الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في ذكرى الإمام الحسين (ع)

2015/10/19 | الکاتب : عمار كاظم


«إذا أردتم أن تفهموا الحسين (ع) جيداً.. فافهموا الإسلام جيداً».

في ذكرى الإمام الحسين (ع)، ويبقى للحياة من الحسين الكثير، ويبقى للإنسان من سيرة الحسين (ع) الكثير الكثير لأنّه - سلام الله عليه - كان الإنسان الذي أطلق إسلامه ليتحرك في الحياة ليلاحق كلّ انحراف في الفكر وفي السلوك ليسلط عليه ضوءاً من روحه وعقله ومن كلّ انفتاحه على الله وعلى الإنسان ليقوده إلى الاستقامة، وهكذا رأينا كيف انفتح الحسين (ع) بمحبته على الناس كلّهم لأنّ الإنسان الذي يحب الله لابدّ أن يحب الناس الذين هم عباد الله، وإذا كان يبغض مؤمناً في واقع بعض الناس فإنّ البغض لا يتجه إلى إنسانية الإنسان بل إلى الجانب السلبيّ في ذاته، فالإنسان المسلم يبغض كفر الكافر وفسق الفاسق وضلال الضال واستكبار المستكبر وظلم الظالم. أما الإنسان الذي يعيش هذه الأمور، فإنّ الإنسان المسلم يحاول أن يقتحم إنسانيته ليخلّصه من ظلمه ومن استكباره ومن كفره ومن ضلاله. وهكذا رأينا أنّ قلب الحسين (ع) يتسع حتى لإعدائه حتى أنّه كان يبكي أعداءه، كما تقول بعض كتب السيرة لأنّ الله سوف يعذبهم بسبب موقفهم منه.

الملامح العامة لخطّ الثورة: ونحن أمام ذكرى الإمام الحسين (ع) نريد أن نطلّ أوّلاً على بعض الملامح العامة للخط العام للثورة، ثمّ نحاول بعد ذلك نلاحق بعض الكلمات التي يتحدث بها الإمام الحسين (ع) مع الناس من حوله، فنحن نلاحظ أنّ بعض كتّاب سيرة الإمام الحسين (ع) لا يحدثوننا إلّا بما تحدّث به في كربلاء، أما ما تحدّث به واعظاً ومرشداً وموجهاً فالقليل من يتحدث في ذلك. فعندما ندرس الخط الذي انطلق به الإمام الحسين (ع) في ثورته فإنّنا نرى أنّه يختلف عن خطّ الثائرين الآخرين، حيث أنّ هؤلاء غالباً يركزون على الخطوط العامة للثورة في مواجهتها للأوضاع السلبية لدى الآخرين الذين تتوجه الثورة ضدهم من دون أن يتحركوا مع الناس في الخطوط التفصيلية، ولهذا نجد مثلاً في واقعنا المعاصر أنّ على الحركات الإسلامية وهي تتحرك سياسياً وتتحدث في خطابها السياسي عن ظلم الظالم وعن هذا الوضع السياسي وذلك الموقف السياسي، وتحاول أن تثقف قواعدها بكلّ المجريات، وأن ترصد الواقع السلبي كواقع منحرف عن الإسلام، أن تبقى توحي لقاعدتها بالخطوط التفصيلية للإسلام كما كان الحال في ثورة الإمام الحسين (ع) الذي لم تتح له الظروف أن يجمع إلّا هذه القلّة القليلة من ذوي البصائر. أما الآخرون الذين كانوا يهتفون بالإسلام وكانوا يحبون الحسين حباً عاطفياً وكانوا يصلّون ويصومون ويحجّون، فإنّهم كانوا لا يعيشون عمق الإلتزام الإسلامي بالمعنى الحركي الذي يحكم الإنسان في كلّ قضاياه، فلقد كان الإمام الحسين (ع) في مكة وكان كلّ الحجيج هناك فلم يتبعه إلّا القليل والكلّ يعرف أنّه انطلق ليأمر بالمعروف ولينهى عن المنكر وليغيّر الواقع على أساس الإسلام.

الالتزام في الواقع الإسلامي: ونحن نلاحظ في بعض جوانب الواقع الإسلامي أنّ قضية الالتزام الشرعي بالمعنى الذي يراقب الإنسان فيه ربّه عندما يتكلم أو عندما يتحرك أو عندما يعيش علاقاته مع زوجته ومع جيرانه ومع الناس من حوله وحتى مع الناس في حركته فإنّنا نجد أنّ الإسلام، في هذه العلاقات شيء، وأنّ الواقع شيء آخر، لذلك رأينا أنّ الذين اتبعوا الحسين (ع) كانوا من الذين عاشوا الثورة في عقولهم من خلال الإسلام وعاشوا الحركة في واقعهم من خلال الإسلام، وكانت علاقاتهم مع بعضهم تتجه إلى الإسلام، وكان ارتباطهم بالقيادة ينطلق من خلال الإسلام، ولهذه كان العنوان الكبير الذي أعطاه الإمام الحسين (ع) للجميع (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) (الأحزاب/ 23)، كانوا الصادقين في عهدهم مع الله وبذلك صدقوا في عهدهم مع الحسين لأنّ الحسين هو ولي الله، وكانوا الجماعة التي واجهتهم التحديات وعزلتهم عن الواقع وضغطت عليهم كأقسى ما تكون الضغوط وحاصرتهم كأضيق ما يكون الحصار، ليبدلوا تبديلاً كما بدّل الكثيرون، وما بدلوا تبديلا. هذه ملاحظة حسينية نريد للعاملين في سبيل الإسلام أن ينطلقوا ليعيدوا النظر -من خلالها- في أسلوب عملهم وفي منهج عملهم، فلقد كان الحسين ينزل إلى داخل الإنسان ليعمّق فيه حبه لله، وعلينا أن ننزل إلى عمق الإنسان لأنّ الإنسان الذي تنزل إلى عمقه وتجعل عمقه عمقاً إسلامياً منفتحاً على الله محباً له تستطيع أن تدفعه إلى أية ساحة من الساحات ويبقى أصيلاً ويبقى واقفاً على قدميه لا يتراجع ولا يسقط ولا ينحرف.

في رحاب كلمات الحسين (ع): ونأتي إلى كلمات الإمام الحسين (ع) لنستوحيها، فالكلمة الأولى «لا يكمل العقل إلّا باتّباع الحقّ» توحي إلينا بمعنى العقل وأنّه ليس مجرد طاقة تفكر ولكن العقل هو طاقة تفكر وتحاور وتلاحق الحقيقة حتى ترتبط بالحقيقة، فالعقل العملي لا يكمل إلّا باتباع الحقّ أي أن لا يكون عقلك طاقة مجردة تتحرك في الفراغ أو طاقة مجمّدة من دون أن تتحول إلى قوة تهز كلّ كيانك لتدفع بك إلى أن تجعل الواقع عقلاً، فالعقل ليس حالة نظرية تجريدية، ولكن العقل هو حالة فكرية تتحول إلى خط عملي، هذا ما استوحاه أو ما عبّر عنه الإمام جعفر الصادق (ع) عندما قال: «العقل ما عبد به الرحمن وعصي به الشيطان»، فأن تكون العاقل يعني أن يكون عقلك حركتك وأن يكون عقلك خطك وأن يجعل عقلك الحقّ كلّ ساحته وكلّ آفاقه فلا يكمل العقل إلّا باتباع الحقّ. والكلمة الثانية «العلم لقاح المعرفة»، ذلك أنّ المعرفة هي هذه الحالة الإنسانية التي تعطيك الانفتاح على الحياة وعلى الحقائق وأنّ العلم بمفرداته يلقّح المعرفة لينتج منها ما يتقدم به الإنسان ويرتفع به، «وطول التجارب زيادة في العقل» فكلّما جربت أكثر فإنّك تستطيع أن تكبر حجم عقلك، ولكن هناك فرقاً، بين تجربةٍ تمارسها وأنت غافل وبين تجربة تمارسها وأنت واعٍ، فأن تعي تجربتك يعني أن تفهمها بأن تجعلها موضوع دراسة وأن تجعلها وسيلةً من وسائل التفكير وأن تكون تجربتك إحدى مصادر عقلك وإحدى مصادر المعرفة، ولذلك حاولوا أن تفكروا وحاولوا أن تجربوا وأن تنطلقوا بتجربتكم لتكون مصدر فكرٍ ومصدر وعي في حركتكم في الحياة. والشرف، هل هو النسب، هل هو المركز الرفيع، هل هو هذه الأجواء التي يحيطك الناس من خلالها بالتعظيم ليهتفوا باسمك. «والشرف التقوى» وهذا ما استوحاه ابنه عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) عندما قال وقد كان ينظر إلى أصحاب الدنيا «واعصمني من أن أظن بذي عدمٍ خساسة أو أظن بصاحب ثروة فضلاً فإنّ الشريف من شرّفته طاعتك والعزيز من أعزته عبادتك» لأنّك إذا كنت تقياً فإنّك تكون القريب عند الله الحبيب إليه والأثير عنده وأي شرف أعظم من أن يشرّفك الله بأن يجعلك وليه وأن يقرّبك إليه وأن يحبك وأن يرفع درجتك في عليين، إذ ما قيمة كلّ شرف الدنيا أمام شرف الآخرة، فكلّ شرف يموت عندما يموت الإنسان ولكن يبقى شرف التقوى هو الزاد (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ) (البقرة/ 197). (والقنوع راحة الأبدان) فإذا أردت أن تكون مرتاحاً فلا تعش الهم الكبير ولا القلق ولا دمار الشخصية، اقنع بما رزقك الله، وحاول أن تنمّي ما رزقك الله بالوسائل التي أعطاك إياها، لا تجلس لتندب حظك، ولا تجلس لتيأس، لا تجلس لتعترض عل ربّك، بل اقنع بما رزقك الله فإنّ في ذلك راحة البدن. «ومن أحبك نهاك ومن أبغضك أغراك» إنّنا نحبّ الذين يمدحوننا ويضخّمون لنا شخصيتنا ونعتبرهم الأصدقاء الأصدقاء ونبغض الذين ينقدوننا والذين ينهوننا ونعتبرهم الأعداء الأعداء، ولكن لو نظرت جيداً لعرفت أنّ من ينهاك يريد أن يجنّبك مزالق الهلاك وأنّ من يغريك يريد أن يسقطك في هاوية هنا وهاوية هناك، وفي المثل الشعبي (من أبكاك بكى عليك ومن أضحكك ضحك عليك) فلا تجعل نفسك مضحكة للذين يريدون أن يضخّموا شخصيتك، لا إيماناً بك ولكن ليستغلّوا ذلك في أكثر من موقع، ونحن نقرأ أنّ الإمام عليّ (ع) كان إذا مدحه الناس قال «اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، وإجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون» وإذا جاءه المتزلفون ليمدحوه بما لا يعتقدونه فيه قال لهم كما قال للبعض من هؤلاء «أنا دون ما تقول وفوق مافي نفسك» ولقد قال عليّ (ع): «لا يغرنك سواد الناس عن نفسك فإنّ الأمر يصل إليك دونهم».

الوجه الآخر للمفاهيم: ثمّ يحدثنا الإمام (ع) في خط الشرف عندما قال له رجل: «من أشرف الناس؟ قال من اتعظ قبل أن يوعظ ومن استيقظ قبل أن يوقظ»، أي الإنسان الذي يوحي لنفسه بالموعظة عندما يجلس مع نفسه وعندما يدرسها عندما ينقدها ويحاسبها ويحاكمها ويحكم عليها ويجاهدها من دون أن يحتاج أن يأتي الناس إليه ليعظوه ويبقى يقظاً واعياً لا يحتاج من الناس أن يقظوه فهذا هو أشرف الناس لأنّه يعيش معنى الشرف في معنى كمال نفسه وفي معنى قربه لربّه. يقال إنّه قيل للحسين (ع) أنّ أباذر يقول «الفقر أحب إليّ من الغنى والسقم أحبّ إليّ من الصحة»، لأنّه كان يريد أن يبتليه الله بذلك ليصبر فيرفع درجته، قال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: «من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمنّ غير ما اختار الله عزّ وجلّ» فإذا اختار الله لنا الصحة فخيارنا الصحة لأنّها اختيار الله، وإذا اختار الله لنا الغنى فخيارنا الغنى لأنّه هو الذي اختاره لنا، وهكذا لو اختار الله لنا الفقر أو اختار لنا السقم، أو اختار لنا غير ذلك، فالمهم أن يكون خيار الله هو خيارنا وهذا هو معنى الرضا بقضائه وقدره. وقد سُئل الإمام الحسين (ع) فقيل له «كيف أصبحت الآن» ولو وجه إليك نفس السؤال: كيف أصبحت؟ لقلت الحمد لله إنّ صحتي جيدة والأمور على ما يرام، أما الحسين (ع) فيعطينا درساً في هذا الموضوع، فقد قيل له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ قال: «أصبحت ولي ربٌّ فوقي»، أي أنا أشعر بأني لست حراً، فهناك ربٌّ فوقي لأعيش ربوبيته في معنى عبوديّتي له «والنار أمامي» لأنني إذا سرت بعيداً عن حركة العبودية لله فإنّ النار هي النتيجة، ولذلك أصبحت وأنا أفكر في النار بأن أهرب منها وأن أهرب من أي شيء يدخلني فيها، «والموت يطلبني» لأني أموت في كلّ يوم عندما ينقص من عمري يوم لأنّ الموت يلاحقني حتى يأخذ مني في كلّ مرحلة شيئاً إلى أن تنتهي كلّ المراحل «والحساب محدقٌ بي»، لأنّ الله سوف يحاسبني على كلّ شيء (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر/ 38-47). فلا أجد ما أحبّ وليس بيدي تحقيق كلّ ما أحب، كما لا أملك القدرة على أن أدفع ما أكرهه عندما يقبل عليّ، «والأمور بيد غيري، فإن شاء عذّبني وإن شاء عفا عني فإني فقير»، وهذا هو صباح الحسين (ع) فإذا كنّا نريد أن نبدأ صباحنا بالتفكير بالله وبالنار وبالحساب وبكلّ مسؤوليتنا عن أعمالنا فلنفكر بأننا بيد الله لنبقى مع الله نتوسّله ونبتهل إليه ونخشع بين يديه ليرحمنا برحمته.

طريق ذات الشوكة: ولقد كتب رجل إلى الحسين (ع): «يا سيدي أخبرني بخبر الدنيا والآخرة»، فكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإن مَن طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس»، ليكن موقفك موقف الحقّ حتى لو رجمك الناس بالحجارة، لتكن لك أصالة الحقّ فيما تواجهه ضد الباطل حتى لو شتمك الناس وسبّوك، كن الإنسان الذي يراقب الله، «صانع وجهاً واحداً يكفيك الوجوه كلّها»، لذلك إذا كنت تطلب رضا الله تعالى ولا شيء غير رضاه، فلا تخف الناس ولا تنظر إلى ما يرضيهم عنك أو يسخطهم، ولا تحدّق بعيون الناس هل تتوجه إليك فتلتمع بالرضا أو أنّها تزور عنك فتوجه إليك النظرات الحانقة، ولا تفكّر عندما تعمل بماذا يقول الناس عنك، بل فكّر كيف يكون رضا الله عزّ وجلّ عليك، لأنّ ربّك يحول بين المرء وقلبه ولأنّ ربّك هو أقرب إليك من حبل الوريد ولأنّ ربّك هو مقلّب القلوب، فلقد قالها ربُّ العالمين لرسول ربّ العالمين: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم) (الأنفال/ 63)، لأنّه خالق القلوب ولأنّه محيي القلوب ولأنّه مقلّب القلوب. «مَن طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس» وفي الدعاء: «يا من يكفي من كلّ شيء ولا يكفي منه شيء اكفني ما أهمّني مما أنا فيه من أمور الدنيا والآخرة»، «ومن طلب رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» بأن يرضي هذا ويرضي ذاك ولو على حساب سخط الله فإنّ الله يقول له لقد أهملتني، لقد نسيتني، لقد تركتني، لقد فضّلت خلقي وعبادي عليّ، فاذهب إلى عبادي لأكلك إليهم، ومن وكله الله إلى نفسه أو وكله إلى غيره فإنّه سوف يتخبّط وسوف يضيع وسوف يسير إلى الهلاك. أيها العاملون في سبيل الله، أيّها الدعاة إلى الله، أيها المجاهدون في سبيله، ستواجهون في الحقّ الذي تقفون معه الكثير مما تكرهون، لذلك إذا كنتم صادقين في التزامكم بالحقّ فليكن علامة صدقكم أن تصبروا على كلّ ضريبة الحقّ الذي يمكن أن تأكل من أجسادكم أو تأكل من جاهكم أو تأكل من سمعتكم أو تأكل من كثير من الأشياء التي تحبونها، يقول الحسين (ع): «اصبر على ما تكره بما يلزمك الحقّ واصبر عمّا تحب» لأنّ الحقّ سوف يخسرك كثيراً، يخسرك الكثير من ملذاتك ومن شهواتك ومن امتيازاتك ومن علاقاتك وما إلى ذلك، فاصبر عمّا تحب فيما يدعو إليه الهداة، وقد كان موقف الحسين صورة لذلك «فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ومن ردّ عليّ اصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين».

إسداء المعروف: قال رجل في مجلس الحسين (ع) «إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع» يعني لابدّ لنا أن نصنع المعروف مع أهله لينتج ويثمر، أما إذا صنعنا المعروف مع غير أهله فإنّه يضيع، هنا قال الحسين (ع) ليس كذلك، لأنّ قضية المعروف ليست قضية تجارة، ولكنها قضية أخلاقك وقضيتك أنت في أن يكون المعروف عندك تماماً كالشمس التي تشرق على البر والفاجر وكالينبوع الذي يفيض على الأرض الجديبة والأرض الخصبة، ليكن المعروف خلقك وليكن القيمة التي تعيش في حركتك بقطع النظر عن ردّ فعل الناس، كان الحسين (ع) يريد أن يقول لا تكن إنساناً يعيش ردود الفعل سلباً أو إيجاباً من خلال مواقف الآخرين معك ولكن كن الإنسان الذي يعيش الفعل، افعل شيئاً لأنّك تؤمن به وافعل الشيء لأنّه خير بقطع النظر عن ردّ الفعل من الآخر، قال الحسين (ع) «ليس كذلك ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر يصيب البرّ والفاجر»، كن أيها الإنسان مطراً وليكن المعروف بالنسبة إليك مطراً يهمي لينزل على البر وعلى الفاجر، فأي سموّ هو هذا السموّ، ونحن نقول في الدعاء «فإن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهل أن تبلغني وتسعني لأنّها وسعت كلّ شيء» فقد لا أكون أهلاً لرحمة الله ولكن رحمة الله التي اتسعت لكلّ شيء سوف تغمرني حتى لو لم أستحق ذلك بالقليل أو الكثير.

ذلّ الاعتذار: ثمّ يقول: «إيّاك وما تعتذر منه» أي عندما تريد أن تفعل شيئاً وعندما تريد أن تتكلم مع إنسان فانظر هل أنت مستعد لتحمّل مسؤولية الكلمة؟! فلو قابلك الناس بها فهل تثبت عليها، ولذلك فالعمل الذي تضطر إلى الاعتذار عنه ينبغي ألا تفعله. «فإنّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر» لأنّه لم يفعل شيئاً يوجب الاعتذار، «وإنّ المنافق كلّ يوم يسيء ويعتذر»، وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق (ع) في قوله: «إنّ الله فوّض للمؤمن أموره كلّها ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه، قالوا: كيف يذلّ نفسه؟ قال: يدخل فيما يعتذر منه»، وموقف المعتذر هو موقف الذلّ، فأنت تسقط نفسك أمام من تعتذر منه. وفي نهاية المطاف، كتب رجل إلى الحسين (ع): «عظني بحرفين»، فكتب إليه: «من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو». فأي أمر تحاول أن تبلغه أو أيّ مشروع تريد أن تصنعه، وأي انتماء تريد أن تنتمي إليه، وأي علاقة تريد أن تنشئها، فلا تحاول أن تحصل على ما ترجوه بمعصية الله لأنّ معصية الله سوف تخرّب لك ذلك كلّه إن عاجلاً أو آجلاً، لأنّ معصية الله ليس فيها عمق الحقيقة، وليس فيها أيّ شيء يمثّل الثبات. هذا هو الحسين (ع) واعظاً ومرشداً وموجّهاً كما عرفناه ثائراً وبطلاً وصابراً، فخذوا الحسين كلّه ولا تأخذوا منه مأساته ولا ثورته فحسب بل خذوا الحسين كلّه، فلقد كان مسلماً وكلّ ما انطلق فيه فهو من الإسلام، لذلك، إذا أردتم أن تفهموا الحسين (ع) فافهموا الإسلام جيداً، فهناك الحسين في كلّ موقف للإسلام، وفي كلّ حكم للإسلام، وفي كلّ انفتاح على الإسلام، ويبقى الحسين (ع) يلهمنا ويعطينا ويوجهنا ويقودنا، يبقى الإمام في المستقبل كما كان الإمام في الماضي.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 228
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح
 أسباب نشوء التمييز العنصري
 الحث على عمل المرأة
 مكارم أخلاق فاطمة الزهراء (ع)
 الزهراء (ع).. مظهر حي للقيم الفاضلة
 الشباب.. عطاء وطموح
 شذى وأريج الصلاة
 النصف الجميل من المجتمع

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا