• ١ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ٩ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحلقة المفقودة في تطور الفن

الحلقة المفقودة في تطور الفن
 
كثيرة هي الدراسات والبحوث التي قام، وما يزال يقوم بها علماء الآثار والمهتموّن بتطور التاريخ البشري. لكن وعلى الرغم من ذلك الكم الهائل من الآثار والمخلفات الكثيرة التي تمّ اكتشافها في بلدان كثيرة من الأنحاء. فإن إنسان اليوم لم يتعرّف بعد على الحقبة المجهولة التي برز فيها الإنسان ككائن يتميّز بسماتٍ خاصة به تميّزه عن عالم الحيوان عامة. وعلى الرغم من الدراسات الجادّة في هذا المضمار، فإننا اليوم ما نزال نجهل كلَّ شيء عن طبيعة الفترة الزمنّية التي استغرقتها الفئات البشرية الأولى في انفرادها بالميزات والصّفات التي تمَّ التعرّف عليها بعد اكتشاف الهياكل العظميّة المتحجّرة التي تشبه الإنسان الحالي في كثير من صفاته.. ومع أن علماء الآثار والدراسات العرقية، يكتشفون بين الفينة والأخرى هياكل عظميّة تغيّر وتبدّل كثيراً من قناعاتهم وتصوراتهم التي كوّنوها ورافقت أبحاثهم، ومع أن الاختلاف والتناقض موجود بشكل واضح وجليّ في آرائهم حول تاريخ الإنسان ونشوئه وتطوره.. مع كل ذلك.. فقد استطاع الباحثون التعرّف على حضارات مغرقةٍ في القدم. كما توصّلوا إلى تراكم معرفيّ عن سمات النشاط الإنساني في عصور ما قبل التاريخ، معتمدين في ذلك على المخلّفات التي تركها الإنسان القديم، وعلى متحجّرات العظام الحيوانية التي كانت تعايش الإنسان وتكمّل حياته، بالإضافة إلى دراسة الرّسوم والأدوات والوسائل التي صنعها واستعملها في حياته اليومية والعامة..
هذه المخلفاتُ على تنوّعها وتعدّد أغراضها يمكن أن تقسم إلى نوعين:
-       المخلفّات الطبيعية.. وهي التي لم تلعب يدُ الإنسان دوراً ما في تكوينها.
-   المخلّفات المصنوعة.. وهي التي وُجدت في أماكن التجمّعات البشرية وكهوف الإنسان القديم، حيث كان يعيش، كالمنحوتات والرسوم والوسائل الحجرية من أسلحة وأدوات وغيرها.
إن دراسة هذه المخلّفات تجعلنا على معرفة شبه أكيدة بمستوى تفكير الإنسان وأنماط حياته الاجتماعية، وأشكال تصوراته لما يحيط به من جزئيات الكون والحياة، وطرق معيشته مهما أغرقت في البدائيّة ونوعية وسائل اتصال الإنسان بغيره، وأساليب التفاهم الفردي والجماعي، وصولاً إلى طرق نقل المعلومات ونتائج التجربة الإنسانية الذاتية والجماعية إلى أفراد مجموعات بشرية أخرى..
هنا يبرز سؤال هام جداً عن ماهيّة وسائل الاتصال تلك.. هل هي وسيلة صوتية "لغة" تعتمد الأصوات والكلمات المتداولة؟؟. أم هناك وسائل أخرى، كالحركات والإشارات بالأطراف العلويّة والسفلية والعيون مثلاً؟؟.. إن هذا السؤال يقود إلى سؤال آخر أكثر أهمية:
أيّهما أسبق في مضمار التطور البشري.. هل الجهاز الكلامي المتمثّل بالكلمات والأصوات المعبّرة، وحركات الحنجرة واللّسان.. أم الجهاز الحركي المتمثل بالتعبير بواسطة حركات اليدين والأصابع والأقدام والعيون؟؟
إن دراسة فيزيولوجيّة الدماغ تؤكد أن المراكز الموجّهة لنظام والجهاز الحركي، أسبقُ تكوّناً في نسيج الدّماغ من مراكز ونقاط الجهاز الكلامي والصوتي، وذلك لارتباط الثاني بحالات أكثر عمقاً في التفكير والعقلانية..
ينفي عالم الأحياء "بيولد" أن يكون الكلام بداية الأنسنة، ويؤكّد أنه قَبْل أن يُعرف الكلام، كان هناك التفكير الأداتي القائم على أساس استخدام الأدوات وفهم الارتباطات الآليّة وابتداع وسائل وأدوات تخدم استمرار الحياة، وتقوم بدور وسائل الاتصال الاجتماعية والبشرية آنذاك..
إن المنطق العلمي والدراسات الفيزيولوجية والحيوية، تؤكد أن المراكز الدماغية المسؤولة عن حركة أعضاء الجسم وتنظيم تلك حركات وتنسيقها، هي أقدم وجوداً في الجهاز العصبي المركزي من غيرها. وأن المراكز الحديثة التكوين تعتمد على المراكز الأقدم منها. لذلك فإن القول بإمكانية وجود نظام كلامي صوتي قبل وجود نظام حركي ناشئٍ عن اليدين والرجلين وغير ذلك من أعضاء الجسم هو فكرة عقيمة، لا يمكن الاعتماد عليها في تفسير نشاط الإنسان الفكري والاجتماعي في العصور المغرفة في القدم..
في هذا المجال يتخذ الباحث الحيوي "بيركس"، من تعليم الشامبانزي حجّة ومثالاً على صحة ماسبق. ذلك أن الإشكالية والصعوبة التي تواجه تعليم الشامبانزي تكمن فيما يعوزها من القدرة على تعلّم الأصوات وتقليدها بشكل موحٍ يفي بالمعنى المطلوب. بينما يتمكن الشامبانزي بسهولة من تنفيذ كثير من الحركات ذات المؤدّى الاصطلاحي والمعبِّر عن الأمور والمسائل المطروحة..
من كل ذلك، فإننا واجدون في ظاهرة الرسم والمهارة الحركية اليدويّة، شيئاً كثيراً من الإجابة عن الإشكالية المطروحة. فالإنسان البدائي قد مارس الرسم كنشاط يوميّ مترافق مع نشاطه في القتال والصيد وبحثه عن الغذاء والجنس، قبل أن يلج باب الأصوات والكلمات كوسيلة اتصال اجتماعي. أي أنه باشر حياته من خلال ما يخدم الجسد ويؤمّن متطلباته الفيزيولوجية، لا من خلال ما يخدم الفكرة والروح والتطلعات السيكولوجية.. وحتى اليوم، لم تستطع أيّ من الدراسات النفسية والبيئيّة والعضوية التوصّل إلى رأي قاطع يبيّن السُّبلَ التي كان الإنسان القديم يتّبعها للاتصال مع الآخرين.. ولا يمكن الجزم أبداً أن الإنسان من بداية وجوده كان يعتمد الكلمات والأصوات كوسيلة لنقل المعلومات والتجربة الذاتية اليومية. ذلك لأن التعميم والتجريد إن هما إلاّ خاصتان أساسيتان من خواص اللغة التي تكون غير قابلة للتوصيل إذا لم تجد قناة تنفذ من خلالها خارج حدود الذات، ولأن مستويات الارتباط الدماغي لدى الإنسان البدائي، والكلمة، مستويات غير متكوّنة بعد، بشكلٍ يمكنّه من أن يخضعها لمفهومي التعميم والتجريد المطلق.. بينما وفي الوقت ذاته، فإنّ حاسة البصر غنيّة ومشبعة دوماً بالمعلومات البصرية، بحكم ارتباط الإنسان العفوي بالبيئة وموجوداتها، ولها تاريخ طويل يمتدّ على مسافات زمنية واسعة، تعين الإنسان على إمكانية استعمال أطرافه وتأدية الحركات اللازمة والمعبرة، وتذليل صعوبات الحياة التي تعترضه، قبل أن يتحوّل إلى حيوان ناطق يعبّر بالصوت والكلمات..
إن ردود الفعل الناجمة عن المؤثرات الخارجية والمتمثلة بحركات الأطراف وبقية أعضاء الجسم، إن هي إلا عمليات أساسية تكمن وراء إيِّ نشاط فكري ونفسي.. عمليات عبّرت عن تطلعات الإنسان ورغباته وعلاقاته قبل أن تظهر بشكل أصوات مجردّة وكلمات ذات معنى، تنبعث من أجهزةٍ وأعضاءٍ لم تتطور أدواتها بعد كالحنجرة واللسان "أجهزة النطق". لتعمل على نقل تجربة الفرد الحياتية التي لم يكن لها إلا محور وحيد، ألا وهو الارتباط الوثيق بغريزة حبّ البقاء من خلال التغذية.. إن أجهزة الكلام آنذاك كانت ما تزال على خط كبير من عدم التطور. إذ إن الكلام كان بمثابة حاجة ثانوية جداً، حيث إن الأصوات لم تكن قد تحوّلت إلى إشارات تحمل معنى ودلالات موحية، بل هي أصوات متخلّفة محنّطة لا تعبّر عن الموضوع المطروح بشكل دقيق ولا تحمل صفاته..
إذن. لا بدَّ والأمر كذلك من أن توجد منافذ أخرى، ووسائط أكثر تطوراً وتعبيراً عن النشاط الذهني للإنسان ومتطلبّاته وخاصة عملية الصيد التي هي العمل الوحيد الأساسي لحفظ الحياة والبقاء.. تلك المنافذ والوسائط تتجلىّ في الممارسة البصرية الدائمة للموضوع، ومن ثم يأتي دور اليدين للقيام بمهمّة ردود الفعل الانعكاسيّة في تحقيق الغاية المطلوبة كرسم الكائن الحي الضروري للغذاء.. وهذا يعني أن الصور التي ترسمها الأيدي والأصابع كردود فعل للمارسة البصرية النافذة، تجعل الآخرين أيضاً يستندون إلى تجاربهم البصرية الغنيّة بالتجربة والمعرفة في فهم تلك الصور دون الحاجة إلى اعتماد تعميمات مجرّدة معقّدة لا تسهّل عملية الفهم بل تجعله معقّداً وعسيراً. قد تحتاج هذه الصور والرسوم وحركات اليدين والممارسات البصرية إلى شيءٍ من الأصوات الساذجة المبّسطةِ التركيب، من شأنها تكميل عملية نقل التجربة عن طريق الرسم والحركات. والجدير بالذكر أن شيئاً من هذه العملية والممارسة ما يزال قائماً حتى عصرنا الحاضر، حيث يرفدُ الإنسان ويُغنى حركاته ببعض الأصوات البدائية غير المعقّدة..
إن المؤثرات البيئية التي توجّه الإنسان البدائي للبحث عمّا يحافظ به على حياته وجنسه، تجعل ردود الفعل الناجمة عن ذلك عقيمة الفائدة ما لم تتحول إلى حركات خاصة تنفّذها الأطراف وتساهم في صنع واستعمال أدوات الصيد اللازمة، وعندئذ تكون اليدان والحركات التي تؤديها من أهم عناصر ردود الفعل الناجمة عن النشاط الدّماغي في أشكاله الأولية. وهذا ما يجعل مراكز وأجزاء أخرى من النسيج الدماغي، تكّون ارتباطات معلوماتية بينها وبين المراكز السابقة لتحقيق مهمات جديدة أكثر تطوّراً عمّا سبق. وهذا ما يتجلّى في الترابط المحكم بين الممارسات البصريّة والحركات اليدوية، حيث يصبح هذا الترابط المحور الأهم في عملية نقل صورة الحيوان من الذهن إلى جدران الكهوف وانحناءات الصخور لمعرفة الميزات الشكلية لهذا الكائن وأبعاده، ليتمَّ التوصل جراء ذلك إلى أفضل طريقة للصيّد. ومن الممكن جداً أن تتّخذ عملية الرسم هذه إطاراً جماعياً حيث يشترك جميع أفراد المجموعة في عملية الرسم بشكل مباشر أو غير مباشر.. والملاحظ أن عملية الرسم هذه والتي هي حصيلة ممارسات بصرية وحركية، كانت تتمّ بداية على الصخور خارج الكهوف، ثم انتقلت إلى داخل الكهوف بعد أن اشتدّت حاجة الإنسان إلى التعمّق في معرفة تلك الرسوم والصوّر..
يؤكد "فيجونسكي" في دراسة سيكولوجية ثقافية: أنَّ السّمة الأولى للنشاط والسلوك الثقافي، تتجلّى في اختراع واستخدام وسائل إنتاجٍ وأدواتٍ للعمل التي يستخدمها الإنسان في حياته. وهذا من شأنه أن يفسّر ارتباط نموّ الوظائف العقلية العليا. بخلق وسائل إنتاج سيكولوجية معينة، تعدّل طبيعة الوظائف الأولية. ويتمثل هذا في الإشارات ذات الدلالة الثقافية المتطورة "الكلمات- الرموز الخطط- الخرائط- الرسوم البيانيّة" والأمثلة على ذلك جد كثيرة وحيّة.. منها ممارسة الإنسان للرسم والإيحاء كوسيلة للتفاهم بينه وبين الآخرين.. فالهنود الحمر مثلاً، كانوا يتواصلون بلغة مزيج من الإشارات والإيحاء والحركات، مع لغة صوتيّة مكمّلة لإيصال مفاهيمهم وتصوراتهم عن الحدث والموضوع المراد إيصاله وشرحه. ولعلَّ لغتهم هذه كانت التي تعتمد الإشارات والحركات والمعبّرة أكثر من اعتمادها الكلمة ذات الدلالة والمعنى. وهؤلاء أي الهنود الحمر فاقوا غيرهم من المجموعات البشرية في إرسال الإشارات عبر مسافات بعيدة جداً، وأعدّوا لذلك نظاماً دقيقاً دون الحاجة إلى مراسلين لقطع تلك المسافات. وكذلك فقد كان يتم التفاهم بينهم من خلال لغة خاصة وغريبة جداً في المسافات البعيدة وهي لغة الصفير..
إن كل ما سبق ذكره، إن هو إلا دلائل من شأنها أن تؤكد أن اللغة الصوتية نشاط ذهني ونفسيّ جاء متأخراً من محاولات الإنسان البدائي التي اعتمدت الرسم والإيحاء كاستخدامٍ وظيفي وانعكاس مباشر للإشارات والنشاط الحركي في التفاهم ونقل الخبرات والتجارب.. وقد أكّد الدارسون لهذه النتيجة الحتمية في تطور الإنسان عبر التاريخ، أن الأصوات المنبعثة من حنجرة الإنسان البدائي في تلك المراحل الزمنية المغرقة في القدم، لم تتحول إلى أوعيةٍ تحمل في طيّاتها معاني التجريد وخواص المعنى الواضح. بل ظلّت في أغلب حالاتها أصواتاً ساذجة عفوية تنطوي على رديف للحالة الحركية. وفي بعض الحالات القليلة كانت أصواتاً ساذجة عفوية تنطوي على رديف للحالة الحركية. وفي بعض الحالات القليلة كانت أصواتاً مركبة تركيباً عفوياً كأصوات تحذيريّة وشبه لغويّة غير ناضجة ومتبلورة، لا تسطيع أن تعبر عن كل ما يحتاجه الإنسان ويرغب فيه..
وتجدر المعرفة أنه بعد سنوات طويلة من تلك الفترة الزمنية الرّاكدة، طرأت تطورات أصابت الهدف والمعنى في عملية نقل تلك الصور الضرورية للإنسان. إذ اكتسبت الفترةُ اللاحقة سمةً فنيّة وإطاراً أكثر غنيً وعمقاً، حيث أصبح الرسم هدفاً فنياً بحد ذاته. إذ لم يعد حاجة حياتية فحسب، بل أصبح غاية فنية أيضاً وعملاً تشكيلياً، تتجلّى فيه القوّة الكامنة للسيطرة على الكائن الحي، والتعبير عن ذاته.. وقد وقَرَ في ذهن الإنسان آنذاك، أن الصّيدَ والحياة واستمرار البقاء، عملية مرهونة بنجاح عملية الرسم، بل تابعة لها.. ثم إن عوامل التطور لعبت دوراً آخر أكثر أهمية. إذ أصبح الرسّام إنساناً متميّزاً، كائناً مختلفاً عن غيره وله قدرات خارقة.. أي أصبح الفن محوراً أساسياً في رفع قيمة الإنسان وخفضه..
لقد جعل المجتمع آنذاك من الرسّام كاهناً يحمل مهمة القيادة والتوجيه والإرشاد. وظلَّ كذلك حتى حلّت العصور التي تغيّرت فيها أنماط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. حيث تراكمت الثروات، وانبثقت الدول وظهر الحكّام، وبدأ التناحر الطبقي والاجتماعي. فأصبح الرسّام عندئذ كاتباً ومصوّراً للنشاط السياسي والاجتماعي والديني. بل أصبح وراء لوحة الحياة بكل تناقضاتها.. وكذلك أصبحت مهمة البحث والباحثين الأساسية دراسةُ بل تقصّي الحلقة المفقودة في تطور الفن بين حالته البدائية عندما كان حاجة حياتيّة، وبين حالته وقد أصبح حالة تشكيليّة فنيّة متطورة..
 
* أديب وقاص (سورية)

ارسال التعليق

Top