• ٣ تموز/يوليو ٢٠٢٢ | ٣ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ
البلاغ

دورُ الدِّين في حياتنا

دورُ الدِّين في حياتنا

للدين – كما يرى صاحب كتاب (دور الدين في حياة الإنسان) – ظاهرتان: "غيبية" نابعة من فطرته (كينونته)، و"اجتماعية" تجعل له تأثيراً في سلوك الإنسان وتفكيره..

وإنّ واقع التديُّن يتجسَّد قبل كلّ شيء في تعاليم الدين وأحكامه (شريعته) ونظرياته، ثمّ في تاريخه الذي يعتبر تطبيقاً عملياً لتلك التعاليم والأحكام إلى حدٍّ ما، ونعتقد أنّ رسالات الله وأديانه واحدة في جوهرها وإن اختلفت في تفاصيلها وجزئياتها، وأنّ الإنسان لن يستغني بالعقائد الوضعية والقيم والمذاهب البشرية عن الإيمان بالله مهما استقطبت اهتمامه وعنايته، إذ لابدّ من إقامة الحياة الإنسانية على قاعدة صلبة من العقيدة الدينية السليمة التي مصدرها الله تعالى.

ولتبيان موقع الدِّين وأثره في حياتنا، يقارن المؤلِّف بين شخصيتي الإنسان المنتمي إلى دين وعقيدة، والآخر غير المنتمي لهما، فيخلص إلى المقارنات الجوهرية الآتية:

1- الإنسان المنتمي يمتاز بالاستقامة ووحدة الاتجاه والسلوك، بينما يخلق اللّاإنتماء في الشخصية مزاجاً مُتلوِّناً غير ثابت (أي يجعل منه شخصية إزدواجية متذبذبة).

2- الإنسان المنتمي يتحرَّك مع الجماعة المنتمية في اتجاه واحد من التفكير والعمل، فتكون عقيدته الدينية أساساً لأي تغيير إجتماعي، بينما اللّامنتمي لا يستطيع الدخول كجزء مؤثِّر في الأعمال الاجتماعية الكبيرة لأنّه متقوقع في حياة فردية تميل إلى الإنزواء والإنعزال عن الوسط الإجتماعي العامل والفاعل.

3- الإنسان المنتمي لدين يعيش نكران الذات بارتباطه بالجماعة الذين يشتركون معه في الاتجاه والتفكير ويشعر نحوهم بالتعاطف.. أمّا اللّامنتمي، فتكون ذاته محور اهتماماته الوحيد فيعيش الجشع والأنانية والحرص الذي يحجبه عن رؤية الآخرين.

4- الإنسان المنتمي لدين يهتم بالقيم الإنسانية والخُلقية بحيث تُشكِّل جزءاً من شخصيته، فيتسامى عن الإسفاف في استعمال الغريزة، ويجنح نحو الاهتمامات العالية الخيِّرة في حياته.. أمّا اللّامنتمي، فيعيش منهمكاً للذائذه الغريزية ونوازعه الأنانية، بحيث يصاب بانشطار في شخصيته يُهدِّده بالسقوط والفراغ الروحي.

إنّ الذين أرادوا استبدال الدين باتجاهات عقائدية أخرى، كالأُسرة والعشيرة والوطن والقومية، أو العلم والحرّية والاستقلال والعدالة، لم يدركوا أنّ الدين والإيمان بالله تعالى يمكن أن يُحقِّق إلى جانب الائتلاف الأُسري والمجتمعي وقيم العدالة والكرامة، إنجازات ضخمة تعجز تلك القيم المادية البحتة والمعنوية المجرَّدة عن تحقيقها، ومن ذلك:

1- تصاعد درجة الاهتمام عند الإنسان المتديِّن، بما يتناسب تناسباً طردياً مع إطراد الكمال فيما يعتقد به الإنسان صاحب الدين، فلا يمكن – مثلاً – أن ترتفع درجة الإيمان والتضحية في حالة كما ترتفع عندما يؤمن الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

2- ثقة الإنسان المتديِّن واطمئنانه بالله تعالى لا تتوفَّر في أيّ من القيم المذكورة – مهما علت – ، لأنّ المتديِّن يعتقد أنّه يعبدُ إلهاً حيّاً، قديراً، قويّاً، رحيماً، لا حدّ لقدرته وقوّته وسلطانه ورحمته، ويثق بإمداده وتعزيزه للمؤمنين في معترك الحياة، ويؤمن خلال الأزمات والمتاعب أنّه مرتبط بمعين لا ينضب من الرحمة والقوّة، وهذا الشعور يخلق لديه كثيراً من الثقة والاطمئنان، ويربط قلبه في أحرج المواقف وأشدّها اضطراباً.

3- ليس هناك عامل لتنظيم تصرُّفات الإنسان أكبر من الإستجابة الإنسانية النابعة من الضمير، إلّا أنّ ما يُعبَّر عنه بـ"الخوف من الله" أو "التقوى" لا يكتفي بإثارة هذه الإستجابة والإرتداع، بل يوحي إلى الإنسان برقابة مستمرة من جانب الله تعالى، تُحصي عليه دقائق أعماله وجزئيات تصرُّفاته، وتحاسبه على كلّ حركة من حركاته، والإيمان بهذه الرقابة يضبط كثيراً من تصرُّفات الإنسان ومن اندفاع غريزته، وردعه عن ارتكاب الجريمة.

يقول (محمد مهدي الآصفي) في التعقيب على هذه النقطة: "وتبلغ أهميّة الدين في حياة الإنسان مبلغاً يدعو المتنكِّرين للواقع الديني والواقع الغيبي إلى ضرورة تبنّي الدين في حياة المجتمع للمحافظة على سلامة المجتمع واستقراره، وحصانته من الجريمة"[1].

4- وفي مقابل الخوف من الله، يلعب "الرجاء" لثوابه وجنته دوراً مهمّاً لضمان تنفيذ القانون وإشاعة البرّ والخير والفضيلة في المجتمع، فكما يُحجم الإنسان المؤمن عن عمل الشرّ بدوافع دينية، يندفع إلى عمل الخير بدوافع دينية أيضاً، راجياً ثواب الله وعفوه ومغفرته ورضوانه، ولا يخفى ما للعواطف الإنسانية والبواعث الخيرة في النفس من دور كبير في إشاعة أعمال البرّ والخير في الحياة وتنفيذ القانون.

5- إنّ الآلية الوضعية أو المعتقدات التي يختارها الإنسان بديلاً عن الدين تُعرِّضه في كثير من الأحيان لحالات من اليأس والجذب الروحي والانحراف، والأمرُ يختلف تماماً عندما يكون "الله" هو الغاية والمحور والمثل الأعلى في حياة الإنسان، فلا يخالجه شعور باليأس لبُعد الغاية، لقرب الله تعالى إلى الإنسان من حبل وريده ونبضات قلبه وخلجات شعوره، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) (البقرة/ 186)، وقال عزّوجلّ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق/ 16)، وكلّ الأهداف تنتهي وتنطفئ جذوتها حين بلوغها، إلّا عندما يجعل الإنسان المتديِّن الله هدفاً أعلى في حياته، فإنّ جذوته لا تنطفئ وإنّ معينه لا ينضب أبداً، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق/ 6).

6- الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك أن يتجاوز حدود العوامل والمؤثِّرات الخارجية، والضواغط الغريزية الداخلية، وفي حياة كل إنسان متديِّن أكثر من شاهد على هذا التسامي الذي يُوجِّه سلوكه في غير جهة الغريزة والمؤثِّرات المادّية، وبالتالي فإنّ في نفس الإنسان المتديِّن تديُّناً حقيقياً، رصيداً لا يتناهي من الاهتمام يدفعه إلى التسامي بصورة مستمرّة.

وخلاصة القول، إنّ العقيدة الدينية تفتح نفس الانسان المُتديِّن إلى (الغيب) بثقة واطمئنان وإيمان، وهذا الانفتاح والإيمان بالمبدأ والمعاد والغاية من الخلق يزيل عن الانسان الكثير من عوامل القلق التي تنتابه، ذلك أنّ العقيدة الدينية الصحيحة تُرضي طموح الانسان وتضعه في خط رسالي متصل لا نهاية ولا حدَّ له، طالما أنّ كلَّ عمل يقوم به الانسان من أجل الله وطلباً لمرضاته، يكون عبادة، وسلوكاً إلى الله، وكدحاً إليه، وتأكيداً لقيمة الدين في حياة المتدينين، يقول (ديفيد هيوم): "الإيمان بالله هو منطلق كلّ الفضائل، والغايات السامية في حياة الانسان، ومبدأ كلّ الفضائل الأخلاقية والانسانية"[2].

ومن أجل معرفة أساليب الدين الحق في تطوير الانسان، ومن خلال ذلك، تبيّن مراحل تطوير المجتمع البشري، نضع بين يدي القارئ الكريم خلاصة للأدوار التسعة للدين في حياتنا، كما ذكرها الشهيد السيِّد محمد باقر الصدر  في كتاب (الاسلام يقود الحياة)، معتبراً أنّ الدين الحق هو الدين القيِّم على الحياة، والذي يتناغم مع فطرة الانسان، وهو الكفيل بالقيمومة على كل أبعاد الوجود الانساني

[1] - دور الدين في حياة الإنسان، ص158.

[2] - تعاليم كبار الفلاسفة، ص166.

ارسال التعليق

Top