• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

آيات الله الكونية

أ. محمَّد محمَّد المدني

آيات الله الكونية

قال الله تعالى في لفت الأنظار إلى الآيات الكونية الدالة على وحدانيته ورحمته:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة/ 164)، وقد سبقت هذه – الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة/ 165)، فهي – كما قلنا – استدلال بالأدلة الكونية على وحدانية الإله ورحمته.

وطريقة القرآن الكريم في إثبات العقيدة الصحيحة عن الله في وجوده، ووجدانيته، ورحمته، هي طريقة سهلة خالية من التعقيدات والتكلفات، تناسب جميع العقول مهما اختلفت مستويات التفكير: إنّه لا يكلف الإنسان إلا النظر في ملكوت السماوات والأرض ليدرك أن جميع المخلوقات قامت على سنن كونية، وقوانين مطردة لا تتخلف، وان جميع هذه السنن والقوانين في كلّ عالم من عوالم الخلق، مترابطة متعاونة متفاعلة بحيث يجزم العقل المصنف بأنها صنعة متقنة لصانع واحد حكيم رحيم.

وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية سبعة من الأدلة الكونية الدالة على ذلك.

أوّلها: خلق السماوات والأرض على هذا النظام العجيب المتماسك منذ ملايين السنين، الذي دل العلم على أنّه ليس ماثلاً في هذه المجموعة الشمسية فحسب، ولكن في مجموعات كثيرة متشابهة لها قوانينها، ونواميسها الكونية، وأبعادها، ونسبها، وعناصر تكوينها، مما تحتار فيه العقول، ولا يسعها إلا التسليم بعظمة خالقه، ودقة صنعته، الدالة على وحدانيته، وعلى سعة رحمته.

ثانيها: اختلاف الليل والنهار، يجيء أحدهما بعد الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك، فتختلف بذلك الأيام والفصول في كلّ قطر من أقطار الأرض وكلّ ذلك بحسبان، وللناس فيه منافع كثيرة هي آثار رحمة الله وفضله.

ثالثها: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، فتنقل الأفراد والتجارات، وتصل الأقطار بعضها ببعضن وقد أصبحنا نراها الآن أطواراً شامخة عائمة فيها  كلّ المتاع والمرافق ومنها ما هو قلاع وحصون ومطارات وناقلات، من كلّ ما عظمت به النعمة، وتحققت به الرحمة والحكمة.

رابعها: هذه الأمطار التي تنزل من السماء فتكون حياة للأرض بعد موتها، وإنها لدورة عجيبة حقاً، إذ تتبخر مياه البحر بطريقة إلهية بديعة، ثمّ تسير إلى حيث شاء الله ثمّ سقط مياهاً عذبة خالية من أيّة ملوحة أو مرارة فتكون أنهاراً أو يسلكها الله في الأرض ينابيع، ثمّ تعود إلى البحر بعد أن تؤدي وظائفها ومنافعها التي هيأها الله لها، في تلك الدورة المتتابعة الدالة على القدرة والرحمة.

خامسها: إحياء الأرض بهذا الماء فتنبت النبات مختلفاً ألوانه، متعددة منافعه، متنوعة مذاقاته "يسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأقل".

سادسها: إنّ الله جعل من هذا الماء كلّ شيء حي، وبث في الأرض من كلّ دابة، فالماء حياة الناس والحيوان، به يحيا كل شيء حياته الأولى، وبه تستمر له هذه الحياة ما بقي.

سابعها: تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، أي تدبيرها وتوجيهها على حسب السنن الإلهية، ووفق الحكمة والرحمة.

كلّ هذه آيات بينات ودلائل وائحات وصدق الشاعر إذ يقول:

وفي كلّ شيء له آية *** تدل على أنّه السواحد

 

المصدر: كتاب القرآن.. نظرة عصرية جديدة/ سلسلة الفكر الديني المعاصر

ارسال التعليق

Top