• ٢٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٢ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الاستقلال الفردي والاجتماعي

الشيخ مسيح مهاجري

الاستقلال الفردي والاجتماعي

حينما يدور الحديث عن استقلال الإنسان، فإنه يشمل –بالطبع- الاستقلال الفردي والاجتماعي -على حد سوا- ذلك الاستقلال الفردي والاجتماعي يرتبط أحدهما بالآخر. فالمجتمع البشري يتألف من الأشخاص، وبديهي أنَّ الأشخاص، المستقلين يشكلون المجتمع المستقل، فيما يشكل الأشخاص غير المستقلين مجتمعاً غير مستقل.

ولا يمكن اعتبار الأشخاص غير المستقلين في مجتمع مستقل، كما لا يمكن اعتبار أشخاص مستقلين في مجتمع يفتقد الاستقلال. لذلك يجب أن نأخذ -بصفة مطلقة- في مبحث الاستقلال من وجهة نظر الاسلام، كي تشمل الدراسة الجارية: الفرد والمجتمع والسوء.

 

الإنسان كيان رفيع الشأن:

يبين الإسلام موضوعات عن الإنسان بصورة مطلقة تدل على بلوغ أعلى درجات السمو. فالقرآن الكريم يعرِّف الإنسان، سواء في مرحلة الخلق، أو ما بعدها، على أنه موجود متفوق على كافة المخلوقات الأخرى، التي وجدت من أجله، وأنه لا يخضع ولا يخشع أمام أي مخلوق منها.

إنَّ الإنسان -من وجهة نظر القرآن الكريم - موجود رفيع المستوى، يطيع الله سبحانه وتعالى وينَّفذ أوامره، وإنَّ جميع المخلوقات الأخرى خُصِّصت له، لاستثمارها في تيسير معيشته وسلوك الطريق الذي سنَّه الله له - جلَّت قدرته - في إطار الخلق.

يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حول تفوَّق الإنسان على بقية المخلوقات:

"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ ".

وحين يروي قصة خلق الإنسان، يشيد بهذا الكيان المتميَّز والرفيع. يقول سبحانه وتعالى:

"....فتبارك الله أحسنُ الخالقين ".

وإشارة إلى أنَّ جميع المخلوقات قد خُلِقَت من أجل الإنسان، ليستثمرها ويتصرف بها، يقول القرآن الكريم:

"وسخَّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون ".

ولم يكتف الله تعالى بذلك، إذ يعرف الإنسان من ناحية السيطرة على النفس، بنحو لا يقع تحت هيمنة الشيطان ويردَّ الله على الشيطان -إذ يتوعد بإضلال العباد - فيقول:

"قال: ربِّ بما أغويتني لأُزيِّننَّ لهم في الأرض ولأغوينَّهم أجمعين ".

يرده تعالى بقوله:

"إنَّ عبادي ليس عليك عليهم سلطانٌ إلاَّ من اتبعك من الغاوين ".

والأهم من كل ذلك، مسألة الخلافة الإلهية، التي يختار الله سبحانه وتعالى الإنسان لهذه الرسالة الكبرى، فيخلقه ليكون خليفته في الأرض، ويجيب الملائكة على استغرابهم بثناء لم يحظ به قبل الإنسان أحد، قال تعالى:

"وإذ قال ربك للملائكة إنَّي جاعلٌ في الأرض خليفةً، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحنُ نسبِّح بحمدك ونقدّس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون ".

حيث تدل عبارة "إني أعلم ما لا تعلمون " على أسرار وجود الإنسان، وعظمة هذا الكيان وأهميته، بحيث يحصر الله سبحانه وتعالى العلم والإطلاع على القضايا التي تخصُّه به فقط، مميزاً الإنسان لخصيصة الخلافة في الأرض، ثمَّ يرد سبحانه وتعالى على احتجاج الملائكة قائلاً:

"فإذا سويَّته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين ".

هذه الآيات التي هي جزء من الآيات المتعلقة بالإنسان، تظهر-بجلاء-أن الإنسان-في عالم الخلق- أسمى المخلوقات، لا يطأطئ رأسه لأي شيء سوى الخالق سبحانه. وهذا يعني استقلالية الإنسان، التي تشير إلى منطق الإنسان المطلق، الفرد والمجتمع.

 

ولاية الناس على بعضهم:

استقلال الإنسان وتفوَّقه على مخلوقات العالم قاطبة، أمر بديهي لا يقبل النقاش -وفي نفس الوقت- فإنّ العلاقات بين الناس -وبحكم الخلق والشريعة- تجعل بعضهم أولياء على البعض الآخر، حسب تعبير القرآن الكريم:

"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءٌ على بعضٍ....".

"....وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...".

(إنَّ مسألة ولاية الناس على بعضهم -مع الاحتفاظ بصيانة ولاية المؤمنين من الانحراف وإبقائها في إطار الإرادة الإلهية- هي نوعٌ من تطبيق الإرادة الإلهية، وإطاعة أوامر الله...)

الأولى:

ولاية الناس على بعضهم تدخل في إطار الإيمان فقط. وبوسع المؤمنين- وحدهم- أن يكونوا أولياء بعضهم على البعض الآخر، ونشير- بهذا الخصوص- إلى عبارة "المؤمنون والمؤمنات ".

لذلك لا يمكن للكفار والمشركين أن يكونوا أولياء على المؤمنين.

والقرآن الكريم يذكر هذه المسألة بصراحة:

"....ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ".

الثانية:

لا تتنافى ولاية بعض المؤمنين على بعض الآخر مع استقلال الإنسان أبداً، ذلك أنَّ هذه الولاية تتم على امتداد ولاية الله وحكمه -وليس خلالها- فالإسلام -وبحكم الضرورة- يضع أحكاماً في نطاق العلاقات بين الناس –أنفسهم- لإدارة المجتمع، يطيع المسلمون بموجبها -ووفق شروط خاصة- أولئك الذين يتمتعون بخصائص الولاية وبما أن هذه الطاعة مقبولة في إطار الأحكام الإسلامية فقط، فإنها -في الحقيقة- طاعة الله لا لسواه، لذلك، فإنَّ أحد خصائص أصحاب الولاية هي معرفة أحكام الإسلام، وثانيتها التحلي بالعدالة. فإذا لم تتوفر هاتان الخصيصتان، لا تحصل الولاية. وبزوال حداهما تزول الولاية.إذن، فإنَّ مسألة ولاية الناس على بعضهم -مع الاحتفاظ بصيانة ولاية المؤمنين من الانحراف، وإبقائها في إطار الإرادة الإلهية -وهي نوع من تطبيق الإرادة الإلهية، وإطاعة أموار الله، والسبيل إلى حفظ استقلال الإنسان.

 

الروح أساس حياة الإنسان:

لا يتشكل الإنسان من مجموعة أنسجة فقط لموجود حي، تنشط عناصره بعوامل فاعلة خاصة،ففي ذات هذا الجسم -علاوة على ما هوظاهر ومرئي- هناك شيءٌ آخر اسمه "الروح" تتوقف عليه حياة هذا الجسم وحركته على حلولها فيه.

وفي الوقت الذي يولي الإسلام أهمية لجسم الإنسان، فإنه يمنح الأصالة للروح أيضاً. وقبل أن تنفخ الروح في جسم الإنسان لم يكن أهلاً لسجود الملائكة له، ولكن بعد أن نفخت الروح في جسمه، بات يحظى بدرجة من الأهمية بحيث أُمرت أشرف المخلوقات -أي الملائكة- بالسجود له، وتوقيع وثيقة شرفه (سموَّه):

"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ".

والمسألة المهمة هيأن الله سبحانه وتعالى ينسب الروح إلى نفسه، حيث يقول:"....ونفخت فيه من روحي..." وهذا الامتياز لم يحظَ به أي من المخلوقات.

وقد تكمن أهمية وعظمة ذلك، في أن الروح، كانت –ومازالت- غامضة على البشرية، وإنَّ علم البشر لدرجة من الضآلة بحيث لا يستطيع الوقوف على مكنون (الروح)، كما جاء في قوله تعالى:

"ويسألونك عن الروح، قل الرُّوح من أمر ربي وما أُتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ".

وأحد الأدلة على أصالة الروح، هو أن عماد وجود الإنسان يرتبط بالروح، فالله تعالى يبيِّن هذا في القرآن الكريم بكلمة (توفِّي) بواسطة ملك الموت، حين يقول:

"قُل يتوفاكم ملك الموت الذي وكِّل بكم...".

التوفِّي: بمعنى الأخذ والدفع نحوالعلو، وهوما يتعلق –بالتأكيد- بالروح وليس بالجسم. إذن، يثبت لنا بأنَّ عماد وجود الإنسان يرتبط بالروح، وأنَّ مصدر جميع الفعاليات والتحركات هي الروح، وأنَّ الواجبات الشرعية والأخلاقية تقيِّم الروح، وإنَّ الواجبات الشرعية والأخلاقية تقيِّم بالروح أيضاً.

 

جذور استقلالية الإنسان:

إنَّ أهم خصيصة في الإنسان والتي ترتبط بروحه وبوجوده، هي اعتقاده بالمبدأ والمعاد إذ أنَّ الإيمان بهما يعتبر منشأ كافة الفروق القائمة بين الرؤية التوحيدية والرؤية المادية، ففي القرآن الكريم توجد 26 آية تخُّص الإيمان بالله وباليوم الآخر في تبيين خصائص المؤمنين وأوجه تباينهم مع الآخرين.

والفرق بين الإنسان المؤمن بالمبدأ والمعاد، وبين من لا يؤمن بهما، هوأنَّ الأول يرى نفسه ملتزماً بأحكام الله والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، ويعمل بها ويطبقها، أمَّا الثاني فلا يتمسك بها، ويستخلص كل شيء في إطار المادة. وبالنتيجة فإنَّ أساس الأخلاق يقوم على قبول شيء يفوق المادة والعناصر المادية الفاعلة، وهذا الشيء هو "المبدأ والمعاد" من وجهة نظر الإسلام.

(لا يتشكل الإنسان من مجموعة أنسجة فقط لموجود حي، تنشط عناصره بعوامل فاعلة خاصة، ففي ذات هذا الجسم -علاوة على ما هوظاهرٌ ومرئي- هناك شيءٌ آخر اسمه "الروح " تتوقف حياة هذا الجسم وحركته على حلولها فيه ).

إنَّ الإيمان بالمبدأ والمعاد هومصدر استقلالية الإنسان عن المادة والمظاهر المادية، كالقدرة، والشهوة، والثروة، والسلطة وما شاكلها، فالإنسان المؤمن بالمبدأ والمعاد لا يخضع لغير الله، ويحفظ استقلاله في كل المجالات على الدوام.

"الذين يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاَّ الله وكفى بالله حسيباً ".

إذن تكمن استقلالية الإنسان في إيمانه بالله واليوم الآخر ومدى تغلغل جذور هذا الإيمان في أعماقه.

ومن الواضح...بعد شرحنا (استقلال الإنسان من وجهة نظر الإسلام ) أنَّ الاستقلال -بمعناه الحقيقي- خاص بالموحدين. ومن ناحية أخرى -ونظراً لقلة الموحدين من بين أتباع الأديان السماوية الأُخرى في عالمنا اليوم- يمكن التوصَّل إلى النتيجة التالية، وهي أنه يجب البحث عن الاستقلال الحقيقي -في معظمه- لدى المسلمين.

وفي نفس الوقت، وبما أن المؤمنين بالمبدأ والمعاد مازالوا موجودين بين أتباع الأديان السماوية الأُخرى -إلى حدٍّ ما- فمن الأفضل أن لا نحدد استقلال الإنسان في الدائرة التي تخص المسلمين. فالأديان السماوية الكبرى اليهودية والمسيحية كانت تؤمن بالمبدأ والمعاد في تعاليمها الأساسية -بوصفها القاعدة الأساسية لمعتقداتها- ويمكن العثور في الإنجيل والتوراة على ما يشير لهذه المسألة لكن بما أنَّ هذه الأديان تعرَّضت للتحريف، فقد أُهمل هذا المبدأ أيضاً بصورة فعلية.

والآن فإنَّ جميع الحركات والآراء لدى أتباع الأديان اليهودية والمسيحية تقوم -مثل المذاهب المادية- على أساس الماديات، رغم أنه يلزم استثناء عدد ضئيل من أتباع هذه الأديان السماوية، بسبب التزامهم بالمبدأ والمعاد لحد الآن، ومراعاتهم –حقاً- للمبادئ الأخلاقية والإنسانية، واحتفاظهم باستقلالهم.

ورغم أنَّ هؤلاء الأفراد معدودين جداً، فمع ذلك يسعون للحفاظ على استقلالهم الفردي في عالم تسوده الفوضى وأنواع التبعيات للظواهر المادية، ذلك أن المجتمع الذي يعيشون فيه تابعٌ كل التبعية.

إنَّ إرادة الله قامت على منح الإنسان الكرامة والعزة والاستقلال والسعادة، إلاَّ أنَّ الإنسان المعاصر -وبسبب انجرافه في متاهات الظواهر المادية- ضرب عرض الحائط كل ما أراد الله له واختار البؤس والتبعية ولشقاء.

والإنسان الذي يعتبر نفسه اليوم حضارياً -على وجه الظاهر- فإنه ورغم التَّقدم الذي أحرزه في المجالات المادية يعاني العزلة والحرب وإراقة الدماء والصراعات العميقة إلى حدٍّ كبير.

وإذا جعلنا التقدم المادي ملاكاً للمدنية، فإنَّ وجود الملايين من الجياع والعاطلين وممن يئنون تحت وطأة الظلم والحرمان والاستضعاف في عالمنا اليوم، هوأكثر الوثائق أهمية لإدانة هذه المدنية والتبعية للإنسان المعاصر.►

 

المصدر: مجلة التوحيد- العدد الثالث عشر لسنة 1405 هـ.ق

ارسال التعليق

Top