• ١ نيسان/أبريل ٢٠٢٠ | ٧ شعبان ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإمام السجّاد (عليه السلام).. مؤسِّس ثقافة حقوق الإنسان

عمار كاظم

الإمام السجّاد (عليه السلام).. مؤسِّس ثقافة حقوق الإنسان

الإمام السجّاد (عليه السلام) ترك شيئاً مهمّاً جدّاً لكلِّ الأجيال وهي «رسالة الحقوق»، هذه الرسالة العظيمة التي يتحدّث فيها الإمام عن الحقوق المهمّة للناس، وعن ثقافة الحقوق قبل أن يتحدّث العالم عن وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام ۱۹۴۸م بمئات السنين ممّا يوضح لنا الرؤية العميقة للإمام السجّاد (عليه السلام) عن حقوق الإنسان.

وتعدّ رسالة الحقوق للإمام السجّاد (عليه السلام) من أهم الآثار التي وصلت إلينا بعد الصحيفة السجّادية، حيث يبيّن فيها الإمام وظائف الإنسان وواجباته تجاه الله سبحانه وتعالى، وتجاه نفسه والآخرين. إنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يُعدّ مؤسِّساً لثقافة حقوق الإنسان، فهو أوّل مَن وضع رسالة لحقوق الإنسان قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، وذلك لإدراكه أهميّة احترام حقوق الإنسان، وأنّها تشكّل المنطلق لبناء نظام اجتماعي متماسك، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان سلامة العلاقات الفردية والاجتماعية في إطار من الاحترام المتبادل، والتسامح تجاه الآخر، والقبول بالرأي المخالف.

نشر ثقافة الحقوق بين الناس من الأُمور المهمّة والملحّة، لما يتركه ذلك من آثار إيجابية على السلوك الفردي والاجتماعي، بما يؤسِّس لثقافة التسامح واللين في التعامل مع الرأي المخالف، أمّا غياب ثقافة حقوق الإنسان فيؤدِّي إلى شيوع التعصُّب والتشدُّد والتطرُّف، في حين أنّ معرفة حقوق الذات، فضلاً عن حقوق الآخر يؤدِّي إلى سيادة القانون، ونموّ ثقافة الاحترام والتكريم للإنسان، تطبيقاً لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء/ 70)، فالآية الشريفة تشير إلى تكريم الإنسان بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو لونه أو عرقه.

وقد امتازت وثيقة «رسالة الحقوق» للإمام السجّاد (عليه السلام) بأنّها تطرّقت إلى حقوق أكثر ممّا هو مدوّن في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ إذ اشتملت رسالة الحقوق على خمسين حقّاً، وفي رواية أُخرى على واحد وخمسين حقّاً، في حين أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يتجاوز ۲۹ مادّة، كما أشارت رسالة الإمام الحقوقية إلى حقوق تجاهلتها الوثائق الدولية لحقوق الإنسان، كحقّ الله سبحانه وتعالى بالنسبة لعبده، وهي أكبر الحقوق؛ بل أصلها. ثمّ أشار الإمام السجّاد (عليه السلام) إلى حقوق الإنسان المفروضة من الله تعالى تجاه نفس الإنسان، وأنواع علاقة الإنسان بنفسه من خلال رؤية الإسلام لذلك.

إنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق بيّن أهميّة احترام حقوق الإنسان، وأنّها تشكل المنطلق لبناء نظام اجتماعي متماسك، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان سلامة العلاقات الفردية والاجتماعية في إطار من الاحترام المتبادل، والتسامح تجاه الآخر، والقبول بالرأي المخالف. ونلاحظ أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) قد ختم رسالته الحقوقية بحقوق أهل الإسلام، وإن اختلفوا في مذاهبهم وآرائهم ومرجعياتهم الفكرية.. فلكلِّ مُسلِم أن يمارس عباداته وشعائره ومعتقداته بحسب مذهبه. ثمّ بحقوق مَن يشترك مع الإنسان في الأرض الواحدة والنظام السياسي الواحد، وإن اختلف معهم في الدِّين، لكنّهم يشتركون في الإنسانية، وفي النظام السياسي الواحد، فلهم حقوق المواطنة، ولهم حرّية ممارسة شعائرهم الدينية، دون أن يدعوا المسلمين إليها.

وتشكّل هذه الرسالة الحقوقية وثيقة تاريخية أكثر من هامّة وهي بحاجة للمزيد من الدراسة والتحليل، وفيها دلالة عميقة على تقدُّم فكر أهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم الربّاني. إنّ علينا أن نستفيد من رسالة الحقوق بأن نعطي اهتماماً أكبر بمسألة حقوق الإنسان، ونعمل على نشر ثقافة الحقوق بين الناس، حتى يعلم كلّ شخص حقوقه وواجباته الفردية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية بما يحقّق العدالة الاجتماعية للجميع.

ارسال التعليق

Top