• ٩ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٨ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أمام التلفاز.. هل يسمع الأطفال كلامك؟

أمام التلفاز.. هل يسمع الأطفال كلامك؟

يبدو أنّ أحمد عندما يشاهد أفلام الكرتون يكون في ملكوت آخر، فعندما تطلب منه أُمّه شيئاً لا ينصت إليها، وكذلك لا يستجيب لوالده عندما ينادي عليه فماذا يفعلان؟

يستخدم الأطفال كامل طاقتهم العقلية عندما ينغمسون في أي نشاط، فبإمكانهم أن ينتبهوا فقط إلى شيء واحد، انظر حين يمارس طفلك لعبة أو يشاهد التلفزيون، عندها يتركز انتباهه على شيء واحد وهو ما يفعله فقط، وحينها إذا ناديت عليه أو طلبت منه شيئاً؛ فقد لا يسمعك إلّا بعدما تصرخ، وقد يقول لك حاضر سأفعل ما تريد، لكنه يظل جالساً مكانه يشاهد في هدوء وسكينة، وإذا سألته: لماذا لم تفعل ما أمرتك به، ستجده يقول: إنّك لم تقل لي شيئاً، وحينها تظن أنّه كذاب والحقيقة أنّه صادق جدّاً، لأنّ مخ الطفل عندما يندمج في نشاط ما (كالتلفزيون) فإنّه يبني حاجزاً أمام الأحداث الخارجية المحيطة به، بحيث يظل منهمكاً فيما يفعله فقط دون أي تشتيت، ولذلك تجد طفلك في ملكوت آخر عندما يلعب أو يشاهد الكرتون، وعندها لن يسمعك وربما يسمعك ويرد عليك لكن دون وعي، وهذا هو سلوك الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (وقد تجده في الأطفال الأكبر وفي بعض الزوجات)... ومن الطرائف أنّني دخلت يوماً على ابني عمر وهو يشاهد الكرتون، فقلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليّ السلام، ثمّ دخلت وغيرت ملابسي، وبعدها جلست بجواره، وبعد أن انتهت الحلقة التي يشاهدها قال لي فجأة مستغرباً: بابا متى جئت لم أرك، فابتسمت واحتضنته فهو صادق...

وبينما ينعزل الأطفال عن العالم الخارجي أثناء مشاهدتهم للتلفزيون؛ يلجأ كثير من الآباء إلى رفع أصواتهم أو الصياح حتى ينتبه لهم أطفالهم، مما يخترق الحواجز التي يقيمونها حول نفسهم، وهذا الحل قد ينفع لكنه يعلّم أطفالك أن يصرخوا فيك حتى يجذبوا اهتمامك، وهنا ننصح الآباء بدلاً من النداء الشفوي والصراخ أن يستخدموا النداء المركب؛ ونقصد به أن تتجه نحو طفلك المنهمك في مشاهدة التلفاز أو قراءة قصة أو ممارسة لعبة ثمّ تلمس كتفه، وتناديه باسمه، وأحياناً يكون همسك باسمه بصوت خفيض أكثر فاعلية من الصياح في جذب انتباهه، ثمّ أخبره بأنّك تريد منه أن ينصت إليك، واجلس في مستوى نظره للتتواصل عينيكما لتستحوذ على انتباهه، مما يزيد فهمه وإدراكه، وهذا بالضبط ما فعلته والدة حسن عندما أرادت أن تستحوذ على انتباهه أثناء قراءه لأحد الكتب، إذ توجهت نحوه وربتت على كتفه ونظرت في عينيه وقالت: "أراك مستمتعاً بكتابك، وهذا شيء جميل، ولكن ألا يمكنك أن تنظر إليّ لحظة؟ فلديّ أمر مهم أريد أن أقوله لك، ولذا أحتاج إلى انتباهك"...

ومن أساليب غرس مهارات الاستماع لدى طفلك – عند انهماكه في نشاط ما – أن تجعله يكرر ما تقوله، فتقول له مثلاً: لقد حان الوقت لكي تجمع لعبك يا خالد، أخبرني ماذا قلت الآن؟ وهنا تقبل منه أي كلام شبيه لما قلته، فغايتك هي التأكد من أنّه سمعك وأدرك ما طلبته منه، أما إذا لم يستطع التكرار؛ فلتعد على مسامعه ما قلته برفق وهدوء وتقول: لقد حان وقت جمع لعبك، فماذا ينبغي عليك فعله الآن"...

وفي حالة انشغال الطفل في عمل ما وشعورك أنّه لا يسمعك أو لا ينتبه لكلامك؛ فلا تغضب فهو عادة لا يتعمد إهمالك فأحسن الظن بطفلك، واعمل على جذب انتباهه قبل أن تطلب منه شيئاً، إذهب إليه وتحدث إليه مباشرة، صفق بيديك لكي تجذب انتباه أمام مجموعة من الأطفال، ويمكنك أيضاً إطفاء الأنوار ثم إضاءتها، احرص على التواصل البصري، وذلك بمعنى أنّك تنحني إلى مستوى الطفل، وقد تكون بحاجة للتواصل الحسي مع الطفل بأن تمسك بيده أو تمسك بكتفيه وأنت تتحدث معه، بينما تنظر إليه في عينيه مباشرة، تحدث بنبرة صوتك الطبيعي فإنّ نبرة الصوت الغاضبة لن تجدي حتى لو كنت مغتاظاً وغاضباً...

أيها المربي الكريم؛ في الماضي كنت إذا نظر والدك – فقط – لكوب الماء، كنت تسرع بإحضاره، واليوم ربما تقول لطفلك ناولني كوب الماء عشر مرات لا يستجيب إلّا في المرة العاشرة، فهل هذا يعني أنّه كان لديك برّ جيد بوالديك وطفل عاق لك؟

إنّك فيما مضى – عندما نظر والدك لكوب الماء – كنت جالساً لا تفعل شيئاً ودون أي إلهاء؛ فما فعلته كان طبيعيّاً جدّاً، أما طفلك اليوم عندما قلت  له – ناولني الماء – كان مشغولاً بواجبات ضخمة وفيلم كرتون جذاب وألعاب إلكترونية أخاذة، لذلك عليك أن تعذره وتتعامل معه بطرق جديدة غير تلك التي كان يستعملها معك والدك لتطيعه وتبره...

 

هل يعترض طفلك على إغلاق التلفزيون (أو الكمبيوتر)؟

ينبغي على الأهل أن يحددوا لطفلهم عدد ساعات المشاهدة اليومية للتلفزيون (أو استخدام الكمبيوتر)، ويتفقا معه على نوعية البرامج المسموح له مشاهدتها، وعلى الأهل أن يخففوا من مشاهدتهم للتلفزيون (وجلوسهم أمام الكمبيوتر) ليقتدي طفلهم بهم، وعلى الأهل أن يشاهدوا التلفزيون برفقة طفلهم ليعلموه كيف يكون مشاهداً نشطاً ومفكراً وناقداً، وذلك من خلال طرحهم الأسئلة حول محتوى البرامج، بل إنّ من الضروري أن يشرحوا للأطفال كيف أنّ شركات الإعلانات تحاول التحكم بأفكارهم ومشاعرهم بحيث تسيطر عليهم وتوجههم حيث تشاء...

قد يقول أحدنا لطفله: "لقد طلبت منك إغلاق التلفزيون (أو الكمبيوتر)، هل أنت أصم؟"، وفي تلك الكلمات تحقير للطفل وتقليل من شأنه وتعويد له على عدم الصبر عندما يتأخر الآخرون في تلبية طلبه، وبدلاً من التوبيخ علينا أن نقدم له حلولاً وبدائل ممتعة، فنقول له: "أنا أعلم أنّك لا تريد إغلاق التلفزيون، إلّا أنّ المدة المسموح بها للمشاهدة قد انتهت اليوم، فلنفكر معاً في أمور ترفيهية أخرى يمكنك القيام بها"، إنّ اعتراف الأهل بحاجات طفلهم "للترفيه والمتعة" وتعاطفهم معه؛ من شأنه أن يعزز علاقتهم ويحثه على التعاون معهم.

قد تقول إحدى الأُمّهات لنفسها: "لا آبه إن كان ولدي يقضي وقته كلّه أمام التلفزيون أو الكمبيوتر، فهو على الأقل بعيد عن الشارع وأمام عيني ولا يزعجني"، وعلى العكس تماماً تجد أمّاً أخرى تقول: "أحب أن أتفاعل مع ولدي ولا أريده أن ينظر إلى الكمبيوتر أو التلفزيون على أنّه صديقه الوحيد في تلك الحياة"، فيا ترى من أي الأُمّهات أنت؟ ولماذا؟

 

الخبير التربوي عبد الله محمّد عبد المعطي

المصدر: كتاب أطفالنا كيف يسمعون كلامنا

ارسال التعليق

Top