• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

احترام العامل وتقديره

عمار كاظم

احترام العامل وتقديره

لقد كفَل الإسلام لكلِّ إنسان كرامته واحترام شخصيته وإنسانيته، وليس من حقّ أحد أن يوجِّه له الإهانة، أو ينتقص من حقوقه ووجوده الاجتماعي، أو يمسه بسوء، فهو ذات محترمة ومُصانة في الإسلام، حيث قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء/ 70)، وأقرَّ الإسلام مبدأ الأخوَّة بين المؤمنين، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات/ 10). وجعَل المعيار الوحيد للتفاضُل بينهم هو مستوى التقوى، فقال عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلّا بالتقوى».

من ناحية أخرى أعزّ الإسلام الخدم والعمّال ورعاهم وكرَّمهم، واعترف بحقوقهم بعد أن كان العمل في بعض الشرائع القديمة معناه الرقّ والتبعيّة، قاصداً بذلك إقامة العدالة الاجتماعية، وتوفير الحياة الكريمة لهم. وقد دعا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مراراً وتكراراً أصحاب الأعمال إلى مُعاملة الخدم والعمّال مُعاملة كريمة، وإلى الشفقة عليهم، والبرِّ بهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال، بل ارتفع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بدرجة العامل والخادم إلى درجة الأخ. وهذه من مظاهر رحمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التي حفلت بها سيرته وحياته، وامتلأت بها سنّته، فرَحِم الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمرأة والضعيف، واليتيم والفقير، والعمّال والخدم، وجاء بشريعة كلّها خير وعدل ورحمة للعباد، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107).

وإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر بالرحمة العامّة مع الناس جميعاً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الراحِمُونَ يرحَمُهُم الرحمنُ، ارحَمُوا أهلَ الأرضِ يَرحَمكُم أهلُ السماءِ»، فممّا لاشكّ فيه أنّ العامل والخادم من الأشخاص الذين يُختصون بالرحمة والشفقة بمراحل، فينبغي التعامل معهم برحمة وشفقة، ومن ثمّ أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب العمل عدم تكليف العامل أو الخادم ما لا يطيق، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما خفَّفتَ عن خادمك من عملِه، كان لك أجراً في موازينِك». وكذلك أكّد على مجازاة الأجير بكرامة ودون مماطلة بإعطاء حقّه المتفق عليه، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «اعطِ الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه». بهذا يتبيّن ما قرره هذا الدِّين العظيم من حقوق للعمّال وللخدم وحثّه على معاملتهم معاملة طيِّبة تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية وتراعي مشاعرهم وتصون أعراضهم وتجعلهم يقبلون على أعمالهم بجدٍ ونشاطٍ ورغبةٍ ومن دون خجل.. فالخادم إنسان وهو ليس في وضع أدنى من مخدومه، ولذلك يرفض الإسلام كلّ أشكال الإساءة إلى الخدم، كما يدين إهدار حقوق الخادم وحرمانه من ممارسة حياته الاجتماعية والدينية بشكل كامل.

لقد أمر الإسلام بحُسن التعامل مع الخادم ومراعاة مشاعره الإنسانية، فلا يجوز نداء الخادم بلفظ قبيح والتقليل من شأنه بين الناس، ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُسوة حسنة، فقد سمع رجلاً يسب خادمه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: «إخوَانُكُم خَوَلُكُم (خدمكم)، جعلهم الله تحت أيدِيكُم. فَمَن كان أخُوهُ تحت يدِهِ فَليُطعِمهُ مما يأكُلُ وليُلبِسهُ مِما يَلبَسُ. ولا تُكلِّفُوهُم ما يَغلِبُهُم فإن تكلَّفوهم فأعِينُوهُم».

ختاماً، فإنّ من أبرز الأخلاق التي ينبغي على ربِّ العمل الحرصُ عليها، احترام العامل وتقدير كرامته الإنسانية، ومُعاملته بالرِّفق واللين، واجتناب كلِّ سلوك أو تصرُّف يتضمَّن مهانة أو مذلَّة له، وهذا يؤدِّي إلى بثّ الروح المعنوية في نفوس العمّال؛ من حيث حماسهم لعملهم واهتمامهم به وإتقانهم له.

ارسال التعليق

Top