• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أهميّة اللّغة العربيّة وكيْف يُمكن تَعلُّمها؟/ج1

نظام الدين إبراهيم أوغلو

أهميّة اللّغة العربيّة وكيْف يُمكن تَعلُّمها؟/ج1

مقدمة:
تُعتبرُ اللّغة العربيّة لغة عالمية مهمة من بين 3000 لغة في العالم. وتعتبر من أقدس وأوسع لغاتِ الأديان الأربعةِ وهذه اللغات هنّ السّريانيّةِ واليُونانيّةِ والعبرانيّةِ بالإضافة إلى العربيّة، لكونها غنيّة بالمُفردات والمُترادفاتِ ووجود الألفاظ المضادة والتشبيه والمجاز واشتقاق الكلمات والفصاحة والبلاغة، ولكونها لغة القرآن الكريم أخر الأديان السّماوية والمنُزل من عند الله تعالى، وفيها هداية ورحمة وشفاء للصدور ومعجزات كثيرة، وتجمع فيها كلمات دينيّة لكافة لغات الأديان السَّماوية، كل هذه تضيف لها قداستها. "وأشادَ ماريو بِلْ، مؤلف كتاب قصة اللّغات: بأنَّ العربيّة هي اللّغة العالميةُ في حضاراتِ العُصورِ الوسطى، وكانت رافدًا عظيمًا للإنكليزية في نهضتها وكثيرٍ من الأوربيّات، وقد أورد قاموس Littre  قوائمَ بما اقتبسته هذه اللّغات من مفرداتٍ عربيةٍ، وأولها الإسبانية ثم الفرنسية والإيطالية واليونانية والمجرية، وكذلك الأرمنية والروسية وغيرها، ومجموعها 27 لغة، وتقدر المفردات بالآلاف".  لقد عَرف عظمةَ اللّغة العربيّة مَنْ اطَّلعَ عَليها وتعلَّمها وغَاض في أسرارها من العَرب في القَديم، ولا عجب في أنْ يشهدوا بعظمتها لأنهم أهل اللّغة، والاطّلاع على أقوالهم يزيدنا علمًا وثقةً بها، لكنّ الاطّلاع على شهادات غير العرب في العربيّة له طَعْمٌ آخر، لأنّهم عرفوا قيمةَ لغة القرآن وهم ليسوا منهم، وهو ما يدفعنا إلى محاولة معرفة ما عرفوه منها، لنزداد اعتزازًا بها ونغرس الاعتزاز في نفوس ابنائنا. لقد وجدنا أنّ كثيرًا من ابناء المسلمين يجهلون فضل اللّغة العربيّة وجوانب عظمتها، لهذا السّبب أردنا ايضاح أهميتها وكيفية تعلمها بوسائلها المختلفة من أجل تشجيع طلاب العلم على تعلّمها. تركيا 27 / 09 / 2009. تمهيد تعريف اللّغة: اللّغة هي أَصوات يعبر بها كلّ قوم عن أغراضهم. وأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ولم تستطع التعريفات الحديثة للغة أن تتجاوز هذا التعريف الموضوعي‏، غير أن تعريف اللّغة بوظيفتها يختلف عن تعريفها بحقيقتها وعلاقتها بالإنسان‏..‏ فاللّغة هي الإنسان،‏ وهي الوطن والأهل، واللّغة التي هي نتيجة التفكير‏..‏ هي ما يميز الإنسان عن الحيوان وهي ثمرة العقل والعقل كالكهرباء يعرف بأثره‏،‏ ولا ترى حقيقته‏.‏ وعرّف علماء النفس اللّغة، فرأوا أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور، أي عن حالات الإنسان الفكرية و العاطفية و الإرادية، أو أنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة أو فكرةٍ ذهنيةٍ إلى أجزائها أو خصائصها، والتي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرّة أخرى بأذهاننا وأذهان غيرنا، وذلك بتأليف كلماتٍ و وضعها في ترتيبٍ خاصٍ. وأرى أن اللّغة تعني تعلّمُ الفَصَاحةَ والبَلاغةَ وكذلك تصحيحُ الخطأَ الحَاصِل من عدم فَهمِ وتَفهمِ الجُمَلِ. واللّغة العربيّة تحتوي على 28 حرفًا مكتوبًا، وهي تكتب من اليمين إلى اليسار ـ بعكس الكثير من لغات العالم. تعريف النّحو: وسيلة في تعلم اللّغة وهو قواعد يُعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربيّة التي حَصَلت بتركيب بعضها مع بعض من إعراب وبناء وما يتبَعُهما. أو هو علم بأصول مستنبطة من كلام العرب، يعرف بها أحكام الكلمات العربيّة حال إفرادها وتركيبها وما يتبعها  .وهناك قول مأثور على علم النّحو (النّحو في الكلام كالملحِ في الطّعام). تعريف الصّرف: وسيلة في تعلّم اللّغة وهو التغيير الذي يتناول صيغة الكلمة وبِنْيتها، لإظهار ما في حروفها من أصالة، أو زيادة، أو حذف، أو صحة، أو إعلال، أو إبدال، أو غير ذلك من التغيير الذي لا يتصل باختلاف المعاني. أو هو علم بأصول يُعرف به تغيير أواخر الكلم إعرابا وبناءا. وهو تغيير أحوال الكَلِم العربيّة إفرادًا وتركيبًا. وقال أحمد بن علي ابن مسعود في علم الصرف (اِعلم أنّ الصّرف أمّ العلوم والنّحو أبوها، ويقوى في الدرايات داروها ويطغى في الروايات عاروها). أهمية اللّغة العربيّة وعلاقتها بالقرآن الكريم: اللسان العربي هو شعار الإسلام كما يقول ابن تيميه: واللّغة العربيّة من الدين لا تنفصل عنه، ولا ينفصل عنها بل هي الدين بعينه، فقد نزل بها كتاب ربنا، وأصبح تعلمها واتقانها ومعرفة قواعدها وأسرارها فرضًا واجبًا، لأنّ فهم الكتاب والسنة ومعرفة أحكام الدين من الأمور المتعينة على المسلم. وهذا لايتم إلا بفهم اللّغة العربيّة لغة القرآن والدين والتراث.  وقال أيضًا: «لا بُدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه. فمعرفة العربيّة التي خُوطبنا بها ممّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإنّ عامّة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب، فإنّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدّعون أنّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك». ونرى أيضًا أنّ للقرآن الكريم فضل كبير في إقامة اللّغة العربيّة وتعديل اعوجاجه، وترك ما تمجّه الطباع السليمة من اللّغة ونزول القرآن باللّغة العربيّة واعتباره مرجعا لقواعد اللّغة العربيّة إضافة إلى إبراز آثار الأساليب القرآنية على ألسنة الشعوب الإسلامية ولغاتهم. وبهذا يتضح أن العلاقة بين اللّغة العربيّة وعلوم الإسلام من تفسير وحديث وفقه وأصول وغيرها من العلوم علاقة متينة جدًا لمن أراد أن يشتغل بأي من العلوم. لقد وردت كلمة العربيّة بجانب القرآن، فأعطت لها دلالة وصبغة دينية فإزدادت أهميتها فقال الله تعالى: (إنَّا أنزلناه قُرآنًا عربيًّا لعلَّكم تعقلون)، (إنَّا جعلناهُ قرآنًا عربيًّا لعلّكم تعقلون)، (قُرآنًا عربيًّا غَيرَ ذي عوجٍ لعلَّهم يتَّقون)، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)، (قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)  (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ). وآيات عديدة على أهمية القُرآن الكريم التي كتبت على لسانٍ عربي فقال تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِن المُنْذَرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِي مُبِين). وفيه معجزات الهداية والشفاء (أُولئِكَ الَّذِين هَداهُم اللهُ وَأولئكَ هُم أولُو الأَلبَاب)، (إنَّا سَمِعْنَا قُرآنًا عَجَبًا، يَهدِي إلى الرُّشدِ فآمنَّا بهِ)، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ)، (قُل هُو للَّذين آمنوا هُدىً وشفاءٌ)، (وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)  والهُدى: يعني العقل والعظمة في البصيرة ومعرفة حقائق الأمور، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ)، والتدبّر، لا يكون إلا بعد فهم معنى ما يتلى، فكيف يتحقّق لغير العربي تدبّر القرآن الكريم؟ هل يتحقق ذلك من قراءة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغته؟ أم من دراسة اللّغة العربيّة وتعلّمها ليعرف المعني بلغة القرآن نفسه ثم يعرف الإعجاز البياني واللّغوي من نظم وأسلوب وبلاغة القرآن الكريم ماعدا الإعجازات الأخرى؟ إذًا نفهم من الآيات الكريمة أنه يوجد علاقة وثيقة بين القرآن واللّغة العربية. أهمية تعلّم العربية القُرآن الكريم من خلال الأحاديث: حاجة تعلم اللّغة العربيّة إلى علم الحديث لأنّ الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لأنه أنطق أحاديثه باللّغة العربيّة فأصبحت العلاقة الجوهرية التي تربط بين الحديث كعلم شرعي والعلم اللغوي كعلم مقصدي. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يشجع أصحابه على تعلّم العربيّة فقال نبينا عليه السلام (خَيْركُم مَن تَعلّم القُرآنَ وعَلَّمهُ) متفق عليه. وسأل العباس الرسول (ص) ما الجمال؟ فقال: اللسان. وفي رواية أخرى: إنه سأله ما الجمال في الرجل، فقال: فصاحة لسانه. وقال: رحم الله امرأ أصلح من لسانه" في حديث رواه الحاكم وصححه". وروي عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله (ص): (تَعَلّموا الفَرائِضَ وَعَلّمُوهَا النَّاسَ وَتَعلَّموا العِلمَ وَعَلِّمُوه النَّاسَ فإنّي إمرؤ مَقبوضٌ وإنّ العِلمَ سَيَقْبِضُ وَتَظْهَر الفِتَنَ حَتَّى يَخْتَلِفَ الاثْنَانِ فِي الفَرِيضَةِ لا يَجِدَانِ مَن يَفْصُل بَينَهُما) رواه الحاكم. وقوله: (تَعلّموا العربيّة وَعَلِّموها النّاسَ) رواه البيهقي وابن الأنباري في الإيضاح من قول عمر بن الخطاب، وقد رواه ابن أبي شيبة عن أبي بن كعب موقوفًا. وكذلك شجع الرسول عليه الصلاة والسلام على تعلم اللغات الأخرى فقال حديثه المتداول عند الناس (مَن تَعلمَّ لُغَةَ قَومٍ أَمِنَ شَرَّهم أو مَكْرَهُم)، وقيل أنه حديث ضعيف، وأصل الحديث هو: (وقد أمَر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليَهود؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمنهم! قال زيد بن ثابت: أمَرني رسول الله (ص) فَتَعَلَّمْتُ له كتاب يهود، وقال: إني والله ما آمن يهود على كتابي. فتعلمته، فلم يَمُرّ بِي إلاَّ نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إذا كَتب، وأقرأ له إذا كُتب إليه). رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي. وفيه دليل على جواز تعلّم لُغات الكُفَّار إذا كان هناك حاجة لِتعلُّمها. يتبيّن من كل ذلك أنّ لتعلّم اللّغات أهمية بشكل عام، ولتعلم اللّغة العربيّة أهمية خاصة لعلاقتها بالقرآن الكريم التي هو دستور المسلمين وكتاب هداية ورحمة ونور وشِفاءٌ لما في الصّدور وفيها عباداتهم ومعاملاتهم. ومن تدبر فيه لقد تعقّل وتوسّع أُفقه وأصبح سمعيًا عليمًا بصيرًا. وعلاقتها بالأحاديث النبوية التي تفصل وتشرح بما في القرآن وبلغة القرآن، بالإضافة إلى المصادر الاسلامية الكبيرة التي كُتبت بلغة القرآن الكريم. وهناك أحاديث موضوعة وضعيفة كثيرة حول فضل العرب واللّغة العربيّة، وسوف نذكر هنا اثنين منها من أجل إزالة الشبهات حول الأحاديث التي يراد بها إلصاقها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. «أُحِبُّ العَرَبَ لِثَلاثٍ لأنِّي عَرَبِيٌّ وَالقُرآنُ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أهْل الجَنَّةِ عَرَبي». «فَمَنْ أحَبَّ العَرَبَ فَقَد أحَبَّنِي وَمَن أبْغَضَ العَرَبَ فقد أبْغَضَنِي».

ارسال التعليق

Top