• ٢٦ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٣ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

آداب الحياة

آداب الحياة

احترام نظام الحياة: يكمن مفهوم آداب الحياة في احترام نظام الحياة الخاصّة واحترام حياة الآخرين. فمن لا يحترم نفسه وقيمها فلا يمكنه احترام الآخرين وتقديرهم. وننوِّه بهذا الموضوع لأنّنا نلاحظ -للأسف- موجة من الخروج على قواعد اللياقة والآداب التقليدية والأخلاق السليمة، فقد اجتاحت موجة الانهيار الأخلاقي العالم بأسره ووصلت رياحها إلى شرقنا العربي، هذه الموجة من شأنها تهديم أفضل ما عندنا من قيمٍ أخلاقية وعاداتٍ سامية، ولن ننسى قول الشاعر:

إنما الأُمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فلا معنى للحضارة إلّا بهذه الأخلاق... التهذيب للأفكار والنفس ومشاعرها وكذلك حركات الجسم... فالحضارة ليست باقتناء أفضل سيارة ولا في السكن في بيتٍ جميل أو قصرٍ منيف، ولا في السفر ولا في تزيين الوجه... لا تكون الحضارة باعتماد هذا الانفلات في التحدّث وفي الجلوس، والاستكبار على الناس، واعتماد مدنية الغرب وعاداته، فغالبية وجوه الحضارة الحديثة مشوّهة للسلوك البشري، فإذا أصبح الإنسان مثقفاً فإنّه لم يحصِّل بعد الثقافة الإنسانية التي يرتضيها لنفسه ويبتغيها للآخرين، ولم يفطن إلى أنّ هذه الثقافة الإنسانية موجودة في تقاليدنا وحضارتنا الشرقية (العربية الأصيلة). فقد جاءتنا هذه التقاليد من طريق خبرة الأجيال وآداب الأجداد وتهذيبهم. واستنارتهم بالخلق السليم والنهج القويم.

أوّلاً: في آداب دخول المنزل: لا يجوز أن يدخل أحد إلى بيت دون أن يستأذن قبل ذلك من صاحبه، لأنّ ربّ البيت قد يكون منهمكاً في عمل له أو منصرفاً إلى تدبير شؤونه أو جالساً مع عائلته وأصدقائه، مسترسلاً في انعدام الكلفة، ومطمئناً إلى حال لا يريد أن يزعجه فيها غريب، أو أن يقطع عليه لذة راحته وهنائه. ذلك لأنّه سيتهيأ لاستقبال ضيفٍ جديد.

ويصبح لأدب الدخول محاذير أكبر وشروط خاصّة عندما يقدم أحدهم على الدخول إلى غرفة نوم ربّ البيت، أو الإقبال على مطبخه، أو موضع استقراره في حرمته، أو في موضع صلاته... لهذه الأماكن قدسية خاصة يجب ألّا يتجاوزها كلّ مَن دخل إلى البيت، لأنّ البيت قد خصِّص قسمٌ منه لاستقبال الضيوف أما الأقسام الأخرى فيجب أن تبقى مصونة في حالتها المادّية والنفسية والروحية لتكون موضع الحرمة في البيت ومركز استقراره وهنائه.

وفي حال كان صاحب البيت ذا مسؤولية اجتماعية أو سياسية أو علمية، لا يستطيع أن يفتح باب بيته للداخل والخارج على هواه في سبيل تحقيق بعض المطالب. على الداخل أن يستأذن مسبقاً بوساطة رسول أو بواسطة الهاتف، لأنّه من أصعب الأمور على العامل في حقل الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد... على السواء أن يُقطع تيار فكره وسعيه وجهده في كلّ لحظة بموضوع مختلف تماماً عن مضمون عمله، فمثل هذه المقاطعات تلحق ضرراً كبيراً به...

وإضافة إلى التهذيب ينبغي على طالب المقابلة أن يراقب، في مثل هذه الحالات، الأوقات التي يخصصها صاحب العمل لفراغه ومقابلاته، ومن ثم مقابلته خارج أوقات راحته، فالراحة حقّ مقدّس للجسم والعقل...

ومن أدب الزيارة أن ننظر إلى نظافة حذائنا وخلوه من الغبار والأوحال قبل أن ندخل إلى مجالس الضيف، فنترك أثراً سيئاً عنا عند صاحب البيت وعند الضيوف.

وعلى الداخل إلى منزل ألّا يتطلّع يميناً وشمالاً مهما كان هدفه من ذلك: الاستطلاع (الغنى – الفقر) الانتقاد بعد المغادرة... إلخ. فالعيون المشبعة بالحشرية تؤذي الآخرين، وأدب النفس يبدأ عندما نتخلّى عن هذا الفضول وهذه الوقاحة في التطلُّع والتسرُّق. يحترم الإنسان نفسه بقدر ما يحترم الآخرين.

علينا اختيار العادات الأسمى والتقاليد الأفضل كما تحتم علينا عاداتنا وتقاليدنا، وأن نرفض "خصوصاً عن الغرب" العادات السيئة فلا نقبل بأن يكون "كلّ شيء فرنجي برنجي".

ثانياً: في آداب الجلوس: ادخل الدار وانتظر قليلاً كي تدعى للجلوس، خصوصاً إذا كان ربّ البيت موجوداً، فيدعوك للجلوس فتجلس، وليكن الأدب متجلياً في جلوسك، والحشمة ظاهرة في نظراتك وحركاتك، فلا تتدلّ على الكرسي ولا تنحنِ إلى الأمام أو إلى الوراء...

ومن آداب اللياقة ألّا تجعل صاحب البيت يشعر أنّك على عجلة من أمرك أو أنّ أفكارك مشغولة بأمرٍ آخر، ولا ترمِ بنفسك على الكرسي، اجلس في وضعٍ مستقيم، ولا تحاول أن تواجه بقفا حذائك وجوه الآخرين. ومن أسوأ العادات أن يضع أحدهم رجلاً فوق رجل ثم يأخذ بهزها في حركة لا تعني إلّا الغطرسة وشموخ النفس، فهي لا تتفق مطلقاً مع أدب الجلوس.

وليكن جلوسك متواضعاً، ولتكن يداك أمامك واعلم بأنّك لست حراً في حركاتك وأنت بحضرة الناس، فلا تتمرّس بالعادات الخارجة على نطاق الأدب والحشمة.

ومن آداب الجلوس أن تتكلم من موضعك حيث تجلس، فلا مسوِّغ لك أن تقف وتُدير ظهرك للآخرين، لأنّ السامع يستطيع أن يسمعك وهو على بضع أمتارٍ منك. واعلم أنّ تصرفك الظاهر ولهجتك ومبادرتك اللطيفة وحشمتك في ما يجب أن يُقال، لها أهمية بالغة في إقناع محدثك وفي حصولك على طلباتك.

خفِّف ما استطعت من الأسئلة ولا تبغِ الكثير فلا تحصل إلّا على القليل، ولتكن القناعة رائدك، فمن فقد حسّ القناعة شرّدت أدبه الحماقة وقلّت قيمته في بيئته. فأعزُّ الناس وأحبهم إلى الآخرين أخفهم ظلّاً عليهم.

ثالثاً: في آداب السلام والتحية: السلام ضرب من الاعتزاز وإشارة إلى نشر السلام في المحيط أو المنزل الذي ندخله، وأفضله ذاك الذي يوحي بالثقة بالنفس وبالصراحة وبالثقة بالآخرين، وهو ما تعودنا رؤيته عند الشعوب ذات التقاليد العريقة في الفروسية والشهامة والشجاعة المعنوية. فكان "سلام" الأقدمين من بعيد لا يضع الرجل منهم يده في يد الآخر ودون مصافحة أو معانقة، ففي كلّ ذلك نفسٌ من الترحيب وصفة من الصداقة والأخوّة ومرتبة من المساواة لا تتوفّر في غيرها من أنواع السلام كأن يصافحك أحدهم فيكاد يخلع يدك من كتفها لشدة ما يصطنعه من قوة الجذب...

فمعنى السلام في مفهوم الحقيقي وقصده الرئيسي، إنما هو تمنٍّ ورجاء بأن يحل السلام، أي السلام الروحي العميق، في الشخص الآخر الذي يتوجه إليه السلام. ولذلك قيل السلام معكم والسلام عليكم، ولكم السلام، وسواها من الألفاظ الجميلة. فعندما نُصافح الآخرين، يجب أن نتذكر أنّ السلام في معناه الشرقي الأصيل، هو أن نتمنى للآخرين في ساعات النهار وفي أثناء الليل، أن ينعموا بالسعادة الحقيقية، ومع إبعاد الكوابيس، والهواجس، والوساوس تتحقق فيهم نعمة السلام...

ليكن سلامنا متواضعاً فيه علامات المروءة والرجولة وحلاوة اللفظ وأدب التطلع والتوجه في آنٍ واحد...

رابعاً: أدب الأكل والشرب: سبق ذكر آداب الولائم والحفلات والكوكتيل، أمّا الأكل في كلّ ظروفه، فسلوك الجالس إلى طاولة الطعام يقضي بأن يقطع كلّ علاقةٍ فكرية بما يوجد حوله من مشاكل وهموم وأحزان وما يكون قد علق بذهنه من مشاكل أمسه ويومه أو ما ينتظره في غده، يجب أن يكون إذاً صافي البال، هادئ الجنان، مرتاح الأعصاب، إذ ينعكس ذلك على جسده عموماً وجهاز الهضم وغدده خصوصاً، فيسير عمل أجهزته بانتظام فلا يتعطّل عمل بعضها. هذا ما يُقصده من الصلاة غالباً قبل الطعام وبعده، فيتحقق انسجام الإنسان جسداً وروحاً فتتوحّد النفس في استقطاب نشاطاتها.

بعد الطعام يجب أن يستسلم الإنسان إلى الراحة الجسدية والذهنية. ولا يجوز أن يشرب قبل مباشرته الأكل ولا إبّان تناول طعام الغداء ولا بعده مباشرة، لأنّ ذلك يعرقل عمليات الهضم. ولا يجوز ذلك إلّا بعد مرور ثلاثة أرباع الساعة تقريباً.

لا يجوز إدخال الطعام على الطعام، فلا يأكل الإنسان إلّا عند جوعه ولا يشرب إلّا عند عطشه. ويجب أن يكون الطعام منوعاً كي تتوازن كلّ وظائف الجسم.

(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء/ 30)، فعنصر الماء سر من أسرار تكوين الحياة... فهو يساعد في عملية الهضم. ويصون صحّة البدن. ومن أدب الشرب، تجنب الأشربة الموضوعة في "القناني" والتي تعدّدت ألوانها وكثرت أصنافها، ولا يعلم أحدنا سرّ تركيبها الحقيقي، فهي تحدث جميع أمراض المعدة وتمدد أغشية الهضم، في حين أنّ الماء يساعد في كثيرٍ من الحالات على عمليات الهضم، وفي وظائف أعضاء عديدة.

خامساً: في أدب عيادة المريض: من آداب المجاملة والود ومن مناقب الدين وحُسن المعاملة، عليك بزيارة صديقك أو جارك في مرضه، فتزوره للسؤال عنه والتخفيف من آلامه وإبعاده الوحشة عنه. فقد أوصت جميع الأديان بعيادة المريض، إذ فيها أجر لك وانشراح لروحك عندما ينشرح صدر المريض، فيتكوّن فرحك من الفرح الذي تستطيع أن تدخله إلى قلوب الآخرين.

ولا ننسَ أن عيادة المريض تشكّل تكريماً لأهله وأقربائه أيضاً، ولا يجوز الإكثار من الجلوس قرب المريض لأنّه بحاجة إلى الراحة. وقد يسبب بعض الزوار اضطراباً عند المريض بالإكثار من بعض القصص والأوهام التي قد تؤثر فيه، من هنا وجوب الحرص على الكلام المختصر الجميل أو الصمت المتأمِّل، لأنّ التأمل يفيد المريض ويساعده على التخلُّص من أمراضه.

سادساً: كيف تجلس في الأماكن العامة: المكان العام ملك الجميع وليس لك بمفردك، ولا هو موصعٍ انطلاق نشاط حواسك في أي حال، أو أنّك تتخذ من مبدأ حريتك الشخصي عذراً للتصرف بما يأباه الخلق السليم، ويخرج عن مقام اللياقة والأدب، أو ينحرف عن معاني الحشمة ومظاهرها، ويجعلك مصدر إزعاج وتشويش وبلبلة للناس المحيطين بك. اجلس باحتشام وأدب، ولا تنظر بفضول إلى مَن حولك، ولا تهزّ رأسك وتُحرك جسمك شمالاً ويميناً، أو تضحك عالياً، أو تحدِّث جارك بصوتٍ عالٍ، أو تأكل الفستق أو الحلوى وترمي بقاياها على الأرض... لا تمدّ رجلك في وجه الآخرين على الطريقة "الأميركية البشعة". كن أنيساً رفيعاً بدون تصنُّع، واجعل اللطف سمة من سمات تهذيبك.

لا تكن متصنعاً في جلستك، اظهر بوجهك الحقيقي لا بتلك الوجوه التي تتصنّعها أو تستوحيها من القصص والأفلام علّك تؤثر في الآخرين، وأنت بذلك مُضلَّل عن حقيقة التأثير. ففي التواضع والطبع العفوي غير المصطنع ما يكفيك لهذا التأزم في جسدك ونفسك، فتبدو وكأنك مريض بمرض العصر وقلقه ومشاكله.

سابعاً: في آداب الشعور: لا تنسَ دائماً أنّ السعادة والفرح واللذة التي تشعر بها تكون منبعثة من ذاتك، قائمة في محور نفسك ومتجلية فيك، وما الأغراض الخارجية سوى مناسبات وفرص لهذه السعادة كي تظهر... فإذا فعلت ذلك وتنبهت إلى مصدر السعادة، جانبتك الردّة على كلّ فرح وكلّ لذة وكلّ سعادة ظاهرة أنّها نقيضها: الألم والمرارة والشعور بالانخداع.

فبدل أن تجذبك السعادة الظاهرة أو الفرح المحدود أو اللذة إلى المحدودية التي تبدو عليها في إطار الزمان والمكان والنسبية، فإنّك تتعدّى هذه المحدودية وهذا الضيق إلى هذا الانجذاب نحو لا محدودية السعادة، وإلى هذا السلام العميق الذي منه تتساقط وتسيل ينابيع الفرح واللذة في ذاتك الداخلية... عند ذلك تشعر بالسيادة الذاتية على جميع الأفكار والشهوات... فلا يختلُّ ميزان فكرك، ولا يضطرب اتزان مزاج جسدك... وكلّ إسرافٍ، وكلّ انجذاب قاهر يؤدي إلى الاختلال والاضطراب.

ثامناً: في أدب الفكر: يُقصد به عدم التفكير بما يؤذيك أو يُؤذي الآخرين، فالخير والشر مفهومان لا يمكن إنكار وجودهما في الحياة الفردية والجماعية... فالفكر كالشعور منتدى واسع لأقنية توجهات نفسية نطلق عليها اسم العادات أو بذور الأفكار والعواطف... فعلياً، الفكر ليس سوى مجموعة من هذه الأقنية الذهنية، ومن البذور العقلية والشعورية.

فإذا عوّدنا أفكارنا على أن تكون خيّرة، سرَت في ذهننا أقنية للخير، فنشعر به ونفعله، وإذ ما تعمقت أقنية وعادات وبذور الخير في نفوسنا، أصبح من المستحيل علينا بعد ذلك أن نفعل الشر...

تؤثر الأفكار في العواطف، وتؤثر المشاعر بدورها في الأفكار... فكما تفكرون كذلك تصبحون، ولذا لا يمكننا تجزئة ذلك أنّ الإنسان وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة.

ولابدّ من التأكيد على أهمية العنصر المعنوي في حياة الإنسان، فعبثاً يفتش المرء عن سعادة أو رقي أو تحرر في اتجاه مخالف لهذا الاتجاه.

 

الكاتب: موريس شربل

المصدر: كتاب آداب السلوك

ارسال التعليق

Top