• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الأُسرة المصدر الأوّل لتعلّم القيم والفضائل

عمار كاظم

الأُسرة المصدر الأوّل لتعلّم القيم والفضائل

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النِّساء/ 1). القرآن الكريم يوجه انظارنا إلى أصل خلق الإنسان من أُسرة واحدة -آدم وحواء- ثمّ نشأ عن ذلك الأصل الأُسرة، فلابدّ لنا أن نتراحم ونتواصل من أجل بناء المجتمع الفاضل وليكون دافعنا لذلك هو التقوى.

إنّ مجتمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قوياً صامداً في وجه كلّ الأخطار المحدقة وكلّ أوجه الصراع التي عاشتها الأُمّة الإسلامية آنذاك وإذا رجعنا قليلاً إلى الأُسرة المسلمة في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أنّها كانت من أقوى الأُسر في صمودها وقيامها بدورها الرسالي تجاه أبنائها، فها هي أسرة الإمام عليّ (عليه السلام).. تلك الأُسرة النموذجية أُسرة الإمام عليّ (عليه السلام) تعيش في أشدّ الظروف صعوبة حتى تصل إلى الموت ولكنّها تبقى الأُسرة المعطاءة.. تعطي.. وتؤثر ذلك العطاء على نفسها. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً) (الإنسان/ 8-9).. وكان نتاج هذه الأُسرة: الحسن والحسين (عليهما السلام) سيِّدا شباب أهل الجنّة.

إنّ أمثال تلك الأُسر هي التي كوّنت ذلك المجتمع القوي الصامد أمام كافة متغيرات الحياة.. فالمجتمع الفاضل لا يكون إلّا بوجود الأُسرة المسلمة التي تستقي منهلها ومنطلق عملها من الأوامر الربّانية بعيداً عن المادّة ولتكون المعهد الذي يُربى فيه الفرد الرسالي ولتكون منبت الإيمان ومزرعة التقوى وحقل الأخلاق الفاضلة، إنّ الأُسرة بالنسبة للمجتمع كمثال المعهد الذي يُخرّج الأفراد المتدربين.. إنّ الأُسرة إنّما هي معهد يُخرّج الجيل الذي يشحذ إرادته ويقاوم هواه فيقتحم ساحة المعركة دفاعاً عن الوطن، وهو الجيل الذي يبذل ماله ونفسه وجهده في سبيل خدمة أفراد المجتمع وتنمية اقتصادهم.

الأُسرة هي الدائرة الأولى التي نتعلّم فيها الحياة، نتعلّم فيها بداياتها، نحن نعيش في داخل وجودنا الطاقات التي تتهيّأ لتتحرّك وتنظّم واقعها، ولكنّنا نحتاج أن نتعلّم كيف نأكل ونشرب وندير حياتنا. والأُسرة هي المدرسة الأولى الطبيعية والإنسانية التي لا يتعلّم فيها الإنسان بالكلمات، ولكنّه يتعلّم من خلال روح هنا وقلب هناك وحضن هناك وانفتاح هنالك، إنّنا نتعلّم الحياة من خلال الأُسرة، والإنسان الذي يفقد أُسرته، قد يعيش وقتاً طويلاً في أُميّة حياته، قبل أن ينطلق ليكون أُميّاً أو غير أُميّ في القراءة والكتابة. لذلك، كانت مسألة الأُسرة تمثّل المحصن الذي تنمو فيه حياتنا نمواً طبيعياً يعيش فيه الإنسان حاجته إلى الحنان والعاطفة غذاءً روحياً كحاجته إلى الطعام والشراب غذاءً مادّياً.

قضية الأُسرة هي قضية تفاعل إنساني، يبدأ فيه الإنسان عندما يصير زوجاً وزوجة، فالعلاقة الزوجية هي المرحلة الأولى لبناء الأُسرة، وعندما ينطلق الإنسان في المسألة الزوجية، فإنّه يشعر بأنّ هذا الفراغ الذي يعيشه في داخله، وهذا القلق الإنساني الذي يتحرّك في عقله وقلبه، لم يعد موجوداً. فنحن نعتبر أنّه على الرغم من أنّ كلّاً من الرجل والمرأة مخلوق مستقلّ عن الآخر، إلّا أنّ المعنى الإنساني الذي يمثّله الرجل والمرأة معاً، يتكامل في طبيعة هذه الزوجية لتتكلل هذه العلاقة المقدّسة بتكوين أُسرة حاملة لكلّ القيم والفضائل.

ارسال التعليق

Top