• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الأمن في ضوء القرآن الكريم

علي كرمي

الأمن في ضوء القرآن الكريم

يرسم القرآن الكريم في مجال الآمن وجهة نظر ابراهيم (ع) أبي الموحدين حين بنى الكعبة، فكان أول أهدافه وأمانيه من رب الكعبة هو نعمة الأمن الغالية: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) (إبراهيم/ 35).

ومطمح انظار يوسف (ع) بطل أحسن القصص، يعلمنا أنه من بين كلّ النعم والمواهب الالهية عليه وعلى الموحدين هي نعمة الأمن، حيث: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف/ 99).

والقرآن يشير الى الأمن كموهبة لازمة للحياة الانسانية، ويدعو الناس الى شكر هذه النعمة: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش/ 3-4).

يقول النبي الأكرم (ص): "نعمتان مجهولتان: الصحة والامان".

دائرة الأمن

للأمن فى المنظار التوحيدي بعدان: مادي ومعنوي، كما هو الحل بالنسبة للإنسان، ولكل من هذين البعدين أبعاد وفروع اخرى نستعرضها باختصار.

1- الأمن البدني

يعتبر القرآن الأمن البدني حقاً طبيعياً للإنسان، ويضع لتأمينه ضوابط دقيقة ومحددة بحيث انه يمنع أولاً أعداءه من تهديد أمنه وسلامته، ويحمي ويضمن أمن خلايا البدن واحدة فواحدة، حتى الشعر النامي على البدن. ويقول: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (المائدة/ 45).

2- الأمن الحياتي والنفسي

تعتبر حياة الإنسان وروحه في نظر الإسلام من المحترمات والمقدّسات، وطبيعي ان من حقوق الإنسان تأمين الأمن لحياته.

أ- حرم أولاً بشدة وبشكل قاطع الاعتداء على حياة الإنسان: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) (الإسراء/ 33).

ب- وبعد التحذير والتحريم يقرر القرآن العقاب الدنيوي العادل: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) (الإسراء/ 33).

ج- وحينئذ يقرر العقاب الاخروي الأليم للذين يعتدون على أمن الآخرين وحياتهم: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) (النساء/ 93).

ولا يضمن الإسلام أمن حياة الإنسان من اعتداء الآخرين فقط، بل هو يمنع الإنسان من الحاق الأذى بنفسه كذلك، بانتحار أو اعتداء وخدش لحقّ حياته وسلامته ويقول القرآن في ذلك: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء/ 29).

3- أمن السكن

يعد القرآن المسكن ومحل معيشة الإنسان ممن الأمور المحترمة، ويولي عنايته لضمان أمنها، ويمنع من دخولها لأحد بلا إذن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (النور/ 27).

4- أمن الوطن

الوطن والدولة لشعب معين بمثابة البيت الأكبر له، ويتمع بحق الأمن أيضاً ويجب صونه وحفظه من تعرّض واعتداء القوى الغاشمة والنزّاعة للتسلط على الشعوب. ويشير القرآن الى هذه الحقيقة: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) (البقرة/ 84).

5- أمن الكرامة والعرض

العرض والكرامة لأفراد المجتمع من الأمور التي كانت مورد تأكيد جدي لتعاليم القرآن الكريم، حيث قرر العقاب الأليم للذين يحاولون خدشها بأقوالهم وأفعالهم الظالمة المتمردة. وقد حرم القرآن الغيبة لضمان كرامة الإنسان وسلامة عرضه، وأدان التهمة والافتراء ونهى عن الاستهزاء والسخرية بالآخرين، وحذر من النبز بالألقاب وإلصاق التهم والتكفير للآخرين.

يقول الرسول الأكرم (ص): "ان الله حرم على المسلم دمه وماله وعرضه...".

6- الأمن المالي والاقتصادي

يحمي القرآن الأمن الاقتصادي والمالي للإنسان، حيث ان المكتسبات المالية والاقتصادية لأي فرد في حال اكتسابها من الطرق المشروعة والعادلة، هي ثمرة سعيه وأتعابه وجزءً من وجوده، حيث انه نالها بصرف طاقته وعمره ورأسماله البدني والروحي والفكري، وفي الواقع فإن الاعتداء على اموال الفرد أو المجتمع هو اعتداء على ذلك كله.

وقد خطى القرآن خطوات واسعة في مجال حفظ الأمن الاقتصادي:

     أ- حذّر أولاً من أكل اموال الناس بالطرق غير المشروعة: (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (النساء/ 29).

ب‌-  وبعد هذا التحذير يأمر الجميع بالعدل الاقتصادي والقسط في الكيل والوزن في روابطهم الاقتصادية والتجارية والصناعية وفي انجاز العقود وأمور العمل: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (النور/ 85).

ح- ويذكر القرآن أيضاً بالعقاب الاخروي: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ).

د- وفي المرحلة الأخيرة يضع القوانين الجزائية العادلة لضمان الأمن الاقتصادي، وينذر الذين يهددون بسرقاتهم وغاراتهم الامن الاقتصادي للفرد أو المجتمع: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).

ص- حق الدفاع واحد من الحقوق العامة في نواحي الخلقة.

تحافظ جميع الموجوات الحيّة من نبات أو حيوان أو إنسان، في ضوء قواها الدفاعية على حياتها ووجودها من الاخطار عن جهة، وتحاول من جهة اخرى دفع العقبات التي تعارض تقدمّها، وتحل المشاكل التي تواجه حياتها.

القرآن وحق الدفاع

يعتبر حق الدفاع من وجهة نطر القرآن حقاً طبيعياً للفرد والمجتمع، يقول القرآن الكريم: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (الحج/ 39).

 

المصدر: مجلة رسالة القرآن

ارسال التعليق

Top