• ٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١١ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

أسواق النفط وفرص تحليق الأسعار

د. حيدر حسين آل طعمة

أسواق النفط وفرص تحليق الأسعار

عام من خفض معدلات الإنتاج ساعد في امتصاص تخمة المعروض النفطي التي ولدها دخول النفط الصخري إلى أسواق الطاقة العالمية. ويُفترض في ضوء انحسار الخزين النفطي العالمي والزيادة المستمرة في معدلات الطلب، أن تتأرجح أسعار النفط ما بين 70-80 دولار للبرميل مع تمديد اتفاق أوبك وروسيا النفطي، الذي بدأ في يناير كانون الثاني 2017، حتى نهاية العام 2018. وقد بلغت أسعار النفط أعلى مستوى لها منذ سنوات حين لامست عتبة الـ 70 دولار يوم الخميس 11 كانون الثاني، بدعم من هبوط في المخزونات وقوّة الطلب وارتفاع مستوى التزام أوبك.

أبعاد الدعم السعري

تلازمت جملة من العوامل في رفع أسعار النفط لمعدلاتها الحالية، ويمكن التركيز في هذا الصدد على ما يلي:

1- جولات خفض الانتاج

تدعم تخفيضات الإنتاج التي تقودها منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وروسيا معدلات أسعار النفط الخام منذ بدأ تنفيذ الاتفاق النفطي مطلع العام 2017. وطبقاً لبيانات شحن وبيانات التدفقات النفطية من تومسون رويترز ومعلومات توفرها مصادر في شركات نفط وأوبك وشركات استشارية، خلص مسح أجرته وكالة رويترز مؤخراً إلى ارتفاع مستوى التزام أوبك باتفاق خفض إمدادات النفط في ديسمبر كانون الأوّل الماضي بفعل المزيد من التراجع في إنتاج فنزويلا وتخفيضات إضافية من دول خليجية مصدرة للخام، وهو ما يظهر التزاما قوياً بالاتفاق على الرغم من ارتفاع الأسعار.

فقد أظهر المسح أنّ نسبة الالتزام بالتخفيضات ارتفعت من 125% في نوفمبر تشرين الثاني إلى 128%، فقد قلّصت بلدان أوبك معدلات الإنتاج بقرابة 1.2 مليون برميل يومياً، ليصل إجمالي حجم إنتاج المنظمة لقرابة 32 مليون برميل يومياً في ديسمبر كانون الأوّل 2017. فقد ضخت دولة الإمارات العربية المتحدة نفطاً يقل عن المستوى المحدد لها في أوبك. في حين خفضت السعودية، أكبر مصدر للنفط، إنتاجها النفطي قرابة 60 ألف برميل يومياً، مما يزيد من تراجع الإمدادات عن المستوى المستهدف للمملكة في أوبك.

أمّا معدلات الإنتاج في فنزويلا، التي يتعطش قطاع النفط فيها إلى التمويل بسبب أزمة سيولة، واصلت التراجع عن المستوى المستهدف لها في أوبك. كما انخفض إنتاج ليبيا بقرابة 30 ألف برميل يومياً جراء الأضرار التي لحقت بخط أنابيب في التفجير الأخير الذي طال منشاتها النفطية. ويبقى الإنتاج في شمال العراق منخفضاً عن معدلاته السابقة في منتصف أكتوبر تشرين الأوّل بعد استعادت الحكومة سيطرتها على حقول نفط كركوك.

2- انخفاض المخزونات

أفصحت تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إنّ مخزونات النفط الخام هبطت بقرابة 4.6 مليون برميل الأسبوع الماضي في حين كانت توقعات المحللين تشير إلى انخفاض قدره أربعة ملايين برميل فقط. كما ارتفعت معدلات التشغيل في مصافي التكرير الأمريكية إلى قرابة 95.7% من الطاقة الإجمالية وهو أعلى مستوى في مثل هذا الوقت من العام منذ العام 1998، نظراً لانخفاض درجات الحرارة في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من البلدان. من جانب آخر، يشكّل انخفاض المخزون العالمي إلى قرابة 2940 مليون برميل، وتقلّص الفائض لقرابة 111 مليون برميل في نهاية تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي عن معدله للسنوات الخمس الماضية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الدول الصناعية)، إنجازاً ملحوظاً لتوازن العرض والطلب، نظراً لما يمثله الخزين النفطي من عامل ضغط على مستويات الأسعار.

3- نمو الطلب النفطي العالمي

يتوقع أن يتعافى الطلب على النفط عام 2018 مع بوادر نمو اقتصادي قوي في معظم أنحاء العالم، حيث تفصح تقارير أوبك ووكالة الطاقة الدولية عن ارتفاع معدلات الطلب العالمي على النفط عام 2017 مقارنة بالسنوات السابقة، فقد ارتفعت معدلات الطلب بقرابة 1.5 مليون برميل يومياً. وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى استمرار زيادة الطلب بقرابة 1.3 مليون برميل يومياً عام 2018 نظراً للبيانات الاقتصادية القوية من الولايات المتحدة وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية.

من جانب آخر، أظهرت بيانات حديثة طلباً قوياً على واردات الخام في الصين، فقد تعافى إجمالي واردات النفط الخام إلى الصين، أحد أكبر مستهلكي النفط في العالم، ليسجل ثاني أعلى مستوى على الإطلاق في نوفمبر تشرين الثاني الماضي عند 9 مليون برميل يومياً. ويساهم نمو الطلب العالمي على النفط في تقليص فجوة المعروض النفطي التي أطاحت بالأسعار في حزيران 2014.

مخاطر تحليق الأسعار

تستعيد أسواق النفط العالمية توازنها في أعقاب جهود خفض الإنتاج التي يبذلها منتجو النفط من داخل وخارج أوبك. مع ذلك، يثير تعافي الأسعار بواعث القلق مجدداً بشأن إنتاج النفط الصخري. فقد أعطى امتثال أوبك القوي لاتفاق خفض الإمدادات دعماً مستمراً لمستويات الأسعار قد يولد موجة جديدة من الاستثمارات تعيد منصات الاستخراج للعمل في قطاع النفط الصخري. وعلى الرغم من انخفاض إنتاج النفط الأمريكي مؤخراً بفعل طقس شديد البرودة فإنّ من المتوقع على نطاق واسع أن يتجاوز الإنتاج قريباً حاجز العشرة ملايين برميل يومياً بسبب تعافي الأسعار.

وفي هذا السياق صرّح الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت الروسية إيغور سيتشن مؤخراً بأنّ إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة قد يؤدي إلى زيادة الإمدادات بشدة عام 2018 ويزعزع استقرار الأسواق مجدداً. مع ذلك، ورغم أنّ ارتفاع معدلات إنتاج النفط الصخري أمراً مفروغاً منه في إطار الوتيرة المستمرة لارتفاع معدلات الأسعار، فإنّ ظهور تخمة مفاجئة في المعروض أمراً مستبعداً في الوقت الراهن نظراً لأنّ زيادة تكاليف الحفر والتجهيز لإنتاج النفط الصخري ستؤدي إلى تباطؤ نمو معدلات الإنتاج. ويتوقع أن يتجاوز إنتاج النفط الصخري الأمريكي عشرة ملايين برميل يومياً عام 2018.

تُلزم هذه الحقائق كبار منتجي النفط من داخل وخارج أوبك على الاستعداد لمرحلة ما بعد توازن الأسواق وتحقق السعر العادل للنفط الخام. وذلك عبر البدء بحوار جدي مع منتجي النفط الصخري للانضمام إلى اتفاق ضبط معدلات الإنتاج. ورغم صعوبة إقناع الشركات العاملة في هذا القطاع على تحديد مستويات إنتاجها في الوقت الراهن، فإنّ تجربة انهيار أسعار النفط عام 2014 وخروج جزء كبير من حقول النفط الصخري من الأسواق، قد يثير اهتمام منتجي النفط الصخري إلى الانخراط في اتفاق نفطي عالمي يضمن تحقيق سعر عادل لكافة الأطراف المنتجة تحت مظلة سقوف الإنتاج المسايرة لمعدلات نمو الطلب العالمي على النفط.

ارسال التعليق

Top