الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ملامح من شخصية وفكر الإمام الحسين (ع)

2015/10/14 | الکاتب : عمار كاظم


علاقته بالله تعالى: بمقدورنا أن نستجلي عمق علاقة الحسين (ع) بربّه الأعلى سبحانه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار كونه قد تعاهده الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بالإنشاء الروحي والفكري جنباً إلى جنب مع عليّ والزهراء (ع)، لتحديد إطار شخصيته ومسارها في الحياة. فقد قيلَ له يوماً ما أعظمَ خوفِكَ مِنْ ربِّك؟ فقال: «لا يأمنُ مِنْ يومِ القيامةِ إلاّ مَنْ خافَ اللهَ في الدُّنيا». وكان (ع) إذا توضّأ تغيّر لون وجهه، وارتعدت مفاصله، فقيل له في ذلك، فقال: «حقٌّ لِمَنْ وقفَ بين يدي الملكِ الجبّارِ أنْ يَصفَرَّ لونُهُ وتَرْتَعِدَ مَفاصِلُه». في ليلة العاشر من محرّم الحرام، طلبَ الإمام الحسين (ع) من الجيش الأموي أن يمهله تلك العشيّة قائلاً: «إنّا نُريدُ أنْ نُصلِّيَ لِرَبِّنا اللّيلة ونستغفرَهُ، فهوَ يعلمُ أنِّي اُحِبُّ الصّلاةَ لهُ وتلاوةَ كتابِهِ وكثرةَ الدُّعاء والاستغفار». وفي أرهب الساعات وأحرجها، تحل صلاة الظهر في نهار العاشر مِنَ المحرّم، فيطلب الحسينُ من المعتدين أن يوقفوا عنهم الزحف حتّى يُصَلُّوا لله تعالى. إنّ هذا السّلوك يعكس لنا عمق العلاقة التي تربط الحسين بالله سبحانه، ومدى حُبِّ الحسين لله تبارك وتعالى. وكان يدعو ربّه تعالى بهذا الدعاء: «اللّهمّ ارزقني الرغبةَ في الآخرةِ حتى أعرفَ صِدْقَ ذلكَ في قلبي بالزهادةِ منِّي في دنياي، اللّهمّ ارزقني بَصَراً في أمرِ الآخرةِ حتى أطلبَ الحسناتِ شَوْقاً وأفرَّ مِنَ السيِّئاتِ خَوْفاً يا ربّ». فهذه بعض مصاديق العلاقة الروحيّة بين الحسين وربّه سبحانه وتعالى.

علاقته بالناس: حين نتطلع إلى الجانب الخلقي من شـخصية الإمام الحسـين (ع) نلمس مدى تفاعله مع الأمّة بمختلف قطّاعاتها باعتباره قدوتها المثلى، ولا نقصـد بحال أنّ الحسين (ع) يباين سواه من الأئمّة (عليهم السلام) في طبيعة التفاعل مع الجماهير، فإنّ لون التفاعل مع الأمّة وطبيعته بالنسبة للأئمّة (عليهم السلام) تحدِّدها رسـالة الله تعالى والتي يمثِّل الأئمّة صورتها التطبيقية في دنيا الواقع. ولكنّنا حين نشير إلى الجانب الأخلاقي من شخصية الإمام الحسين (ع)، فانّما نطرح بعض المصاديق لذلك التفاعل السامي المشرق:

أ تواضعه (ع): إنّه مرَّ بمساكين وهم يأكلون كِسَراً لهم على كسـاء، فسلّم عليهم، فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم، وقال: «(لولا أنّه صدقةٌ لاَكَلْتُ معكم) ثمّ قال (ع): (قومـوا إلى منزلي)، فأطعـمهم وكساهم وأمرَ لهُم بِدَراهم». وبمقدرونا أن نكتشف مدى تواضعه وعمقه من خلال هذا المصداق العملي الذي ذكرناه، إذا أعدنا إلى الأذهان ما يتمتّع به الحسين (ع) من مستوى قيادي في الأمّة، فهو مرجعها الفكري والقيادي، وإمامها المنصوص عليه من الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-. ومكانته الاجتماعية لايرقى إليها رجل في عصره قط، حتى أنّ ابن عباس الصحابي الجليل وهو أسنّ منه كان يمسك له الركاب حتى يركب فرسه إجلالاً له وإعظاماً. ولعظم منزلته كان الناس إذا التقوا به أثناء مسيره إلى الحج ماشياً، ينزلون عن ركائبهم إجلالاً طالما هو يسير. أقول إنّ إدراكنا لمكانة الحسين (ع) الاجتماعية في دنيا المسلمين، يجعلنا ندرك مدى تواضعه، إذا ألفيناه يتعامل مع أبسط الناس في المجتمع بذلك السلوك الإنساني الرفيع. ومن المصاديق العملية على تواضعه (ع) كذلك، أنّه مرَّ على مساكين يأكلون في الصفّة، فدعوه للطعام، فنزل (ع) وقال: «(إنّ الله لا يحبّ المستكبرين) ثمّ تناول معهم الطعام وقال لهم: (قد أجبتكم فأجيبوني)، قالوا: نعم، فمضى بهم إلى منزله، وقال للرباب: (اخرجي ما كنت تدّخِرين)». وممّا يدل على مدى تفاعله الإيجابي مع الناس، ورعايته لشؤون الأمّة ما رواه شعيب بن عبدالرّحمان، قال: «وُجِدَ على ظهرِ الحسين بن عليّ يوم الطف أثر، فسألوا زين العابدين عن ذلك. فقـال: (هـذا ممّا كان ينقلُ الجرابَ على ظهره إلى منـازل الأرامل واليتـامى والمساكين)». الأمر الذي يشـير إلى تواضع منقطع النظير، واهتمام بشـؤون الأمّة ووعي للمسؤولية وشعور عميق بها لا نظير له.

ب عفوه عن المسيء: ارتكب غلام له ما يستوجب التأديب، فأراد تأديبه، فقال له الغلام: «يا مولاي: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)، قال الإمـام: (خَلّوا عنه). قال الغلام: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، فقال الإمام: (قد عفوتُ عنك). قال: يا مولاي (وَاللهُ يُحِبُّ المحْسِنِينَ) قال (ع): (وأنت حرٌّ لوجهِ الله، لكَ ضعفُ ما كنتُ أُعطيك)».

ملامح من فكر الإمام (ع):

من المناسب أن نذكر طرفاً من نشاطاته الفكرية الرائدة كمصاديق عملية على ما يتمتّع به من علو شاهق في مستواه العقلي الذي صقله منهج الله وحدّد مساره ومنهاجه: أ قال له نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة من الخوراج: صِف لي إلهك الذي تعبده، فردّ عليه الإمام بقوله: «(يا نافعُ! مَنْ وضعَ دينَهُ على القياسِ لم يَزَلِ الدّهرَ في الالتباسِ، مائِلاً إذا كبا عن المنهاجِ، ظاعناً بالإعوجاجِ، ضالاً عن السّـبيلِ، قائِلاً غير الجمـيلِ، يا ابنَ الأزرق! أصِفُ إلهي بما وصفَ بهِ نفسَهُ، لا يُدرَك بالحواسِ، ولا يُقاسُ بالناسِ، قريبٌ غيرُ ملتَصِق، وبعيدٌ غير مستقصىً، يوحَّدُ ولا يُبَعَّضُ، معروفٌ بالآياتِ، موصوفٌ بالعلاماتِ، لا إلهَ إلاّ هوَ الكبيرُ المـتعال). فبكى ابن الأزرق وقال: ما أحسنَ كلامك». ب قال (ع) عند مسيره إلى كربلاء وهو يقوِّم الموقف العام، ويحدِّد مَدَى الانحراف الذي آلت إليه الأوضاع، ويشير إلى عزمه على كسب الشهادة من أجل الحقّ: «إنَّ الدُّنيا قد تغيّرتْ وتنكّرتْ، وأدبَرَ معروفُها، واستمرّت جدّاً فلم يبق منها إلّا صُبابةٌ كَصُبابةِ الأناءِ، وخسيسُ عيش كالمرعى الوبيلِ، ألا ترون أنّ الحقَّ لا يُعمَلُ بهِ؟! وأنّ الباطِلَ لا يُتناهى عنهُ، ليرغبُ المؤمنُ في لقاءِ اللهِ مُحِقّاً، فإنِّي لا أرى الموتَ إلّا سعادةً والحياةَ معَ الظّالمينَ إلاّ بَرَما، إنّ الناسَ عبيدُ الدُّنيا والدِّينُ لَعِقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معائِشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاءِ قَلَّ الدَّيّانون». ج وها هو يحدِّد بوعي صارم درجات العلاقة بالله: «إنّ قوماً عبدوا الله رعبة فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة». د وقد خطب (ع) مرّة، محدِّداً مواصفات الحكم الأموي وما آلت إليه الأوضاع السياسية والإدارية من وجهة النظر الإسلامية: «(أيُّها الناس! إنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (مَنْ رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرمِ اللهِ، ناكِثاً لعهدِ اللهِ، مُخالفاً لسنّةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم-، يعملُ في عبادِ اللهِ بالإثمِ والعدوانِ، فلم يُغيِّرْ عليهِ بفعل ولا قول، كانَ حقّاً على الله أن يُدخلهُ مدخله)، ألا وإنّ هؤلاء قد لَزِموا طاعةَ الشّيطانِ، وتَرَكوا طاعةَ الرّحمانِ، وأظْهَرُوا الفسادَ، وعطّلوا الحدودَ، واستأثروا بالفيءِ، وأحلُّوا حرامَ الله، وحرّموا حلالَهُ، وأنا أحقُّ مِن غيري، وقد أتتني كتبكم، وقَدمتْ عليَّ رُسُلُكُم ببيعتِكُم، أنّكم لا تُسْلموني ولا تَخْذلوني، فإن تَمَمْتُم على بيعتكم تُصيبوا رُشدَكُم، فأنا الحسين بن عليّ وابنُ فاطمة بنتِ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، نفسي معَ أنفسكم، وأهلي معَ أهليكم، فلكم فيَّ أسوة، وإنْ لم تفعلوا، ونقضتُم عهدَكُم وخلعتُم بيعتي مِن أعناقِكُم، فلعمري ما هي لكم بِنُكْر، لقد فعلتُموها بأبي وأخي وابن عمِّي مسلم بن عقيل؛ والمغرورُ مَنِ اغترَّبِكُم، فَحظَّكم أخطأتُم، ونَصيبَكُم ضَيَّعتُم، ومَنْ نَكَثَ فإنّما يَنْكُثُ على نفسِهِ وسَيُغْني الله عنكم». هذه شذرات يسيرة من عطائه العظيم الّذي يحتل مركزَ الرِّيادة في الفكر الإسلامي الأصيل، ومَنْ شاء المزيد فليُراجع سيرته العَطِرة، فإنّ له فيها خير عون على إدراكِ ما للحسينِ (ع) مِنْ بُعْدِ نظر وسعةِ فكر وإيمان.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 178
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا