّ علينا عندما يقبل علينا الغدير أن نعتبره غدير المعرفة، وغدير الروح، وغدير الحركة في الحياة التي تتجدّد وتجدِّد الحياة من حولها، حتى نستطيع أن نفتح العالم كلّه على الإمام عليّ (ع)، انفتح الإمام عليّ (ع) على الزمن كلّه. فالإمام (ع) ليس ابن زمنه، لأنّنا عندما ندرسه وندرس كلّ كلماته، نجد أنّه يعالج مشكلاتنا في أكثر من جانب، كما كان يعالج مشكلات عصره؛ لأنّ في مشاكل الحياة ما ينفتح على كلِّ عصر، لأنّها ليست منطلقة من خصوصيات الزمن، بل من خصوصيات الحياة، والإمام عليّ (ع) كان إمام الحياة.

غاية الحرب عند عليّ (ع): وإذا أردتم أن تعيشوا مع عليّ (ع)، فعليكم أن تقتربوا إلى مستوى عقله وروحه ومنهجه وحركته.. حتى إنّ الإمام لم يكن ينطلق في حروبه من حالة ذاتية للانتصار في الحرب، بل كانت الحروب عنده وسيلة لانفتاح الآخرين على الرسالة. ففي حرب (صفين)، استبطأ أصحابه إذنه في القتال لهم، وعلّق بعضهم: «أكان ذلك كراهيةً للموت؟» لأنّ علياً (ع) قارب الستين آنذاك أو بلغها، ولعل الإنسان الذي يتقدم به العمر يحبُّ الحياة أكثر مما كان يحبّها قبل ذلك، كما ورد في الحديث: «إذا شبَّ ابن آدم شبَّت فيه خصلتان، الحرص وطول الأمل». وقد سمعهم الإمام (ع) وهم يقولون: أكان ذلك كراهية للموت، أم شكاً في أهل الشام؟ وكان (ع) يصارح الناس من حوله، ولا يتعقّد من أيّة ملاحظة أو نقد، لأنّه كان يرى أنّ المسؤول لابدّ أن يقدّم للناس تقريره في ما هو مسؤول عنه أمامهم، وأن يجيب على كلّ أسئلتهم؛ أن يعيش المسؤول نوعاً من الاندماج مع الناس الذين يتحمل مسؤوليتهم. فقال (ع) وقد وقف فيهم خطيباً : «أما قولكم: إنّ ذلك كان كراهية للموت، فوالله ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ، وأما قولكم: إنّ ذلك كان شكاً في أهل الشام فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلّا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحب إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها». إنّه يعتبر الحرب عنصر ضغط على هؤلاء الناس، ليعيدوا التفكير في موقفهم، وليشعروا وهم في حالة الخطر على حياتهم بالخطأ الذي وقعوا فيه، ولذلك لم يكن الإمام عليّ (ع) محارباً من خلال شهوة الحرب، ولكنّه كان محارباً من خلال حركة الرسالة. لذلك علينا أن لا نذكر علياً (ع) في (الأحزاب) وفي (حنين) وفي (خيبر) وفي المعارك الأخرى بما هي وقائع عسكرية وحسب، ولكن أن نذكره في حربه على الكفر وعلى الباطل فكرياً، وهو القائل: «لأبقرنّ الباطل حتى أُخرج الحقّ من خاصرته». هذا هو الإمام عليّ (ع)، وعلينا إذا أردنا أن نرتفع إليه، أن نكون بمستوى يمكن معه لنا أن نعيشه، لأنّه ملأ الدنيا ولا يزال يملأها بالفكر الذي يرتكز على الحقّ والعدل، وقد قال أحد الشعراء النصارى، وهو (بولس سلامة)، وهو يلتفت إلى الكون كلّه:

يا سماء اشهدي ويا أرض قرّي *** واخشعي إنني ذكرت علياً

وعندما يُذكر الإمام عليّ (ع)، فلابدّ أن تخشع السماء والأرض، لأنّه أعطى للناس في الأرض خطَّ الاستقامة بعد رسول الله (ص)، وثبّت فيها العدل، وربطهم بالسماء في آفاق الوحي الذي جاء به رسول الله (ص).

إثارة العقل: من كلمات عليّ (ع) في العقل، نحاول أن نستنطق الكتاب والسُنّة في نظرة الإسلام إلى العقل؛ هذا العقل الذي أهملناه وأقبلنا على الغريزة، ولذلك أصبحت سياستنا غرائزية، وعلاقاتنا غرائزية، وينطلق العقل ليعيش في غربة في مجتمعاتنا، لأنّنا انفتحنا على خرافة وتركنا الحقيقة، وانفتحنا على التخلف وتركنا التقدم، وانفتحنا على الجهل وتركنا العلم. من بعض كلمات الإمام عليّ (ع) التي تحدّث بها حسب الرواية الواردة عن الإمام جعفر الصادق (ع): «كان أمير المؤمنين يقول: بالعقل استخرج غور الحكمة، وبالحكمة استخرج غور العقل». ونحن نعرف أنّ القرآن الكريم قرن الحكمة بالكتاب، وجعلها جزءاً من رسالة رسول الله (ص)، وذلك قوله تعالى: «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» (البقرة/129)، وقوله تعالى: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» (النساء/113). والحكمة بحسب المعنى اللغوي: وضع الشيء في موضعه. وهذه الكلمة تنفتح على الحياة كلّها، لأنّ وضع الكلمة في موضعها قد يتحرك من خلال الفكر، ولابدّ أن تضع الفكر في موقعه من خلال ارتكازه على الحجّة والبرهان؛ أن يكون فكراً ينسجم مع طبيعة الأمور ومع عمق الحجة والبرهان، بحيث إذا أطلقته، وجد الناس فيه الصواب، وقرأوا فيه الحقّ. وهكذا وضع الشيء في موضعه من خلال طبيعة حركتك في الواقع. فنحن عندما ندخل في أي مشروع، أو نسير في أي خط من الخطوط، نجد الكثير من الأوضاع والظروف والأشخاص مما يحيط بهذا المشروع، أو تتحرك مع هذا الخط، فلابدّ لك أنْ تدرس إذا كنت حكيماً مطابقة مشروعك مع طبيعة الظروف التي تحيط به، ومع طبيعة الأوضاع التي تتحرك في داخله، وطبيعة النتائج التي تريد أن تحصل عليها، وأن تضع الشيء في موضعه، بمعنى: أنّك تنطلق بشكل أو بآخر لترتّب كلّ خطوات هذا المشروع، لتصير شيئاً منتجاً مناسباً لكلّ تطلّعاتك إلى الأهداف الكبرى في الحياة، سواءً كان هذا الموضوع يتصل بالحياة العائلية في تنظيم الأمور التي تتصل بأسرتك وبنظامها الداخلي، وبعلاقة أفرادها مع بعضهم البعض، أو يتعلق بالأمور السياسية في دراستك لطبيعة الخطوط السياسية التي تؤمن بها، ودراسة الواقع الذي تتحرك فيه هذه الخطوط، وملاحظة العنصر المحلي مع العنصر الإقليمي والعنصر الدولي، لتوازن ذلك كلّه وتتحرك فيه على أساس من الواقعية التي لا تبتعد عن المبادئ، أو في ما يتّصل بالمسألة الاقتصادية إذا أردت أن تدخل في مشروع اقتصادي، أو بالمسألة الأمنية إذا أردت أن تدخل في مشروع أمني، وفي كلّ قضايا الصراع.. أن تكون حكيماً، فلا تدرس المسألة من جانب واحد، بل أن تلحظ كلَّ الجوانب التي تشارك في سلامة هذا المشروع الذي تحاول أن تحقِّقه. وهكذا في حياتك الشخصية الخاصة؛ فنحن نلتقي في الحياة بما يفتح لنا أفق التشاؤم كما قد نلتقي بما يفتح لنا أفق التفاؤل، وقد تدفعنا بعض الأحداث إلى اليأس، وقد تدفعنا أخرى إلى الأمل. ففي هذا المجال، يجب أن لا تقع تحت تأثير التشاؤم بالمطلق، أو تحت تأثير التفاؤل بالمطلق، لأنّه ليس في الحياة مطلق في أيّ جانب من الجوانب؛ لأنّ الحياة هي عالم المحدود، ولذلك لابدّ لك أن تمزج بين التفاؤل والتشاؤم، لتكون واقعياً في ذلك، فتعطي التفاؤل جرعةً من التشاؤم، لكي تنطلق بالحذر، وتعطي أيضاً التشاؤم جرعةً من التفاؤل، حتى لا تسقط أمام التشاؤم فيقودك إلى اليأس. وحتى في داخل مشاكلك وفي داخل عقدك النفسية، أن لا تسقط أمامها، بل تحاول أن تدرس كلّ حالة أو كلّ عقدة نفسية من خلال أسبابها، ومن خلال نتائجها، لتعرف كيف تعالجها. ولذلك، فالله سبحانه وتعالى، وهو ربنا، وصف نفسه بالحكيم الخبير، باعتبار أنّه وضع الأشياء كلّها في مواضعها، سواء في النظام الكوني الجامد في أو النظام المتحرك أو في النظام الإنساني، وأجرى كلّ شيء على أساس الحكمة، سواء كان مما يعتبره الإنسان من السلبيات، أو مما يعتبره من الإيجابيات، وهذا هو قوله سبحانه وتعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (القمر/49)، وقوله تعالى: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» (الطلاق/3). فالكون منظّم على أساس القوانين المودعة في كلّ ظاهرة من ظواهره، وكلّ مفردة من مفرداته، حيث قال تعالى: «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ» (الملك/3)، باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى أحكم تدبيره، وأحكم قوانينه في هذا المجال.

من العقل إلى الحكمة: فيقول الإمام عليّ (ع): «بالعقل استخرج غور الحكمة..» معناه، أنّ هذا العقل الذي رزقني الله سبحانه وتعالى إيّاه، وهو الطاقة التي تنتج الفكر وتميز بين الحسن والقبيح، وتدرس الأمور بكلّ عمقها، هذا العقل استخرج به غور الحكمة، أي عمقها، باعتبار أنّ العقل يخاطب الإنسان بأنّ عليه عندما يريد أن يتحرك في الحياة، أن يوازن بين السلبيات والإيجابيات، وعليه أن يضع كلّ شيء في موضعه، حتى تسلم له حياته، وحتى ينجح في مشاريعه، فلا يكون هناك نشاز، حيث يبتعد الشيء عن طبيعة الأمور وطبيعة الأشياء. ويكمل الإمام عليّ (ع): «.. وبالحكمة استخرج غور العقل»، يعني إذا كنت أملك الحكمة، فإنّ الحكمة تخاطبني وتقودني إلى أن انفتح على العقل، فلا أجمّد عقلي، ولا أعطيه إجازة، ولا أعيره لأحد، ولكن أجعله منفتحاً على عقل الآخر. فالحكمة تقول لي استعمل عقلك، لأنّ (العقل لا يغش من استنصحه» كما قالها الإمام عليّ (ع) في بعض كلماته ولأنّ هو الميزان الذي يمكن أن يزن لك كلّ الأمور، سواء كانت ثقافية أو كانت عملية وفي كلّ المجالات.

العقل والبصيرة: «وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح». والمراد بحسن السياسة سياسة الأمور، يعني أنّك عندما تعيش في أيّ مجتمع، فإنّ عليك أن تعرف كيف تسوس المجتمع. والسياسة هي المنهج الذي يجعلك تنفتح على الواقع كلّه، وعلى الناس كلّهم، لتدرس ما يملك هؤلاء من عقل، وما يحيط بهم من ظروف، وما يعيشونه من حالات نفسية، قد تكون حالات منفتحة وقد تكون حالات منغلقة، وما ورثوه في تقاليدهم وعاداتهم، وما حصلوا عليه من تربية. فعليك أن تدرس ذلك كلّه، وأن تحاول أن تحسِّن سياستك تجاههم وتحترمهم، حتى تنفتح لك عقولهم، وحتى تنبض لك قلوبهم، لتجذبهم إليك، ولتنجذب إليهم، وذلك هو ما يمثله الأدب الصالح، الذي يمثِّل القيم الأخلاقية، والقيم الروحية التي تجمعها القيم الإنسانية. وهناك كلمة أخرى أيضاً تُروى عن الإمام الصادق (ع) في ما يرويه عن الإمام عليّ (ع): «وكان يقول: التفكّر حياة قلب البصير». فهو يتحدث عن التفكر الذي يعطي الحياة للقلب، والمراد من القلب هنا العقل أو منطقة الوعي الداخلي التي تجمع العقل والحسّ والشعور فيقول في إيحاءات كلامه لابدّ أوّلاً أن تكون بصيراً في عقلك، يعني أن تفتح عيني عقلك، قال تعالى: «فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (الحج/46)، فإذا أردت أن يحيا عقلك، فحياته تكون بعملية النمو، وعملية التطوّر وعملية الانفتاح، حيث أعطى الله سبحانه وتعالى العقل حرية لم يعطها لأيّ جهاز في الجسد، لأنّ الله عزّ وجلّ أنزل علينا في تشريعاته أنّه جعل للسان شريعة لابدّ أن يقف عندها، وجعل للفم شريعة، وجعل لليدين وللرجلين وللعينين وللأذنين تشريعات فيها الحلال وفيها الحرام. أما العقل، فإنّه لم يجعل له حدوداً ولا حواجز تمنعه من أن يفكر بحسب ما يملك من وسائل الفكر؛ لأنّه بعض الأمور هي مما لا يملك وسائل التفكير فيها، كما في الغيبيات فالله سبحانه وتعالى قال للعقل: فكّر بحرّية، وتحمّل مسؤولية تفكيرك؛ لأنّ الله عزّ وجلّ سوف يسألك عندما ينتج عقلك فكرة تحكم حياتك، كيف فكرت؟ وما هي وسائل تفكيرك؟ هل قصّرت في هذه الوسائل أم لم تقصِّر؟. ويقال في تفسير قوله تعالى: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ» (الأنعام/149)، أنّه يؤتى بالإنسان يوم القيامة، فيقال له: لِمَ لم تعمل؟ فيقول: لم أعلم، فيقال له: هلّا تعلّمت؟ لماذا لم تفكِّر؟ لماذا لم تبحث؟ فالله سبحانه وتعالى أعطى العقل كلّ الحرية في أن يفكر، وحمّله، المسؤولية في ذلك العقل يحيا بالحركة، هذا في الوقت الذي نرى أناساً يجمِّدون عقولهم، وليسوا مستعدّين لأن يفكروا، وربما التقينا ببعض الناس الذين عندما يُقال لأحدهم فكِّر، يقول: أنا لست فارغاً لأفكر، أو أنّه يطلب من غيره أن يفكّر له، وهذا خطأ، لأنّ الآخر عندما يفكر لك، فإنّه يفكر حسب العناصر الموجودة في منطلقات تفكيره، ولذلك فإنّ المعادلة الصحيحة هي أن نقول: «فكروا معنا، لنفكر معكم! ولذلك اعتبر الحديث الشريف الشورى مشاركةً في العقل: «مَن شاور الرجال شاركها في عقولها»، أي إنّ هناك عقلاً ينفتح على عقل. لذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى لا يريد للإنسان أن يجمّد عقله عندما ينطلق في الحياة، بل يريده أن يفكر مع المعصومين الذين يملكون أعلى درجات العلم والعقل، بأن يتصرّف على خلفيات التشريع والعقيدة. كما يجب على العلماء بأجمعهم، وفي أيِّ علم من العلوم، أن يعلّموا الناس، فهو ليس حراً في أن لا يعلِّم، في الوقت الذي نرى بعض الذين يملكون العلم يبخلون بعلمهم على الناس؛ لأنّ الحديث الشريف يقول: «إذا ظهرت البدع، فعلى العالم أن يظهر علمه، ومن لم يفعل فعليه لعنة الله»، فصاحب العلم كصاحب العقل مسؤول عن تنمية عقل الأُمّة، لأنّ ما يملكه الإنسان من عقل فيه شيء للأُمّة. فلذلك ورد في الحديث الشريف: «ما أخذ الله على الجهال يتعلّموا حتى أخذ على العلماء يعلّموا». إنّ علينا أن نتحمَّل المسؤولية أوّلاً في أنفسنا، بأن نعطي عقلنا حياته من خلال التفكر؛ لأنّ الشيء إذا لم تحركه فإنّه يموت. والتفكّر هو الذي يعطي الحياة للعقل، وهو الذي ينميّيه ويطوّره، وهو الذي يجعله يبدع، ولذلك فإنّ الناس الذين لا يستخدمون عقولهم يعيشون حالة الموت العقلي، وإن كانوا يملكون الحياة الجسدية. ثمّ يمثِّل الإمام عليّ (ع) على ذلك بالقول: «.. كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلص وقلة التربّص..» فالإنسان الذي يمشي في الظلمات، ويكون بيده ضوء، فإنّه يستطيع أن يصل إلى هدفه بسرعة ومن دون مشاكل، ويستطيع أن يتخلّص من كلِّ العثرات ومن كلّ العقبات التي تعترض طريقه، ولا يحتاج إلى أن ينتظر، لأنّ الطريق مفتوحة أمامه من خلال الضوء الذي يمسكه، وهكذا أمر العقل، حيث يشرق عقلك من خلال الفكر، لأنّك تمشي في نور هذا الفكر الذي يملك اتّساعاً ورحابةً وانفتاحاً وإبداعاً في الحياة. ثمّ يتحدّث الإمام عليّ (ع) عن العاقل، وكيف يتصرف من خلال حاجات المجتمع، بحيث لا يمكن أن يكون سلبياً، وهو يواجه الحاجات الفكرية والروحية والاجتماعية والسياسية التي يملك أن يسدّها، فلا يواجهها بالصمت أو السلبية، لأنّ كلّ عالم أياً كان مستوى علمه، وأيّاً كان موقعه، مسؤول أن يشدّ ثغرة الجهل في المجتمع، وليس كما يقول بعض الناس: إنّ العالم مثل الشجرة، لا تستطيع أن تأكل ثمارها. لذلك فعلى العلماء أن يبادروا ويعطوا الناس العلم حتى تحلَّ مشكلتهم في هذا المجال أو ذاك.

علامة العاقل: يقول عليّ (ع) وهو يعطي صورة العاقل في حركته في جانب المعرفة في المجتمع: «إنّ من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سُئل..»، يعني عندما يسأله الناس عن أيِّ أمر يملك علمه، وليس ثمّة مانع يمنعه من الحديث عنه، كأن يكون متعلقاً بالأسرار العامة أو الخاصة، فمسؤوليته أن يجيب عن أسئلة الناس بقدر ما يملك من المعرفة، وأن يواكب حركة التطوّر الفكري وربما نستوحي من ذلك أنّ عليه أن يثقِّف نفسه، وأن يأخذ بأسباب المعرفة، حتى يستطيع أن يجيب على أسئلة الناس، خصوصاً إذا وضع نفسه موضع المسؤول الثقافي، أو المسؤول السياسي، أو المسؤول الاجتماعي، أو المسؤول الديني. «وينطق إذا عجز القوم عن الكلام..» يعني عندما يكون في مجتمع، وهناك قضايا لابدّ من دراستها ومعالجتها، باعتبار أنها تمثل قضايا تتعلق بالحاضر والمستقبل في أي جانب من جوانب الحياة، ولا يستطيع الآخرون أن يتحدثوا عن هذه الأمور الحيوية التي قد تتصل بالقضايا المصيرية، أو بما يقرب ذلك، فإنّ عليه أن يتقدّم لحلّها ومعالجتها، ولا يقول: إنّه ما دام الجميع لم يتكلموا، فأنا أيضاً لا أتكلّم! بل عليه أن يتحدث عمّا يحتاجه الناس، من كلِّ ما يملك أمره، أو يملك الحديث عنه، وأن لا يكون سلبياً أو حيادياً.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 585
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا