• ١ نيسان/أبريل ٢٠٢٠ | ٧ شعبان ١٤٤١ هـ
البلاغ

إشراقات المبعث النبويّ

عمار كاظم

إشراقات المبعث النبويّ

يوم المبعث النبويّ هو يوم الإسلام، لأنّ الإسلام كرسالة وُلِد في حياة الناس في يوم المبعث، وهو يوم الكرامة والمعجزة، لأنّ الكرامة التي أكرم الله بها نبيّه، هي أنّه أسرى به من الأرض إلى السماء، في عروجه ببدنه، لا بروحه. إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان رسول الحياة بكلّه، رسولها في مضمون الرسالة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/ 24)، ورسول الحياة من خلال امتداد رسالته في الحياة كلّها: «لا نبيّ بعدي»، (وَلَكِنْ رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب/ 40).

ولقد تحدّث الله سبحانه وتعالى عن المبعث في أكثر من آية، كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة/ 2)، ويمنّ الله على المؤمنين بذلك: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران/ 164)، فالله يحدّثنا عن الدور الذي أوكله إلى رسوله، من أجل أن يفتح عقول الناس على آفاق جديدة للمعرفة، وعلى خطوط جديدة للحركة، وعلى مواقع روحية عالية تمنح الإنسان الصفاء والنقاء؛ فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء من أجل أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكان المجتمع مجتمع ضلال. ولعلّ أعظم الضلال، هو هذا العقل المتحجّر الذي يستغرق في حجر، ليحوّله إلى إله يسقط إنسانيته، عندما يجعل هذه الإنسانية تتعبّد للتراب، وتتوهّم أنّ له أسراراً ليس لها أيّة حقيقة. وكانت الصنمية والوثنية منهجاً ينفتح على ذهنية تجعل الحجر صنماً، وتجعل الشهوات صنماً، والتخلّف صنماً، وتقدّس الجهل تماماً كما تقدّس الحجر، فلم تكن المسألة مسألة عبادة للحجر، ولكنّها كانت منهجاً للتفكير والعبادة والسلوك والعلاقات العامّة، وذلك هو الذي عبّر عنه بـ«الضلال المبين».

ومن الطبيعي أنّ ذلك كلّه كان يمثّل حالة من الظلمة الروحية والعقلية والعاطفية والحركية. ومن هنا، يحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن المهمّة التي أَوكلها إلى رسوله، وجعل كتابه الأداة التي تحمل الإشراق والنور: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم/ 1)، فأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، يعني أن يكتشفوا صراط الله الذي يتميّز بالعزّة التي توحي بالقوّة، ويتميّز بالحمد الذي يوحي بامتداد صفاته في مواقع الحمد التي تطلّ على الإنسان ليتخلّق بأخلاق الله.. ومن خلال هذه الآيات، نستوحي أنّ مهمّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذا كانت تتمثّل بتلاوة آيات الله، وتعليم الكتاب والحكمة، فإنّنا نرى أنّه لم يكتف بتلاوة آياته، بل أضاف إلى ذلك صفة المعلِّم.

وعلى ذلك، نقول دائماً إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) استوعب الرسالة كلّها في عقله وقلبه وإحساسه وشعوره وآفاقه، بحيث كان المعلِّم للرسالة في مفرداتها كلّها، فلا يغيب عنه شيء منها، ولا يمكن أن يخطئ في شيء من ذلك، فكما أنّه لا يُخطئ في استيعاب الكلمات، فكذلك لا يُخطئ في استيعاب المعاني، ولا في تفريعها، ولا في امتداداتها، ولا في تطبيقاتها على الواقع. ولذلك، فإنّه عندما أُريد له أن يعلِّم الناس الكتاب ـ والكتاب يتحرّك بحجم الحياة ـ فإنّ ذلك جعله واعياً وعي الحقّ لمفردات الحياة كلّها، التي تتّصل بالكتاب في خطّ النظرية، وبالكتاب في خطّ التطبيق.

ارسال التعليق

Top