• ٢ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإسلام الراعي الأول لحماية البيئة

عمار كاظم

الإسلام الراعي الأول لحماية البيئة

الله سبحانه وتعالى خلق الكون بدقه بالغة، وإتقان وبقدر معلوم وأبدع سبحانه وتعالى في خلقه، وأحسن تشكيله وتنظيمه، قال تعالى: (وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل: 88)، وقال تبارك وتعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، وقال عزّوجلّ: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (السجدة: 7). كما أنّه سبحانه تعالى خلق الإنسان واستخلفه في الأرض لإعمارها والمحافظة عليها، وليس للإفساد قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، وقال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة: 60). وأوجد سبحانه وتعالى بين الإنسان والبيئة المحيطة به ترابطاً، لا يمكن التخلي عنه ودعاه لحمايتها وإعمارها، ونهاه عن العدوان عليها، وبما أنّ هناك علاقة متبادلة بين الإنسان والبيئة، فبقدر ما تؤثِّر البيئة على الإنسان، فإنّ لهذا الإنسان أثر على البيئة. ودعانا الإسلام إلى التعاون الذي هو مبدأ لحماية البيئة. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ) (المائدة: 2) فتدعو الآية الكريمة إلى التعاون والإصلاح، وتنهي عن العدوان على الطبيعة والحياة.

كما أمرنا سبحانه وتعالى أن نتعامل مع البيئة من منطلق أنّها ملكية عامّة يجب المحافظة عليها من ثروات وموارد ومكونات ويدعونا إلى إدارتها إدارة رشيدة. قال تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف: 56). وقال تعالى: (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ) (البقرة: 211)؛ وذلك لأنّ مَن أنعم الله عليه بنِعمة دينية أو دنيوية، فلم يشكرها ولم يقم بواجبها، اضمحلت عنه وذهبت، وأمّا مَن شكر الله سبحانه وتعالى وقام بحقّها فإنّها تثبت وتستمر ويزيده الله منها، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان واستخلفه على الأرض، ومعنى الاستخلاف: أنّ الأرض أمانة وتستوجب الأمانة حمايتها والمحافظة عليها، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15) أي أنّ الله سبحانه وتعالى سخَّرَ لكم الأرض، وذللها؛ لتدركوا منها كلّ ما تعلقت به حاجتكم من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية والبلدان الشاسعة.

لقد حثت السنة النبوية الشريفة على حماية البيئة ومكونتها ونهت عن الإضرار بها بأي شيء، فإنّ الضرر في الإسلام ممنوع في جميع صُوَره وأشكاله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار». كما أنّ رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) طالبنا بإماطة الأذى عن الطريق، والأذى يشمل بالضرورة كلّ أنواع الأذى، وجعل إماطة الأذى من الإيمان، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». واهتمت السنة اهتماماً بالغاً بالغرس والتشجير وتخضير الأرض، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلّا كان له به صدقة»، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».

ختاماً، الشريعة الإسلامية شمولية للبشرية جمعاء، وهي المنهاج الوحيد الذي يصلح للحياة المستقرَّة والسَّليمة في كلِّ مكانٍ وزمان. وبما أنّ الله عزّوجلّ جعل الإنسان خليفة في الأرض وهذا يعني أنّ الإنسان مسؤول ووصي على الأرض، وليس مالكاً لها يتصرّف فيها بأنانية ويدمرها من أجل مصالحه الذاتية المؤقتة.. فالإنسان في الإسلام مُستخلَف على الأرض واستثمار خيراتها والمحافظة عليها واجب، وهذا يفرض عليه أن يتصرّف فيها تصرّف الأمين والمسؤول عنها، وأن يتعامل معها برفق وأسلوب رشيد من أجل مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة.

ارسال التعليق

Top