• ٢١ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ١١ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإحسان إلى المشتري

أسرة

الإحسان إلى المشتري
تنويه: المشتري هو الزبون، أو المُتبضِّع، أو المشتري لأيّة حاجة من بائعٍ أيّاً كانت بضاعه. 1- الإحسان إلى المشتري في القرآن الكريم: الإحسان إلى المشتري يكون بعدم بخسه حقّه، أي أن يُكال أو يوزَن له أو يُباع له بالحقِّ لا بالظلم والباطل والإنقاص أو الغشّ والتدليس، وأن لا يُغبَن بالسِّعر: قال تعالى: (وَيلٌ لِلمُطَفِّفِينَ * الذينَ إذا اكتالوا على الناسِ يَستَوفونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * ألا يَظُنُّ أولئِكَ أنّهُم مَبعُوثُونَ * لِيَومٍ عَظِيمٍ * يَومَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ) (المطففين/ 1-6). إنّ ميزان الإحسان بالنسبة للزبون أو المشتري – كما يُحدِّده القرآن – هو أن تعامل الناس بما تحبّ أن يعاملوكَ به، والمعيار في ذلك العدالة.   2- الإحسان إلى المشتري في الأحاديث والروايات: أ) التفقُّه في البيع والشراء والتجارة عموماً، ففي ذلك إحسان للبائع والمُبتاع: يقول الإمام علي (ع): "يا معشرَ التجّار، الفقه ثمّ المتجر، الفقه ثمّ المتجر، الفقه ثمّ المتجر". ب) الرِّفق بالمشتري بالتحلِّي بآداب التاجر الملتزم: ويوصي (ع) التجّار، بالتعاليم والإرشادات التالية: 1- تبرّكوا بالسهولة. 2- اقتربوا من المُبتاعين. 3- تزيّنوا بالحلم. 4- تناهوا عن اليمين (الحلف أو القَسَم لتمشية البضاعة وابتغاء تصريفها). 5- وجانبوا الكذب. 6- وتجانوا (ابتعدوا) عن الظلم. 7- وأنصفوا المظلومين (الذين ظلمهم الباعة إمّا ببيع رديء فيه عيب أو بسعرِ فاحش). 8- ولا تقربوا الرِّبا. 9- (أوفُوا المِكيالَ والمِيزانَ وَلا تَبخَسُوا النّاسَ أشياءَهُم وَلا تَعثَوا في الأرضِ مُفسِدِينَ). ت) إرجاع ما اشتراه إذا تبيّن عدم صلاحيته، أو بانَ عيبه، أو غلاء ثمنه، وهذا ما يُسمّى بـ (الإقالة): قال رسول الله (ص): "مَنْ أقالَ مسلماً، أقالهُ الله عثرته". أي مَنْ أقاله بيع ندامة، اشترى شيئاً ثمّ ندم وأراد إرجاعه حتى إذا لم يكن فيه عيب. ث) أن يزيد للمشتري في ميزانه، أي أن يُرجح الميزان ولا يساوي كفّتيه: كان رسول الله (ص) يقول للباعة والتجّار: "يا وزّان، زِنْ وأرجح". ومرّ الإيمان علي (ع) على جاريةٍ قد اشترت لحماً من قصّاب، وهي تقول: زِدني، فقال له أمير المؤمنين (ع): "زِدها، فإنّه أعظم للبركة"! إنّ معنى أوفوا الكيل أن يرجح الميزان. يقول (ع): "لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان". ج) أن تقبل كبائع المُماكسة (المُفاصلة) من المشتري، فهو لا يريد أن يُغبن في ماله: قال الإمام الباقر (ع): "ماكِس المشتري (البائع)، فإنّه أطيب للنفس وإن أعطى الجزيل، فإنّ المغبون في بيعه وشرائه غير محمود ولا مأجور".   3- الإحسان إلى المتشري في الأدب: يقول (ستيفنسون): "البيع بثمنٍ مُرتفع ليس خطيئة في شيء، إنّما الخطيئة هي في الغشِّ بالموازين والمكاييل". وقد لا يكون الثمن المرتفع والسعر العالي الغالي خطيئة، لكنه خلاف المروءة والمعروف، أي اكسب من بضاعتك ربحاً ولكن لا ينبغي أن يكون فاحشاً. وفي الأمثال العربية: "هل يُعقَل أن يقول بائع الزيت إنّ زيته عكر؟!". قد لا يُعقل، ولكنّ الإنصاف يقتضي إخبار المشتري أو الزبون المُبتاع أنّ هناك زيتاً صافياً وآخر معتكراً ولكلٍّ سعر، فيُخبِّرهُ بين الإثنين: أمّا أن يبيع الزيت العكر بسعر الزيت الصافي، أو يعتبر العكر صافياً، فهذا من الكذب والتدليس والغشّ، وهو خلاف الإحسان للمشتري. ولابدّ للمشتري أن يُحسن إلى نفسه وإلى أمواله بأن يتحرّى الجودة والسلامة، ولذلك جاء في الأمثال الكورية: "لا تشترِ بأذنيكَ، بل بعينيك". وفي الدانمارك، يقولون: "مَنْ لا يفتح عينيه عندما يشتري، عليه أن يفتح محفظة نقوده عندما يدفع الثمن"!   4- برنامج الإحسان إلى المشتري: تتحدّث كتب الفقه عن الإحسان إلى المشتري على ضوء الأحاديث الواردة في ضرورة الإحسان إليه، كأن يُقال النادم، بمعنى أنّ المشتري إذا ندمَ على ما اشتراهُ وأراد ردّه، فإنّه يُستحبّ للبائع أن يردّه. ويُستحبّ للبائع أن يأخذ لنفسه ناقصاً ويُخفِّض السِّعر ويُقلِّل الثمن، ويُعطي زائداً، يزيد في الكيل والوزن. والإحسان بين البائع والمشتري متبادَل، فكما لا يصحّ للبائع أن يمدح السلعة التي يبيعها، لئلا ينخدع المشتري بها، فكذلك لا يصحّ للمشتري أن يذمّ السلعة التي يُريد أن يشتريها بغية تنقيص سعرها فيخسر البائع. ومن الإحسان إلى الإنسان المؤمن أن لا يُضاعِف عليه السِّعر، حيث يُكره الرِّبح عليه زائداً على مقدار الحاجة، وهذا من دواعي اللطف والإنسانية والمحبّة التي تُقوِّي الثقة والعلاقة بين المؤمنين. وتفيدنا كتب الفقه أيضاً، أنّه يُكره الرِّبح على الموعود بالإحسان، فإذا قالَ البائع لأحد الناس: إذا اشتريتَ منِّي أُحسِن إليك، يُكره حينئذٍ أخذ الرِّبح منه، لأنّه وعده بالإحسان. فتأمّل في الإخلاص في الإحسان، الذي يُريد له المُشرِّع الإسلاميّ، وهو ضمناً المُربِّي الإسلاميّ، أن لا يكون لقاء شراء بضاعة أو سلعة أو حاجة معيّنة، بل لابدّ أن يكون خالصاً صِرفاً لوجه الله، لا يُنغِّصهُ ولا يُكدِّرهُ أيّ مأرب أو مطلب آخر. أخيراً، نُذكِّر بالإحسان إلى المشتري بما قاله رسول الله (ص): "السماح وجهٌ من الرّباح"، أي أنّه لونٌ من ألوان الرِّبح، ومَنْ يربح على الله خيرٌ ممّن يربح على عباده. ويقول (ص): "غفرَ اللهُ لرجلٍ من قبلكم كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى"!  

ارسال التعليق

Top