الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام الحسين (ع) رسالة شاملة ورمز للوحدة

2015/10/25 | الکاتب : عمار كاظم


«الإمام الحسين (ع) لا يعيش في الجوّ الشيعي فقط، ولكن ينفتح على الجوّ الإسلامي والإنساني كلّه».

مأساة كربلاء

الحسين (ع) والصفوة الطيبة من أهل بيته وأصحابه (رض) رأينا فيهم المأساة، لأنّ الحسين (ع) هو صريع الدمعة الساكبة، ولكن المأساة على قسمين: هناك المأساة الإنسانية التي تتحرك من خلال عناصر الواقع التي يضطهد أو يظل فيها الإنسان، مأساة الضحايا الذين يسقطون ضحية قهر وظلم واستكبار سقوطاً سلبياً، وهناك مأساة تتحرك في خط القضية بحيث يقف الإنسان الذي يحمل قضية ورسالة ليتحدى الواقع المنحرف في ساحات الخطر وليهجم على المأساة لا حباً بالموت ولا من خلال ما قد يعيشه من مزاج الشهادة، بل من خلال إرادة التغيير وحركية الرسالة. ونحن نعرف أنّ الأنبياء عاشوا المأساة بكلّ تنوعاتها لأنّهم واجهوا القوى المضادة التي كانت تعيش الكفر والضلال وتحدوا كلّ قيمها في الوقت الذي كانوا لا يملكون فيه إلّا قوة فكرهم ولا يعيشون أي عنصر من عناصر الصلابة في الساحة، فكان البعض منهم يقتل، والبعض منهم يضرب، والبعض منهم يهجّر ويشرّد. وهكذا عاشوا المأساة في داخل القضية وبذلك انتصرت القضية من خلال كلّ الآلام التي احتشدت في حركتها لأنّ الإنسان المصلح الثائر إذا لم يعش الألم في قلب قضيته فإنّ قضيته لا تتجذّر في عمق الواقع فكلما كانت الجراحات أعمق استطاعت أن تكون أكثر تأثيراً في المجتمع. ولذلك نرى أنّ الكثير من الناس ومن الأنبياء والأولياء خلدوا في وجدان الإنسانية من خلال هذا التزاوج بين الرسالة وبين الألم.

المأساة في خط القضية

وعلى ضوء هذا فإنّ الحسين (ع) عاش المأساة ولكن في خط حركة القضية، فالحسين (ع) لم يخرج كما يتصوّر الكثيرون ليموت أو ليكون الموت مزاجه ولتكون الشهادة هي عنوان حركته، ولكنه انطلق من أجل الرسالة التي تكون الشهادة نتيجة فيها للحركة لا نتيجة فيها للمزاج، لأنّ الشهادة لا يمكن أن تكون شهادة إذا كانت مجرد مزاج ذاتي يحب فيها الإنسان أن يموت، ولكن الشهادة إنما تكون شهادة إذا كانت حركة في مواجهة التحدي وكانت رسالة في خط الواقع الإنساني وكانت إخلاصاً لله سبحانه وتعالى بحيث أنّ الرسالة في تحدياتها تفرض الشهادة لا أنّ الشهادة تتحرك بطريقة ذاتية تتبع المزاجية. كما أنّ تصوير قضية الإمام الحسين (ع) على أنّها مسألة استشهادية قد لا يكون دقيقاً لأنّ الحسين (ع) لم يخرج استشهادياً فحسب بل خرج مصلحاً مغيّراً للواقع في ساحة يمكن أن تطل على الشهادة بحسب طبيعة العناصر الموجودة في الواقع كما خرج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- انطلق بالرسالة في ساحة تحاصرها كلّ الأخطار وكان يتحرك في الطريق التي يمكن أن تنتهي بالشهادة وكان - صلى الله عليه وآله وسلم- الشهيد الحيّ، فلقد كان يقول: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت» وقد استشهد الكثير من الصحابة معه من أهل بيته ومن غيرهم لكنه كان صاحب رسالة وكانت الرسالة كلّ همّه وكان الناس همه وشغله الشاغل لأنّهم ساحة الرسالة.

قراءة في وثائق الثورة

ولذلك عندما ندرس حركة الإمام الحسين نجد أنّه أطلق الخط وحدّث عن الواقع وانطلق في حركة الفعل الثوري. ففي هذا النص الذي نقرأه في موقعين من مواقف الإمام الحسين تتبين حقيقة ذلك: ففي رسالته إلى أشراف أهل الكوفة، يقول: أيها الناس إنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «مَن رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً بعهده مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمّ لم يغيّر عليه كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله» ففي هذا النص أعطى للناس شروط الثورة على الحاكم الجائر وبيّن ما هي صفة ذلك الحاكم التي ينبغي للمسلمين أن يثوروا عليه إذا تحققت في واقعهم، فالحاكم الجائر هو الذي يظلم الناس ولا يعطي أحداً حقه ويستحل حرم الله، كلّ الحرمات التي جعلها الله للناس في قضاياهم الخاصة والعامة، فإذا كان هذا ممن يستحل حرمات الله ناكثاً بعهده يعطي العهد وينقضه وينكث ولا يفي به، مخالفاً لسنّة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- فيما شرّعه فلا يتبع شريعة الإسلام، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان أي أنّه يتحرك في سيرته مع الناس بمعصية الله وبالعدوان عليهم في كلّ قضاياهم، إذا كان الحاكم بهذه الصورة فإنّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- حسب هذه الرواية يقول يجب على الأُمّة أن تثور عليه ومن لم يثر عليه ولم يتحرك في خط التغيير على مستوى المواجهة فإنّ الله سوف يدخله مدخله.

الظالم ومشروع ظالم

وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ (ع) تلميذ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله: «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كلّ داخل في باطل إثمان اثم العمل به واثم الرضا به» أي أنّ هناك إنساناً ظالماً وآخر هو مشروع ظالم، فالظالم هو الذي يمارس الظلم في الواقع، أما مشروع ظالم فهو الذي يعذر الظالمين، وهو الذي يسكت عن ظلمهم فهو يعتبر مشروع ظالم، فهو ليس ظالماً الآن لأنّه لا يملك عناصر القوة التي تدفعه إلى الظلم وليس لديه الفرصة لممارسة الظلم لكنه بمجرد أن تأتيه فرصة تراه يظلم ويبطش ويجور كما في كثير من الناس الذي تراه صادقاً لأنّه لا فرصة لديه للكذب وليس هناك ظروف تدفعه للكذب. وتراه أميناً لأنّه لم يعش في ظروف الخيانة، كما أنّ كثيراً من الناس يحملون في داخل شخصيتهم الثقافية والنفسية مشروع المتمرد ومشروع الظالم ومشروع المستكبر فيصبح حاله حال البذرة التي إذا وجدت ماءً ومناخاً ملائماً نمت، وإذا لم تجد جواً مناسباً فإنّها تموت. فهناك في الإسلام نوع من المساواة بين الظالم وبين الراضي بالظلم أو بين الساكت على الظلم الذي يقف على الحياد وبين الظالم والمظلوم، يقول الإمام عليّ (ع): «إنما يجمع الناس الرضا والسخط» فهذا هو الذي يجعل الناس أُمّة واحدة، يقول: «وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم الله بالعذاب لما عموّه بالرضا» والقاتل هنا واحد لكنه العشيرة كلّها رضيت به، فالله قال: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) (الشعراء/ 157)، مع أنّ الذي عقرها كان شخصاً واحداً لا غير، ولربما يقوم بالجريمة شخص واحد ولكن هؤلاء الذين يؤيدونه أو الذين يرضون بفعله هم الذين هيأوا له مناخ الجريمة وأعطوه القوة النفسية والقوة الروحية لارتكاب هذه الجريمة. ولهذا ترى الأشخاص الذين يخذلون الأنبياء والأئمة والصلحاء هم من الذين يشاركون في القوى المضادة باعتبار أنّهم يسكتون على الظالم فلا يثورون عليه أن يقفون على الحياد بين الظالم والمظلوم، فهؤلاء يمثلون قوة سلبية حتى للظالم، وقد تحدث الإمام عليّ (ع) عن بعض الناس الذين وقفوا على الحياد بينه وبين معاوية وقال: إنّهم خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل بالمعنى المادي لكنهم نصروه بشكل سلبي عندما خذلوا الحقّ، فلذا يقول النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم- إنّ الإنسان الذي لا يغير ما على الظالم الذي يتصف بهذه الصفات في الواقع الإسلامي، ولم يتحرك بأية طريقة بحيث ينكر ذلك بطريقة سياسية أو بطريقة اجتماعية أو بطريقة عسكرية أو أية طريقة من الطرق التي تتوافر لديه «مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

السلطان الجائر في الواقع

ثمّ إنّ الإمام الحسين (ع) بعدما رسم الخط تحدث عن الواقع فأين هو هذا السلطان الجائر، أين هو الواقع الذي تنطبق عليه كلمة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- «إنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرّموا حلال الله» هناك كان الخط العام وهنا الخط الحركي التفصيلي، فبعد أن حدد صفات الحاكم الجائر حدد الموقف منه وقال أنا لن أقف ساكتاً ولن أقف حيادياً فأنا أملك الموقع الشرعي الذي يمنحني شرعية التحرك في تغيير هذا الواقع وفي إسقاط السلطان الذي يحكم المسلمين «وأنا أحق من غيّر» لماذا هو أحق من غيّر؟ لأنّه هو إمام الشرعية الإسلامية وهو إمام الإسلام الذي يملك الشرعية. ولذلك انطلق الإمام الحسين (ع) من حيث انطلق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- في خط تغيير الواقع على أساس فكر الإسلام وعلى أساس الخط الحركي للإسلام. ولهذا كان عند الإمام الحسين (ع) مشروع وهو ليس مشروعاً خاصاً فنحن لا يجوز أن نتحدث عن مشروع سياسي فقط فالحسين هو إمام الإسلام وهو يتحرك من خلال كلّ الإسلام، ولهذا كان في كلّ حركته يعظ وكان ينقد واقع الناس وكان يتحدث عن الواقع الذي يعيشه المسلمون.

تفسير الإمام الحسين (ع) للواقع

لاحظوا مثلاً كيف كان الإمام الحسين (ع) يفسر الواقع الاجتماعي للناس ومن خلال ذلك يفسر السبب الذي جعلهم يذهبون إلى بني أُميّة مع أنّهم يعرفون الحسين جيداً ويخذلون الحسين «الناس عبيد الدنيا» هذا الواقع الإسلامي الذي كان موجوداً في الحياة الإسلامية، فالناس يصلّون ويحجون ويصومون ولكن هذا الدين الذي يعيشه الناس لم ينزل إلى عمق الفكر وإلى عمق الانتماء وإلى عمق الممارسة «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم» كما يلعق العسل حيث يظل اللسان يتحرك مادامت هناك بقية باقية من حلاوة العسل فإذا انتهت هذه الحلاوة فلم يبق أثر للعسل «يحوطونه مادرت معايشهم» فهو متدين يصوم ويصلّي ويحجّ ما دامت العبادات من الصلاة أو الصوم أو الحج لا تقترب من أطماعه ومن معايشه ومن مصالحه، «فإذا محّصوا بالبلاء» جاعوا أو عطشوا أو ابتعدت مصالحهم وأطماعهم في ساحة الانتماء للإسلام «قلّ الديانون» لأنّ الذين يبقون فوق الغربال دائماً قليلون والكثيرون يسقطون تحت الغربال (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/ 1-3).

مواقف الحسين (ع) الوعظية

ونلاحظ أيضاً الموقف الوعظي وبيان للحالة النفسية التي كان يعيشها الإمام الحسين كأي رسالي يواجه الواقع الذي يبتعد عن الرسالة وذلك عندما كان مع الحر، وقد التحق الحر بالصلاة بعد جدال مع الحسين (ع) وهنا أراد الإمام (ع) أن يقوم بعملية وعظ لهؤلاء المضللين وأراد أن يعبّر بطريقة نفسية ضاغطة عن حالته النفسية كوسيلة من وسائل التأثير النفسي على هؤلاء حيث قال: «إنّه قد نزل من الأمر ما ترون» هذه الفوضى الجديدة التي عمت واستشرت، والانحراف الذي شمل كلّ شيء «وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلّا صبابة كصبابة الأناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل» ثمّ ركّز الفكرة الأساس «ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به» وهنا أرادهم أن يقوموا بجولة فكرية وميدانية حول كلّ الواقع الاجتماعي والواقع السياسي الموجود في تلك المرحلة ليجدوا أنّه واقع يحكمه الباطل ولا يحكمه الحقّ «وإلى الباطل لا يتناهى عنه» باعتبار أنّ الناس يقفون في حالة صمت وسكون ولا مبالاة أمام الباطل ثمّ بيّن أنّ هذا المؤمن عندما يعيش هذا الواقع، وهو الذي يعتبر الرسالة سرّ الحياة وسرّ السعادة عندما يواجه مثل هذا الواقع فإنّه يشعر بأنّ الحياة لا معنى لها، لا لأنّه يعيش اليأس الذاتي بل لأنّه يعيش المشكلة الرسالية لا مشكلته الذاتية ولكن مشكلة كلّ الناس الذين حوله، لأنّ صاحب الرسالة لا يفكر بنفسه وإنما يفكر بالإنسان كلّه وبالحياة كلّها، فثمة فرق بين الإنسان الذي يتحرك من خلال حالة شخصية والإنسان الذي يتحرك من خلال حالة رسالية، فالذي يتحرك من خلال حالة شخصية ربما يسقط الرسالة لمصلحته الشخصية.

نموذج عمر بن سعد

فنحن نلاحظ نموذجين في كربلاء: النموذج الأوّل هو (عمر بن سعد) فهو كبقية المسلمين يصلي ويصوم ويحج ويحب الحسين أيضاً لقرابته للحسين (ع) وعندما دعاه (ابن زياد) قال أبيات قد تكون له أو قد تكون مصورة لحالته لأنّه قابل ابن زياد في تلك الليلة وقال له إذا كنت غير مستعد لقتال الحسين (ع) فسأعطي مُلك الري لغيرك، وكان قد وعده بولاية الريّ بمرسوم، فقال ارجع لنا المرسوم، فطلب المهلة فأمهله وكان يقول:

«فو الله ما أدري وإني لحائر ***

أفكّر في أمري على خطرين

أأترك ملكَ الريّ والريُّ منيتي ***

أم ارجع مأثوماً بقتل حسين»

إلّا أنّ الرجل حزم أمره وفكّر بطريقة، كثير من الناس عندنا يفكرون بها:

يقولون إنّ الله خالق جنّة ***

ونار وتعذيب وغلّ يدين

فإن صدقوا فيما يقولون ***

أتوب إلى الرحمن من سنتين»

أقتل الحسين (ع) وآخذ مُلك الري ومن ثمّ أتوب والله يقبل التوبة عن عباده وتنتهي المشكلة، أليس هناك أناس كثيرون يفكرون بهذه الطريقة؟! يرتكبون المعاصي ويقولون نذهب للحج وينتهي كلّ شيء! فهذا نموذج الإنسان الذي يحاول أن يعيش في سجن ذاته ويعيش في دائرة أطماعه، ولذلك تكون القضية عنده هي ذاته لا رسالته، فلا يفكر بالناس، فـ(ابن سعد) ما كان يفكر بالمشكلة الاجتماعية والإسلامية والجريمة العامة في مسألة قتل الحسين (ع) بل كان يفكر كيف يحصل على مُلك الري وحسب.

نموذج الحرّ الرياحي

وعندنا نموذج ثانٍ وهو نموذج (الحر) وهو أوّل شخص جعجع بالحسين (ع)، والحرّ كان قائداً ورئيس عشيرة، وكما نقول فإنّ مستقبله أمامه، وعندما جاءه صاحبه ورآه يرتعد في لحظة القرار الذي يمثل المصير بين أن يرفض دنيا ويقبل دنيا، فاستغرب منه ارتعاده لأنّه الشجاع الذي لا يرتجف في الحرب، فكان جوابه: «إنّي أُخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت وحُرّقت»، وانطلق كعنصر عادي ذليل في موقف العذر. هذان النموذجان يتحركان في واقعنا كثيراً، فالذين إذا واجهتهم أطماعهم بحيث تجتذبهم حتى على حساب الأُمّة فإنّهم يسقطون، فهناك بعض الناس ممن يستعمل القرار الصعب الذي يلغي له حياته من أجل الرسالة ورضا الله سبحانه وتعالى.

الحياة لأجل الرسالة

لذلك نرى أنّ الإمام الحسين (ع) كان يعيش الرسالة كإمام للرسالة وكمسلم أيضاً، ويعتبر أنّ الرسالة تمثل رضا الله سبحانه وتعالى، وأنّ رضا الله فوق كلّ شيء، لذلك كان يعيش أزمة نفسية لا شخصية بل رسالية، ولذا عبّر عنها بقوله: «ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما»، فهو لا يريد أن يعبّر عن حالة يأس، ولكنه يريد أن يعبّر عن حالة رفض، وأنّ الموت في خطّ الجهاد يعتبر سعادة لأنّ الإنسان يؤكّد رسالته ويؤكّد انتماءه وموقفه وعبوديته لربّه، أما الحياة مع الظالمين دون أن يواجههم ودون أن يقوم بأي عمل فإنّها تمثل الحياة التي برم بها الإنسان بمعنى أنّه لا يشعر فيها بالحيوية ولا يشعر فيها بالحياة. لذلك كان الإمام الحسين (ع) يركّز على هذا الجوّ من خلال تصوير المسألة في جانبها النفسي بالإضافة إلى الجانب الموضوعي «ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به وأنّ الباطل لا يتناهى عنه»، ثمّ يقول: «ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقاً، فإني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما».

وهكذا نجد أنّ الحسين (ع) وهو يتحرك كان يريد أن يعمّق الرسالة في نفوس كلّ الذين ينطلق معهم، فعندما كان يقف مع معسكر ابن سعد كان يعظهم بين وقت وآخر، وكان يحاول أن يضعهم في أجواء روحانية وعظية تنقلهم إلى الآخرة وتجعلهم في مواجهة حقارة الدنيا، ففي غداة يوم عاشوراء خاطبهم بقوله: «عباد الله اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد كانت الأنبياء أحق بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالبقاء، غير أنّ الله خلق الدنيا للبلاء وخلق أهلها للفناء فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحلّ وسرورها مكفهرّ والمنزل بلغة والدار قلعة، فتزوّدوا خير الزاد التقوى فاتقوا الله لعلّكم تفلحون»، فلو كانت المسألة عند الحسين (ع) مجرد مسألة سياسية لكان تحدّث معهم بلغة سياسية في حين نراه يتحدث معهم بلغة قرآنية وبلغة وعظية لأنّ الحسين (ع) كان يعرف أنّ مشكلة المجتمع الإسلامي آنذاك، كما هي مشكلة المجتمع الإسلامي في كثير من المراحل، هي أنّ الناس قد أغلقت قلوبهم عن الله سبحانه وتعالى، وانّهم لا يفكرون بالآخرة وإنما يستغرقون في الدنيا، ولذلك عندما ندرس الكثير من كلمات الإمام الحسين (ع) في مسيرته من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء نرى أنّ كلّ أحاديثه وعظية تفتح القلب وتفتح الروح، لأنّه كان يريد أن ينتج مجتمعاً إسلامياً، صحيح أنّ الحسين (ع) كان يطلب أن يكون هو الذي يحكم، لكنه لم يكن ليطلب الحكم لذاته بل لرسالته ليغيّر الواقع من خلال تجربة الحكم.

الحسين (ع) رسالة شاملة

ولذلك لابدّ لنا أن نقرأ الحسين (ع) رسالة شاملة، فلا تقرأوه في السياسة وحدها، ولا تقرأوه في المأساة وحدها، ولا تقرأوه في الكثير مما يتعارفه الناس، بل اقرأوا الحسين (ع) كما تقرأون رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-، مع الفارق طبعاً، لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «حسين مني وأنا من حسين»، فهذا الاندماج بين الرسول وبين الحسين لم يكن اندماجاً نسبياً، بل كان اندماجاً رسالياً لأنّ الحسين قد تحوّل إلى تجسيد لرسالة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- ورسول الله هو التجسيد الحي للرسالة، لذلك فإنّ هناك رسالة اندمجت في رسالة، فالحسين منه باعتبار أنّ الحسين (ع) انطلق من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- في وجوده الرسالي «وأنا من حسين» لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- من الرسالة التي تجسدت بالحسين في مرحلته، وهكذا يجب أن نفهم المسألة. وعلى ضوء هذا فلابدّ لنا أن نجعل من عاشوراء مسألة للرسالة وللإسلام ليكون الناس مسلمين أكثر، وليكونوا ملتزمين أكثر، وليكونوا حاملين لرسالة الحسين أكثر، فلو استنطق الحسين (ع): كيف تريد أن تكون المجالس التي تتحرك في ذكراك لقال (ع): تحدّثوا عن الإسلام في الخطّ الفكري والشرعي والحركي بنسبة 90% وتحدثوا عن المأساة بنسبة 10% لأنّ قصة المأساة تنطلق من العاطفة، ولعل أصدق من عبّر عن ذلك، عن أنّ المأساة لا تحتاج إلى كثير من الجهد لينفعل بها الإنسان الذي يملك حسّاً إنسانياً، أحسن من عبّر عن ذلك هو ذاك الشاعر الذي يقول:

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة

لكنّما عيني لأجلك باكيه

عاشوراء لكلّ المسلمين

إنّ الإنسان عندما يقف أمام المأساة لا يملك إلّا أن تنفجر دموعه ويحترق قلبه من خلال العناصر الحزينة، لذلك نريد لعاشوراء أن تبقى إسلامية بكلّ رحابة الإسلام وبكلّ حركية الإسلام وبكلّ عمق الإسلام وبكلّ وحدة الإسلام، لأنّ قضية الوحدة الإسلامية هي أن نتحد بالإسلام حتى لو اختلفنا في فهم الإسلام هنا وهناك، لأنّ الله تعالى قال لنا: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء/ 59)، ولذلك حذار من أن نصوّر عاشوراء على أنّها موجهة لفريق معيّن من المسلمين، لأنّ يزيد لا يمثل المسلمين السنّة بل انّهم يرجمونه بكلّ الكلمات في وحشيته، لذلك لا يجوز أن نجعل من عاشوراء ساحة للإساءة إلى الوحدة الإسلامية، بل علينا أن نحمل عناوين عاشوراء وشعارات عاشوراء للمسلمين جميعاً، وأعتقد أنّ المسلمين جميعاً يلتقون عند الحسين (ع) لأنّ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» عند كلّ المسلمين ومحبة الحسين موجودة عند المسلمين جميعاً، وإن اختلفوا في خصوصية محبة هنا عن خصوصية محبة هناك.

الحسين (ع) رمز الوحدة الإسلامية

إنّنا نستطيع أن نقدم الحسين (ع) رمزاً للوحدة الإسلامية لأنّ المسلمين أجمعهم يلتقون عليه، ولذلك يجب أن ننبّه على تعبير ينطلق في أدبياتنا وهو تعبير (يا لثارات الحسين) بأنّ علينا أن لا نجعل هذا التعبير يتحرك في مستوى الشعبي الساذج ليتصور البعض أنّ هناك عدداً من المسلمين يتحركون للأخذ بثأر الحسين من ظالم قتله، ولكن نحن نعمل لثارات الحسين من كلّ مستكبر ومن كلّ طاغية ومن كلّ منحرف ومن كلّ سلطان جائر يستحلّ حرم الله وينكث بعهده ويخالف سنّة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- ويعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فهؤلاء هم الذين نثأر للحسين منهم، لأنّ الحسين انطلق من خلال قضية تنطبق على الشخص الذي عاصره وعلى أمثاله، سواء كانوا من المسلمين أو من الكافرين، وحتى قولنا «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره»، فثأر الله إنما هو من خلال أنّ الله سبحانه وتعالى يثأر لدينه ويثأر لرسالاته ويثأر لكلّ أنبيائه وأوليائه، ولذلك فإنّ الثأر هنا لا يتصل بحالة خاصة وإنما يتصل بالخط العام في كلّ مواقع الحياة. وعلينا أن نبقي الحسين (ع) في عقولنا في الدائرة الإسلامية الواسعة وإذا كانت الدائرة الإسلامية الواسعة تنفتح على الدائرة الإنسانية الواسعة فلأنّ الإسلام منفتح على الإنسانية كلّها، وعند ذلك فإنّ الحسين (ع) لا يعيش في الجوّ الشيعي فقط ولكنه ينفتح على الجوّ الإسلامي كلّه وعلى الجوّ الإنساني كلّه.

وصية الحسين (ع) الأخيرة

وهذه وصية الحسين (ع) الأخيرة لولده الإمام زين العابدين (ع) لنعرف كيف كان الحسين (ع) يفكر، فهو لم يفكر في غربته ولم يفكر في مأساته ولم يفكر في كلّ الفجائع التي كانت تحيط به، بل بالحقّ. وهنا روايتان عن الإمام محمّد الباقر (ع)، قال أبو جعفر (ع): لما حضرت أبي عليّ بن الحسين الوفاة ضمّني إلى صدره وقال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة «يا بني اصبر على الحقّ وإن كان مرّاً»، تصوّر أنّ الحسين (ع) قبل أن ينطلق للقتال جلس مع عليّ بن الحسين (ع) وأعطاه هذه الوصية فكان الحقّ أمامه وكان يريد لمسيرة الحقّ أن تتحرك، وكان يريد للذين يلتزمون الحقّ أن يتحملوا كلّ مراراته لأنّه حلو في عمقه وإن كان مرّاً في طعمه، وهذه هي الوصية الأولى. وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: «لما حضرت عليّ بن الحسين الوفاة ضمّني إلى صدره ثمّ قال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة «يا بني إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلّا الله»، فالخطورة كلّ الخطورة أن تظلم الإنسان الضعيف، أن تظلم زوجتك وهي لا تجد عليك ناصراً إلاّ الله وأن تظلم جارك وأنت تملك القوة وهو لا يجد عليك ناصراً إلّا الله، وأن تظلم كلّ الناس الذين يتعاملون معك وهم ضعفاء فتنكر عليهم حقوقهم فتظلمهم. هذه هي وصية الحسين (ع) وهو يخاطب كلّ واحد منّا في كلماته القصار «إصبر على ما تكره فيما يُلزمك الحقّ واصبر عمّا تحبّ فيما يدعوك إليه الهوى» وقال لبعضهم وقد طلب من الحسين (ع) موعظة مختصرة قال: «عظني بحرفين» فكتب إليه الحسين (ع) «من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجوا وأسرع لمجيء ما يحذر» فإذا أردت أن تصل إلى أهدافك لتحقق أمانيك فلا تصل إليها بواسطة معصية الله تعالى، بل أن تصل إلى أهدافك بطاعة الله لأنّك إذا حاولت أمراً بمعصية الله فإنّ الله يعاقبك على ذلك بأن يفوت عليك ما ترجوه ويسرع إليك ما تحذره. خذوا الحسين (ع) في عقولكم فكراً يضيء الحقّ للناس وخذوا الحسين في قلوبكم حباً يطرد الحقد عن الناس، وخذوا الحسين في حياتكم حركة تبقى مع الله وفي خط الله، وعندما تحبون الحسين حب الحقّ وحب الإسلام وحب العدل وحب الرسالة فستنفجر الدموع من دون أيّة إثارات هنا وهناك، لأنّنا عندما نحب الحسين (ع) بعمق فسنبكيه بعمق، نبكيه بدموع الرسالة، وبدموع القضية، وبدموع الولاء، وبدموع الحبّ.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 567
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا