الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في ذكرى الإمام الحسين (ع)

2015/10/24 | الکاتب : عمار كاظم


قيل الكثير في تحليل ثورة الإمام الحسين أو نهضته أو حركته – حسب اختلاف التعبيرات، وما زال هناك الكثير مما يمكن أن يقال، لأنّ انطلاقة الحسين (ع) لم تكن محصورة في المرحلة الزمنية التي عاشها الإمام الحسين (ع) لتعيش ضمن هذه الحدود في الزمان والمكان فتنتهي كما ينتهي أي شيء يتجاوز زمانه ومكانه، ولكن قصة الحسين (ع) هي قصة الإسلام كلّه من خلال موقعه الشرعي كإمام للإسلام ومسؤول عن المسلمين، هي قصة الإسلام في تأصيل مفاهيمه وتركيز خطوطه في مواقع الإنسان، وبذلك تغدو قصة الحسين قصة الإنسان كلّه، لأنّ الإسلام جاء من أجل أن يجعل الإنسان يعيش معنى إنسانيته التي أودعها الله في تكوينه فيما يسمى بالفطرة «فطْرَةَ اللَّه الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْديلَ لخَلْق اللَّه. ذَلكَ الدّينُ الْقَيّمُ» (الروم/ 30)، والفطرة هي هذا المعنى الكامل في عمق الإنسان الذي يجعله ينفتح على الحقّ كلّه وعلى الخير كلّه بكلّ عفوية وبساطة، فلولا الحواجز التي تحجزه عن الحقّ والخير لا انفتح عليها بكلّ معنى واستقامة. فكلّما كانت للإسلام قضية كان هناك الحسين، وكلما كانت للمسلمين ساحة صراع كان هناك الحسين، لأنّه يمثل التجسيد الفكري والروحي والعملي والجهادي لرسول الله (ص)، وهذا ما قد نستوحيه من كلمة النبيّ (ص) «حسين منّي وأنا من حسين»، وهي تنطلق بعيداً عن الجانب الذاتيّ لأنّ ذلك لا يمثل شيئاً كبيراً في القيمة الحقيقية للارتباط العضويّ والتفاعل الروحي والحركي بين النبيّ (ص) والحسين (ع) مما يجعلها شيئاً واحداً بحيث يمكن أن نقول إنّ الحسين من رسول الله ورسول الله من الحسين فهما يتكاملان بهذا المعنى الذي يشكّل الوحدة بينهما. تعظيم الذكرى وعلى ضوء ذلك.. فإنّنا في كلّ سنة نقيم فيها هذه الذكرى، لابدّ لنا أن نقف وقفة تأمّل أمامه، فما هي الغاية من إقامة وتعظيم هذه الذكرى بهذا المستوى الحاشد في العالم الإسلامي؟ فهل المسألة هي استعادة ذكرى وتأريخ؟ لأننا نخلص إلى شخصيات ذلك التأريخ ولأحداثه وتبقى القضية قضية تأريخ ضاع في الزمن ونحاول أن نستعيده، ثمّ عندما نفرغ من قصة هذا التأريخ ذكرى ودموعاً وحركة ننطلق إلى حياتنا تماماً كما لو لم نكن فعلنا شيئاً. قد تزيدنا الذكرى حبّاً للحسين أكثر وولاءً لأهل البيت أكثر، وقد تزيدنا عمقاً في الإحساس بالمأساة أكثر، لكن ذلك كلّه عندما يبقى في نطاق الذات فإنّه لا يغير من الحياة شيئاً، ونحن عندما نستنطق الحسين (ع) في كلماته، فإننا نجد أنّه انطلق من أجل تغيير الواقع على أساس استقامة الخط، لأنّ الواقع انحرف عن الخط فأراد الحسين (ع) أن يرسم معالمه للقيادة الإسلامية، حيث قال: «أيها الناس إنّ رسول الله (ص) قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكشاً لعهد الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر بقول ولا فعل كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله»، إنّه يختصر الموقف الرسولي في أنّ الحاكم عندما لا يكون منفتحاً على الإسلام في الفكر وفي العمل فإنّ على الأُمّة أن تغيّره، ولو بقيت الأُمّة راضية به فإنّها تدخل مدخله لأنّ «من رضي بفعل قوم كان كالداخل فيه معهم» كما قالها عليّ (ع). بين الخط والواقع ثمّ قال في توجيه الأنظار إلى الواقع لإحداث عملية مقارنة بين الخط وبين الواقع: «ألا إنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله وعطّلوا الحدود، وأنا أحقُّ بهذا الأمر»، فهناك انحراف في الالتزام بالله في موقع الطاعة. وهناك انحراف عن الدستور في موقع التشريع بتحريم الحلال وتحليل الحرام، وهناك تعطيل للقوانين والحدود بتقديم الشريف فلا يطبّقون القانون عليه فيما يطبّق على الضعيف حصراً، واستئثارهم بالفيء الذي هو مال الأُمّة وهو بالتالي مال الله. «وأنا أحقُّ بهذا الأمر»، مما يعني أنّ الحسين (ع) كان في عملية تغيير شاملة للواقع من خلال حركته كإمام يملك الشرعية ويعطيها لكلّ حركة ولكلّ خط ولكلّ قضيّة من قضايا المجتمع. وعندما نأتي إلى قوله (ع): «ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه»، نرى أنّه بذلك يرسم الخط ويقول لنا إنّ المشكلة التي أواجهها هي هذه، وإنّ مسؤوليتي تتعين برسم الخط، ويقول لنا إنّ المشكلة التي أواجهها ومسؤوليتي التي تنطلق في اتجاهها، هي أنّ هناك حقاً لا يعمل به في العقيدة والشريعة والمنهج والحركة والسلوك، وأنّ هناك باطلاً لا يتناهى عنه في ذلك كلّه أيضاً. التحرُّك الإصلاحي إذاً فالمسألة تفرض التحرك الذي قال عنه الحسين (ع) «لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر» وهذا يعني أنّ الحسين (ع) يحدّد نوعية هذا التحرك على شكلين: هناك شكل للحركة في أن تكون منطلقة من مواقع ذاتية ومن خلال طموح ذاتي، أو أن تنطلق لتؤكد الظلم في مواجهة العدل، وتركز الفساد في مواجهة الصلاح، وهذه حركة يرفضها الحسين لأنّها غير شرعية، ولذلك أراد أن يضع في عنوان حركته أنّها ليست لظلم القيادة أو الشعب، وليست لإفساد الواقع بخلق الفرقة والتمزّق في مواقع الحقّ، ولا هي ذاتية تنطلق من حالة بطرٍ أو طمعٍ أو من طموح يريد أن يرضي الذات على حساب الرسالة. ثمّ أكّد نوعية حركته، مما يعطي الخطّ في كلّ حركة تريد أن تنطلق في الواقع الإسلامي، فمن خلال عنوان «الإصلاح في أُمّة جدّي»، يوحي بأنّ قضية أن يعيش المجتمع الإسلامي الفساد في كلّ مجالاته تفرض أن تكون هناك حركة من أجل الإصلاح، ولذلك تحرك على أساس هذا الواجب الشرعي في أنّه إذا كان هناك فساد في الواقع فلابدّ أن تنشأ حركة في مواجهة هذا الفساد، وألا نعيش التخدير للواقع ولا التجميد لحركتنا وطاقتنا، وأن يشعر كلّ من يعيش في المجتمع لاسيّما قيادته الشرعية حركة تغيير هذا الواقع من الفساد إلى الإصلاح.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 412
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا