• ٢٥ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٧ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً

السيد أحمد زكي تفاحة

إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (التوبة/ 36-37).
 
الأشهر القمرية هي الأشهر الطبيعية:
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ).
المراد بعند الله وفي كتاب الله أن للاثني عشر شهراً وجوداً حقيقياً في عالم الطبيعة، تماماً كالأرض والسماء في كتاب الله الكوني، لا في عالم الإعتبار والتشريع كالحلال والحرام، في كتاب الله التشريعي – القرآن الكريم –.
والمراد بيوم خلق السماوات والأرض، أنّه تعالى خلق الكون على حال تكون فيه عدة الشهور اثني عشر شهراً، منذ اللحظة لوجود السماوات والأرض، أي أن عدة الشهور هذه ليست من وضع الإنسان ومواليد أفكاره ومخترعاته، وإنما هي نتيجة حتمية لسنن الكون ونظام الخلق.
فمعنى الآية: إنّ عدة الشهور إثنا عشر شهراً، تتألف منها السنون، وهذه العدة التي في علم الله سبحانه، وهي التي أثبتها في كتابه التكويني يوم خلق السماوات والأرض، وأجرى الحركات العامة التي منها حركة الشمس، تجري دائماً، وفي كل يوم على وتيرة واحدة شروقاً وغروباً، لا فرق بين يوم ويوم، وكل ما نعرفه بواسطتها هو وقت الصباح والمساء والظهيرة – النهار والليل – ولا يتصل هذا بمعرفة الشهر من قريب ولا بعيد.
والقمر بخلاف الشمس، فإنّه يظهر للعيان على شكل خاص في اليوم الأوّل من كل شهر، يكون هلالاً كالإصبع ثمّ يأخذ بالظهور حتى يصبح بدراً في وسط الشهر ثمّ يأخذ بالنقصان حتى يصبح محاقاً في آخر الشهر، وهكذا دواليك، وبهذا تحدد الشهر، ومتى عرفنا الشهر عرفنا السنة.
وعلى هذا تكون الأشهر القمرية، هي الأشهر الجارية على سنن الطبيعة دون غيرها، ومن أجل هذا وقّت الله بها الحج والصيام وعدة المطلّقات والوفاة والرضاع، كما وقّت الصلاة اليومية بالشمس، لأنّها السبيل لمعرفة أجزاء اليوم.
وبكلمة إنّ الشمس لمعرفة الأيام والأوقات، والقمر لمعرفة الأشهر، وعلى هذا الأساس كان الإنسان الأوّل يحسب أوقاته، قال الرازي: "إن مذهب العرب من الزمان الأوّل أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا الحكم ورثوه عن إبراهيم واسماعيل، فكانت حرمتها من شريعة إبراهيم، وكانت العرب تحترمها، حتى في الجاهلية حينما كانوا يعبدون الأوثان، غير أنّهم ربما كانوا يحوّلون الحرمة من شهر إلى شهر أو أزيد منها بالنسيء (التأخير) الذي تتعرض له الآية.
(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
الحرم جمع حرام، وهو الممنوع منه، والقيم هو القائم بمصلحة الناس المهيمن على إدارة حياتهم وحفظ شؤونهم.
(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) هي الأشهر الأربعة، وهي الثلاثة المتوالية (السرد) ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، وهو شهر رجب، وإنما جعل هذه الأشهر الأربعة حرماً ليكف الناس فيها عن القتال، وينبسط عليهم بساط الأمن، ويأخذوا فيها الأهبة للسعادة، ويرجعوا إلى ربهم بالطاعات والقربات.
والواضح أنّ هذا التحريم كان مع فرض الحج في الأشهر المعلومات منذ إبراهيم وإسماعيل، وعلى كثرة ما حرّف العرب في دين إبراهيم، وعلى شدة ما انحرفوا عنه في جاهليتهم قبل الإسلام، فإنّهم بقوا يُعظّمون الأشهر الحرم هذه لارتباطها بموسم الحج، الذي كانت تقوم عليه حياة الحجازين، وبخاصة سكان مكة، كما يكون هناك السلام الشامل في الجزيرة الذي يسمح بالموسم والإنتقال إليه والتجارة فيه.
(ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الإشارة إلى حرمة الأشهر الأربعة المذكورة أعلاه، والدين كما يطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه، يطلق على بعضها، فالمعنى: إنّ تحريم الأربعة من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العبادة، كما يشير إليه في قوله: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) (المائدة/ 97). قياماً للناس أي محلاً للعبادة ومناسك الحج، والشهر الحرام جنس يشمل الأشهر الحرم الأربعة، وقد حرم سبحانه القتال فيها، وفي حرمه، إلا دفاعاً عن النفس أو المال أو العرض، قال تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) (البقرة/ 191). وقال: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة/ 194).
(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) الضمير راجع إلى الشهور الأربعة، فالمعنى: لما كانت هذه الأربعة حرماً تفرع على حرمتها عند الله سبحانه أن تكفوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، باستحلال النهي عن كل ظلم ومعصية في أي وقت وفي أي مكان في كبيرة أو صغيرة، ومن يظلم نفسه يُعرضها لعذاب الله وغضبه.
فلا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم، التي يتصل تحريمها بناموس كوني، تقوم عليه السماوات والأرض، ذلك الناموس هو أنّ الله هو المشرع للناس، كما هو مشرع للكون – بتنظيمه – لا تظلموا أنفسكم باحلال حرمتها التي أرادها لتكون فترة أمان وواحة سلام، فتخالفوا عن إرادة الله، وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب الله في الآخرة، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض، حتى تستحيل كلها جحيماً حربية لا هدنة فيها ولا سلام.
(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، قاتلوا المشركين جميعهم كما يقاتلونكم جميعكم، فالآية توجب قتال جميع المشركين، نظيره قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة/ 5)، ذلك في غير الأشهر الحرم ما لم يبدأ المشركون بالقتال، فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر، لأنّ الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة المنوط بها حفظ الحرمات، ووقف القوة الشريرة المعتدية، ويشيع الفساد في الأرض والفوضى في النواميس، فرد الإعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ الأشهر الحرم، فلا يعتدى عليها ولا تهان.
(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) هذا هو الداء الشافي والعلاج السليم.. النفير العام، والجهاد الشامل، سنة الله في خلقه، ولن يتخذ لسنة الله تبديلا، أما انصاف الحلول، فخضوع واستسلام للظلم والعدوان، لقد تظاهر الصهاينة والمستعمرون كافة على العرب والمسلمين كافة بلا استثناء، وأقاموا على أرض العرب قاعدة عسكرية لينطلقوا منها للإعتداء على البلاد العربية والإسلامية.
إنّ السبيل الوحيد لاستئصال الداء من جذوره هو ما رسمه الله سبحانه بقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً).
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) الذين تحرروا من الأحقاد والمطامع ووحدوا صفوفهم كافة لقتال عدوهم كافة عدو الله والإنسانية، وفي ذلك تعليم وتذكير وحث على الإتصاف بصفة التقوى، يترتب عليه من الفائدة:
أوّلاً: الوعد الجميل بالنصر الإلهي والغلبة والظفر، فإن حزب الله هم الغالبون.
ثانياً: منعهم من أن يتعدوا حدود الله في الحروب والمغازي، بقتل النساء والصبيان، ومن ألقي إليهم السلام. كما قتل خالد في غزوة حنين امرأة، فأرسل إليه النبي (ص) ينهاه عن ذلك، وقتل رجالاً من بني جذيمة وقد أسلموا فوداهم رسول الله وتبرأ إلى الله من فعله ثلاثا، وقتل أسامة يهودياً أظهر له الإسلام فنزل قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء/ 94).
(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) النسيء مصدر بمعنى الإنساء أي التأخير، والمراد به هنا أنّ المشركين كانوا يؤخرون حرمة شهر كالمحرم إلى شهر آخر. لا حرمة له كصفر، فإذا كان من مصلحتهم أن يقاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا فيه ولم يبالوا، ولكنهم يحرمون بدلاً عنه شهراً آخر من أشهر الحلال، لتكون الأشهر المحرمة أربعة من كل عام (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
وأوضح تفسير لهذا ما نقل عن ابن عباس: إنّهم ما أحلوا شهراً من الحرام إلا حرموا مكانه شهراً من الحلال، وما حرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرام أربعة مطابقة لما ذكره الله وهذا هو المراد من المواطأة:
(زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) كفر المزاولة وكفر الإعتقاد، إنّ العرب كانت تحرم هذه الأشهر الحرام، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل (ع)، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه ولا يمد يده إليه، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية، لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر. فيحرمونه ويستحلون المحرم، فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يعود التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك أي إنساء حرمة المحرم إلى صفر إلا في ذي الحجة.
(زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) الأهواء والأغراض هي التي تعمى صاحبها عن سوء عمله فتريه الشر خيراً، والحسن قبيحاً، ويرون قبح الإنحراف جمالاً، ولا يدركون ما هم فيه من ضلال ولجاج في الكفر بهذه الأعمال.
(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) أي تركهم لما هم فيه بعد اليأس من هدايتهم، حيث ستروا قلوبهم عن الهدى، وستروا دلائل الهدى عن قلوبهم، فاستحقوا بذلك أن يتركهم الله لما هم فيه من ظلام وضلال.
وبتعبير أوضح: كل من سلك طريق الحق فإنّ الله يشمله بعنايته، ويرعاه بتوفيقه: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل/ 128). وهذه العناية من الله بالمتقين تسمى هداية وتوفيقاً وولاية ووكالة من الله وما إلى ذلك.
وكل من سلك طريق الباطل فإنّ الله يعرض عنه، ولا يرده إلى الهداية قسراً ويلجئه إليها إلجاءً، وهذا الإعراض منه تعالى يسمى إضلالاً وخذلاناً وإركاساً وما إليه.
وبكلمة واحدة إنّ الإضلال من الله معناه سلبي، لا إيجابي، ومعنى الهداية منه إيجابي بنحو من اللطف والتدبير.
 
المصدر: كتاب دروس من القرآن

ارسال التعليق

Top