• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

إرادات الناس.. محور الفروقات بينهم

أ. د. عبدالكريم بكّار

إرادات الناس.. محور الفروقات بينهم

إنجاز من إنجازاتنا، وكلّ موقف من مواقف التأبي والممانعة، يحتاج إلى شيئين: الإرادة والقدرة، وهذه سنة من سنن الله – تعالى – في الخلق. وإنّ الناس يتوقون دائماً إلى التعرف إلى مكامن قوتهم ومصادر ضعفهم لأن ذلك أحد شروط الارتقاء والتقدم الذاتي.

 

*ما الذي نعنيه بالإرادة؟ وما الذي نعنيه بالقدرة؟

إنّ الإرادة تلك المشيئة العازمة والجازمة، والمعبِّرة عن رغبة شديدة في القيام بعمل من الأعمال. وتتجه الإرادة إلى الكف والامتناع أيضاً، فيستجيب لها السلوك. وعلامة توفر الإرادة الحقيقية الأخذ بالأسباب والعمل الحثيث من أجل المستقبل، وحين تكون الرغبة ضعيفة، أو يكون المتوفر هو نوع من الأحلام أو الأمنيات، فإنّ الناس يعبرون عنه بـ(الإرادة) وليس ذلك في الحقيقة إرادة، وهذا ما وضَّحه الله – تعالى – من شأن المنافقين حين قال: قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة/ 46)، أي لو أحبوا الخروج معك بصدق  ورغبة قوية لتهيؤوا وتزودوا بما يحتاجه المجاهد في سفره من المركب والزاد والسلاح.

أما القدرة، فهي الطاقة والقوة على فعل الشيء والتمكن منه، كما أنها تعني التمكن من الامتناع من الأمور التي نرغب في الامتناع عنها. وقد جرت عادة الناس أنهم يعبرون عن عدم توفر الإرادة بعدم توفر القدرة في كثير من الفضائل والواجبات، وذلك لأنّهم يستحون من قول: لا نريد، حيث إن نفي الإرادة يحمِّلهم المسؤولية الأدبية والقانونية أما نفي القدرة فيتضمن الإحالة على شيء خارج الوسع والتكليف، وهذا واضح جدّاً في مئات بل ألوف الأمثلة والتطبيقات.

إنّ القدرات منها ما هو معنوي مثل الإمكانات الذهنية، ومنها ما هو مادي مثل قدرة البدن ومثل المال، لكن الإرادات لا تكون إلا معنوية، ولهذا فإن إدراك النقص الذي يعتريها يكون أضعف، ونحن حين نأتي إلى معالجة مشكلة نتجه إلى نقص الإمكانات لأنّه أسهل من معالجة القصور الروحي والنفسي الذي قد يكون موجوداً لدى من يعالج تلك المشكلة.

إنّ قدراتنا تتحدى فعلاً إرادتنا، كما يتحدى القماشُ الخياطَ كي يجعل منه ثوباً جميلاً، وكما تتحدى الأرضُ الخصبة الفلاحَ كي يزرعها ويستخرج خيراتها..، ومهما كانت عزائمنا ماضية، فإننا سنظل مقصرين في استثمار إمكاناتنا على الوجه الأكمل، وهذا أيضاً من سنن الله – تعالى – في الخلق!.

انطلاقاً من كلّ هذا نقول إنّ الذي يقرر مصير الكثير من الأعمال هو ذلك القصور في الإرادة والمشيئة، وليس القصور في القدرة والإمكانية. الآن دعونا نسأل عن أسباب وجود الإرادة الضعيفة، وعن الوسائل التي يمكن أن تساعد على تعزيز إرادتنا؟ ولعلي أشير إلى ذلك بإيجاز عبر المفردات الآتية:

1- للإرادة علاقة جوهرية بالتحضر والتمدن، ففي أوضاع التخلف تكون قوة الإرادة عبارة عن سمة فردية لبعض الناس، أما عامة الناس فتكون إرادتهم ما بين الضعيفة والمتوسطة، أما في المجتمعات المتحضرة فإنّ الوضع يختلف بسبب تنظيم الحياة وتنظيم قطاع الأعمال، كما نشاهده اليوم حيث: إنّ على كلّ أب أن يجد طريقة لإيصال أولاده إلى المدارس وإرجاعهم منها، كما أنّ عليه أن يذهب إلى عمله في وقت محدد، وعليه أن يبرمج أوقات راحته... وهذا لا يتوفر في المجتمعات البدوية والريفية، حيث يكون تنفيذ كثير من الأمور اختيارياً أو غير مؤقت بتوقيت. لا يعني هذا أن جميع سكان المدن ذوو إرادات قوية، بل يعني أن مستوى قوة الإرادة لديهم أعلى، وإلا فإنّ المدينة نفسها تُوجِد نوعاً من الإدمان على بعض الأشياء، مما يضعف إرادة كثير من الناس تجاهها.

2- ضعف الثقة بالنفس سبب رئيس بين أسباب ضعف الإرادة، لأنّ الذي يعتقد أنّه غير مؤهل لأن يكون الأوّل على زملائه في العمل أو الأوّل في سباق للجري – مثلاً – لن يجد أي حافز للتفكير في هذا الأمر، أي أن ضعف الثقة بالنفس يجعل المرء يتجه نحو العاجزين أو الباحثين عن مكان في المؤخرة! ومن هنا يمكن القول: إنّ الأُم حين تقول لابنها: إنك لا تستطيع القيام بهذا دعه لغيرك، وإنّ الأب حين يقول لابنته: ليس هناك أمل في أن تحفظي جزءاً من القرآن الكريم خلال شهر رمضان... إنهما يؤصلان بذلك لضعف الثقة بالنفس لدى الأبناء والبنات، وكان المطلوب منهما هو الحث والتشجيع والتحفيز. ومن وجه آخر فإنّ الثقة بالنفس تتكون لدى الإنسان، وتتعزز عبر النجاحات التي يسجلها في حياته، وعبر أشكال التفوق على الأقران والمنافسين، وهكذا فلابدّ للمرء حتى يثق بنفسه من أن يقوم بشيء ما على نحو ممتاز.

3- هناك وضعيات سيئة أو غير ملائمة تكون إرادتنا فيها ضعيفة، وتلك الوضعيات حين تأخذ صفة الديمومة، فإنّها ترسخ ضعف الإرادة، وتجعله شيئاً مستمراً، ومن تلك الوضعيات: المرض واعتلال الصحة، حيث إنّ الوهن الجسمي، يدفعنا إلى الاعتقاد بالعجز عن القيام بكثير من الأمور، كما أنّ للفوضى نصيبها من ذلك، فالإنسان الفوضوي كثيراً ما يأتي بعد الحدث، وليس قبله، ولهذا فإنّه يصادف في طريقه الكثير من التحديات التي لا يعرف كيف سيتعامل معها، مما يوهن عزيمته في نهاية الأمر، ويشوه الصورة الذهنية التي يكونها لنفسه عن نفسه.

4- حين نجد شخصاً ضعيف الإرادة، وهو يحاول تقويتها وتصليبها، لكنه لا يجد أي تقدم يذكر، فهذا يعني أن هناك معوقات تحول دون ذلك، وهذه المعوقات عديدة في الحقيقة، وقد يكون من أشدها الآتي:

·      التعب والإنهاك الشديد، حيث تكون قدرتنا على الحركة والمبادرة ضعيفة، كما أن قدرتنا على مقاومة المغريات والتحديات تكون أيضاً ضعيفة وقاصرة، وهذا يعني تسجيل الكثير من مواقف الفرار والجمود، والتي تنعكس سلباً على كلّ جهود تقوية الإرادة.

·      التصلُّب الذهني والعناد والمكابرة والإصرار المبالغ فيه على أمر من الأمور، حيث تختل الرؤية الصحيحة للأشياء لدى الشخص العنيد... مما يعني اتخاذ الكثير من القرارات الخاطئة وبالتالي الكثير من اليأس والإحباط والكثير من ضعف الثقة بالنفس.

·      يقف على الضفة المقابلة للعناد التهور والاندفاع غيرُ المسؤول، وهو في الحقيقة لا يعبر عن شجاعة وجرأة، وإنما يعبر عن ضعف داخلي، نحن نقول دائماً: إنّ المتقدم على الصف كالمتأخر عنه، كل منهما يؤدي إلى اعوجاجه، وهذا هو شأن العناد وشأن الاندفاعية الزائدة.

·      ضعف الاهتمام سبب رئيس في ضعف الإرادة، كان هناك شيء لا يلفت نظري، ولا يحرك اهتماماتي، فكيف ستتجه إرادتي لتحصيله أو التفاعل معه؟ هذا لا يكون.

5- إذا كان ما قلناه عن الأمور التي تسبب ضعف الإرادة صحيحاً، فسيكون في إمكاننا الحديث عن تقوية الإرادة، ولعلنا نلاحظ في هذا السياق الأمور التالية:

·      الاستعانة بالله – تعالى – وطلب المدد منه واللجوء إليه في الشدائد بثقة وصدق؛ والله – سبحانه – كريم رحيم، وحين نلتجئ إليه بصدق نشعر أننا نأوي إلى ركن شديد، وبذلك نتخلص من الكثير من الخوف والقلق.

·      النظر في قصص كفاح العظماء والدخول إلى عوالمهم من أجل الاقتباس من أرواحهم والتعلم من تجاربهم الحياتية الغنية المثيرة.

ممارسة بعض العبادات التي فيها شيء من الصعوبة على النفس، وذلك مثل قيام الليل، والمحافظة على صلاة الجماعة في المسجد والصيام...

·      ممارسة رياضة بدنية تحتاج إلى عزيمة وصبر وذلك مثل السباحة والجري.

·      الانخراط في الأعمال التطوعية، لأن من طبيعة هذه الأعمال جعلَ الإنسان يندمج في مجموعات من الناس، كما أنّ من طبيعتها أنها تولِّد لدى صاحبها نوعاً من الرفاهية الروحية، وهذا كله يقوي الإرادة.

·      القراءة المنظمة اليومية في كتب جيدة ولكتّاب جيدين، حيث إن من شأن قراءة من هذا النوع أن تبني لدى صاحبها درجة جيدة من رحابة الفكر والمرونة الذهنية، وهما مطلوبان بقوة للإرادة القوية.

لعلّك تلاحظ معي أننا في حديثنا عن هذه السنة قد تحدثنا عن عدد من السنن والطبائع، كما أن في إمكاننا أيضاً أن نلاحظ أن تقوية الإرادة يحتاج إلى إرادة، فهل دخلنا في حلقة مفرغة، أو وقعنا فيما سماه المناطقة (الدور)؟ أظن ذلك!.

وعلى كلّ حال فإنّ الأفق ليس مسدوداً إلى هذا الحد، فلنجعل البداية هي الثقة بالله – تعالى – والاستعانة به، ثمّ لنحاول القيام بالأشياء الجيدة التي نحبها ونسعد بها، فهذا وذاك يشكلان بداية جيدة لامتلاك الإرادة الصلبة، والله المستعان.

 

المصدر: كتاب هي.. هكذا/ كيف نفهم الأشياء من حولنا (ثلاثون سُنّة إلهية في الأنفس والمجتمعات)

ارسال التعليق

Top