الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام زين العابدين «ع».. رائد حقوق الإنسان

2015/11/07 | الکاتب : عمار كاظم


بعد مقتل الحسين (ع) قام ولده الإمام زين العابدين بحمل رسالة الإسلام وكان من أكبر القادة والمصلحين، انَّه رغم ما ناله من الظلم والاضطهاد استطاع أن يلعب دوراً قيادياً محكماً، وأخذ يدبر عمليات المسرح السياسي والاجتماعي. ومن خلف الستار استطاع أن يحفظ رسالة الحسين (ع) في الدعوة إلى العدل والثورة على الظلم. كلّ عمل ثوري قام به التوابون والمختار وأتباعه كان تحت إشارته ومعلوماته. فكان يعطيهم الشفرة السريَّة للحركة والنهضة. ولولا جهاد الإمام زين العابدين (ع) وقيادته الحكيمة لم يبقَ للإسلام ذكر حتى لسنوات معدودة. فقد أوشك الأمويون أن يقضوا على الإسلام بسياستهم الرعناء. ولولا أهل البيت الأطهار لم يصل الإسلام إلينا، أهل البيت من صلب الحسين هم حماة الإسلام وقد كانت بيوتهم منارات للهداية والتعليم وتلاوة القرآن. يقول الشاعر: أبو فراس الحمداني وهو يقارن بين الأمويين وأهل البيت:

إذا تلوا آيةً غنّى خطيبكم

قِفْ بالديار التي لم يُعِفها القدم

تبدُو التلاوةُ من أبياتهم سحراً

وفي بيوتكم الأوتار والنغم

الأوتار والنغم لا تصنع السلام ولا تصنع الرجال الأبطال. الذين يدعون إلى الحرية والعدل. الذي صنع الرجال الأبطال هو الإمام زين العابدين (ع) مُحرِّر العبيد. ومؤسس مدرسة الإسلام الفكرية وباني صرح الإسلام الفكرية وباني صرح الإسلام العلمي الشامخ. ومُنشئ النفوس التقية ومُربيِّ الأجيال، ذلك الإمام العظيم الذي حوّل المحراب إلى جامعة إسلامية ينهل منها الصغير والكبير، انَّه الإمام الذي أعطانا الصحيفة السجاديّة التي سُميت بـ (زبور آل محمد) المائدة التي طرح فيها الإمام ما لذَّ وطاب من غذاء العلم والأدب والبلاغة بأسلوب ممتع جذاب يستهوي كلّ الناس إذ يخاطب العقل والضمير والوجدان. الإمام زين العابدين (ع) قدم للعالم أغلى كنز من كنوز العلم والثقافة وأروع دستور للعدالة والمساواة- إذ كتب بيده الشريفة رِسالة الحقوق. وأعلن للبشرية أوَّل وثيقة مكتوبة لحقوق الإنسان. إنّ كلمات الإمام في حُقُوق الإنسان كلّ جُملة مِنها هي كونٌ قائم بذاته عندما تقرأها تجدها أنيقة صافية بَريئة متألقَّة كأنَّها تشع أو انّها مُقَطَّرة ولذيذة (كالعَسل المُصَفّى). وأنت تشعُر إذ تقرأ كلماتِ الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) بأنَّ كلّ كلمة من كلماته المغسولة بنَدى الفجر تحمل غِذاءً شهيَّاً يُغَذّي الفكر والعقل وغذاء حلواً يُمتع الحواس والنظر والأهم من ذلك انّها تنادي بحقوق البشر أجمعين في كلّ أنحاء الأرض دون تمييز. وانَّها بشكل غير مباشر تندد بالظلم والاستغلال والتفاوت الطبقي. رسالة الحقوق لو تناولها كاتب قدير وعُرضت على العالم بلغة ثقافية معاصرة، ولو أنَّها تُرجمت إلى أفعال في مجال السياسة والاجتماع لاستطاعت أن توصل البشرية كلّها إلى شاطئ الأمان وبرِّ السلامة. ولأنقذت الشعوب كلّها من المحن والكوارث الاقتصادية والاجتماعية ومن الحروب. الحسين في لحظاته الأخيرة وجسمه يتفجر دماً من الجراح عانق الإمام زين العابدين (ع) وضمّهُ إلى صدره وقال له: «يا بنيّ إياكَ وظلمُ من لا ناصر له إلّا الله». إذا قرأت رسالة الحقوق فستجد أنَّ الإمام مدَّ يديه ليحتضن كلّ شرائح المجتمع ليخاطب كلّ فرد يعيش على هذه الأرض، ويرفع صوته للعالم أجمع بأنَّ العدالة هي أساس ثورة الحسين (ع)، وكذلك المحبة والرحمة والعطف. نجد الإمام يمد يديه ليقدم لهم من ينبوع فكره ونهر عطائه ما يمنحهم عسلاً مُصفَّى وغذاءً طيباً فيه متعة الفكر ولذة العقل ومنادمة الشعور وهدوء النفس وتوجيهاً نحو العمل الصالح. الإمام السجاد (ع) على خُطى أبيه (ع) الذي كان يعلِّم الناس في مسجد رسول الله (ص) في المدينة. حتى الأعداء شهدوا له بسعة علمه. يقول معاوية لأحد أصحابه: إذا دخلت المسجد ورأيتَ حلقة من الناس يجلسون حول عالم وكأنَّما على رؤوسهم الطير فاعلم أنّ تلك الحلقة هي حلقة الحسين بن علي. لقد كان الإمام الحسين (ع) رُحلة أهل زمانه، أي أنَّه كان يقصده طلبة العلم ويرتحلون إليه من بلاد بعيدة ليأخذوا عنه العلم والإيمان والتُقى. اتخذ الإمام الحسين (ع) من مسجد رسول الله (ص) في المدينة مجلساً تنعقد فيه حلقات العلم والبحث وجعله جامعة إسلامية كبرى. الإمام السجاد (ع) لم يكن قائداً ثورياً فحسب، وإنَّما كان من أعظم العُبّاد حتى لقب بزين العابدين وسيد الساجدين وبرز كعالم من أكبر علماء الأمة. يرجع إليه الناس في حلّ مشاكلهم المستعصية. وبرز كإنسان كريم يسعى الناس برَّه وجُودَه وكَرَمهُ. وأعطى الإمام للبشرية في مواقفه المتعددة أفضل ما يُعطيه إنسانٌ في عَصره. بل ما أعطاء في جَوّه العصيب لا تستطيع أن تعطيه أمّة في جوها الرضي. قام الإمام زين العابدين (ع) بإصلاح الوضع السيِّئ الذي أصاب الأمة الإسلامية وكان كلّ يوم جمعة يرقى المنبر ويقرء دعاء من أدعية الصحيفة التي اقترنت باسمه: (الصحيفة السجادية) ولم تكن هذه الأدعية مجرَّد طقوس أو أذكار للزهد والعبادة إنَّما كانت مدرسة فيها الكثير من الدروس في التربية والتعليم والعلاقات الإنسانية والدعوة إلى الحب والتعاون وبذل المعروف والإحسان. لقد حفظت لنا سيرة السجاد نمطاً من الأدعية بلغت الذروة في الكمال والفصاحة والبلاغة. وبلغت الِقمَّة في قوة البيان وسُمّو المعنى وجزالة اللفظ. وكانت أدعية الصحيفة ذات مَضامين عالية، مَضامين نفسية واجتماعية وتربوية، وأخلاقية، وفيها دروسٌ لإصلاح النُفُوس وتذهيبها إضافةً إلى الجوانب العِباديّة. إنَّها جامعة للعلم والمعارف الإنسانية. كانت تحمل زاداً للنفس وتخصِبُ الخيال. وكان هدفها الأهم هو التغيير. تغيير الذات نحو الأفضل. وتغيير المجتمع نحو التقدم والكمال والرُقيِّ. في الصحيفة السجادية كنوز تنفع البشرية وتهذب الإنسانية وتدعو إلى السلام والأمان والوئام والمحبة. بينما كان بني أمية يتنافسون في شراء العبيد والجواري ليخدموهم في القصور. كان الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) يقود حملة إنسانية لتحرير العبيد ويجعل من نفسه القُدوة في هذا الأمر. ففي كلّ سنة يشتري عدداً من العبيد وبعد عدة أشهر يعتقهم، بعد أن يُعلمهم مبادئ الإسلام ويُربيهُم التربية الصالحة. كان الإمام زين العابدين (ع) يرقى المنبر كلّ يوم جمعة ويخطب في الناس ويقرأ عليهم شيئاً من أدعية الصحيفة، وكان الناس يقفون مبهورين أمام فصاحته وبلاغته وعلمه، وقد عرفه الخاص والعام. والقريب والبعيد، أهل المدينة وغيرهم. ففي السنة التي قامت في المدينة واقعة الحرّة. وقتل مسرف بن عقبة الألوف من أهل المدينة واستباح المدينة لجأت كثير من العوائل إلى بيت الإمام زين العابدين خارج المدينة من هؤلاء أربعمائة إمرأة عدا الأطفال. قام الإمام (ع) باعاشتهم في بيته أو ضيعته وأخذ يُنفق عليهم ويُوفِّر لهم ما يحتاجون إليه من الغذاء والكساء. تقول إحدى النساء: والله لقد رأيتُ في بيت علي بن الحسين من النعيم والرفاه ما لم أجده في بيت أبي. كان الإمام (ع) قريباً من الناس رؤوفاً بهم عطوفاً عليهم. لذلك أحبّه الكبير والصغير، وكانت له هيبة وجلال وفي وجهه نورُ الإمامة وقصة الإمام (ع) في موسم الحج معروفة، فأنه كلما يأتي ليُقبِّل الحجر الأسود يتفرج الناس له إجلالاً له فيستلم الحجر الأسود ويقبله. بينما الخليفة الأموي يجلس ينتظر حتى يخف الزحام حول الكعبة. واغتاظ هشام بن عبدالملك، وقال: من هذا؟ كأنه لا يعرفه ولم يرَه.. فأجابه الفرزدق بقصيدة هي من روائع الشعر مطلعها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خيرُ عبادَ الله كُلّهم

هذا التقيّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ

إذا رأته قريشٌ قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

يُغضي حَياءً ويُغضي من مهابته

فلا يُكَلَّمُ إلّا حين يبتسم

وليس قولك من هذا؟ بظائره

العُربُ تعرف من أنكرت والعجمُ

ينشقُّ نورُ الهُدى عن صُبح غُرّته

كالشمس تنجابُ عن إشراقها الظُلم

مُشتقَّةٌ من رسول الله نبعتُهُ

طابت عناصُرهُ والفضل والشيمُ

اللهُ شرّفه قُدماً وفضَّله

جرى بذاك له في لوحهِ القلمُ

كِلتا يديه غِياثٌ عمَّ نفعهما

لا يُستوكفان ولا يعروهما عدم

سهلُ الخليقة لا تُخشى بوادره

يزينه إثنان حُسن الخُلق والكرمُ

لا يستطيع جوادٌ بُعدَ غايته

ولا يدانيه قومٌ إنّه هُم كرموا

من ذا يعرف الله يعرف أوليَّة ذا

فالدينُ من بيت هذا نالهُ الأمم

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 477
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله
 حُسن الظن يصون المجتمع
 القيمة التربوية لمحاسبة النفس
 لنحقق أسباب النصر في الغيبة والظهور
 رسالة الحق في خط الإمام المهدي(عج)
 الدور المطلوب في غيبة الإمام المهدي(عج)
 ميادين العمل الصالح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا