• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

البنية القرآنية وشخصية المسلم

فاخر الموسوي

البنية القرآنية وشخصية المسلم
"إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن" الامام علي (ع).
لا يجادل أحد في كون القرآن الكريم هَدى أمةً وصنع تاريخاً، كما لا جدال في أنّ العلاقة التاريخية بين الشعوب المسلمة قائمة ومستمرة على أسس وضعها القرآن، وليس هذا استنتاجاً بل إنّ الرسول الكريم (ص)، وهو يرحل عن هذا العالم أهاب بالأُمّة أن تتمسك بالقرآن، كما دأب أهل البيت (ع) على حث الناس على ذلك، وجعلوا التمسك بالقرآن، ضماناً لهذه الأُمّة من الضلال ما بقيت.
من جهة أخرى، واجه القرآن حركة مضادة جعلته هدفاً لحملاتها، فالقرآن منذ نزوله على الرسول (ص)، استُهدف بشكل خاص من قبل القرشيين، وغيره من مشركي الجزيرة، وكانت هناك حرب باردة محورها القرآن في مستهل نزوله المبارك. وانّ الإنسان ليعجب عندما يرى أنّ هذه المعركة لها نفس الملامح عندما تثار طيلة قرون طويلة، حتى يومنا هذا ويكون القرآن هدفها، فينتهي إلى أن هذه الاستماتة اليائسة ضد القرآن انما هي دليل قوة وعظمة الشخصية القرآنية.
كان هدف تعليمات القرآن الأوّل هو صياغة الرؤية الكونية للإنسان المسلم، وقد نفذ الرسول الكريم ما أراده الوحي باعتباره المبلِّغ للرسالة الإلهية والمعلم للمسلمين الذي بعث "في الأميين ليعلمهم الكتاب والحكمة". أو يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وكثيراً ما ذكر لنا تاريخ السيرة، محاولات إرشادية من قبل الرسول لجعل رؤية المسلم تنطلق من محور قرآني، وتتحرك في الإطار الذي أراده القرآن، وطالب المسلم في مختلف حالاته وتعامله مع الحياة سلباً وإيجاباً أن يكون له موقف قرآني، بمعنى أن يوجد توافقه مع العالم على هذا الأساس، ولن يعدم المسلم في مختلف نشاطه الرصيد الرؤيوي في القرآن من خلال الإطار القرآني العام، أو الوقائع الجزئية، ذات المضمون الممكن اعطاؤه بُعداً عاماً.
من هنا أراد الرسول (ص) من المسلمين أن يحفظوا القرآن في صدورهم ليعوه وعياً يحضر عند مواجهة كل موقف في الحياة، وشجع على ذلك، وكان كثير من المسلمين يحفظون القرآن، ويواجهون به تفصيلات حياتهم الخاصة والعامة، وكان هدا العمل طبق تعليمات القرآن يزيدهم علما به، ويعمق إيمانهم بصورة عملية، ويملأ الفجوة بين المفاهيم الذهنية والواقع العملي الحي، كما يفيد هذا التطبيق علماً مستأنفاً هو نتيجة للعمل.
ومن هنا نفهم حث الرسول (ص) على العمل بالعلم، فقد روي عنه: "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم" وقال بعض الحكماء في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة/ 2)، انّ معنى التلاوة هنا: التدريس: "علم الدراسة" ويزكيهم بالعمل فإن نفوسهم تتزكى بسببه "ويعلمهم الكتاب والحكمة" وهذا هو: "علم الوراثة" الذي أشار له الحديث السابق، فعلم الدراسة مقدمة العمل وعلم الوراثة نتيجة له، ومن هنا قيل أنّ العلم بلا عمل عقيم، والعمل بلا علم سقيم.
إذن كان الرسول (ص) دؤوباً في بناء الشخصية الإسلامية على منوال تربوي فريد، وقد بلغ بأمانة ذلك الاطار التربوي الذي تصافح في ظله شخصية الإنسان المسلم وكانت هذه التربية تأخذ نسقاً منظماً، لا اعتباطياً ولا عفوياً، بل هو تعليم العلم المقرون بالعمل، المعمّق بالواقع الحي، الذي كان المسلمون يعيشونه بما فيه من أحداث عظيمة، وزخم يوشك أن يغير وجه التاريخ العالمي. – كما حدث! – حتى روي عن بعض الصحابة، أنّ الرسول كن يعلمهم عدة آيات، ولا يعلمهم ما يليها إلا بعد أن يعلموها ويعملوا بالعلم الذي فيها. وإذا كان الأفراد النابغون الذي تخرجوا من مدرسة ما دليلا على عظمة تلك المدرسة، فإن ما قدم الإسلام من نماذج بشرية ذات مستوىً إنساني رائع، لهي الصورة الحية والواقعية، الناجعة في صياغة الإنسان، القادر على أداء الوظيفة الإلهية التي أرادها له خالقه العظيم.
 
- الشخصية القرآنية:
الزمن النموذج في التاريخ الإسلامي، هو الفترة التي عاشها الرسول الكريم (ص) بين ظهراني هذه الأُمّة، وكان فقده لا يعزي عنه شيء، وكان حزن المسلمين لا سيما الذين أحسوا بعمق الفادحة عظيما، وكانت وفاته نهاية فترة مشرقة، وأيذانا ببداية زمن مختلف لا شك أنّه دون الزمن الذي عاشه الرسول بل ليس هناك مجال للمقارنة.
إذن لابدّ للأُمّة من مفزعٍ تفزع إليه بعد وفاة الرسول (ص) وكان ذلك المفزع هو الوحي الذي خلفه الرسول "ثقلاً" و"أمانة" و"ذكرى" إلهية عظيمة، من زمن محتشدٍ بالبركة ضاجٍ بالآيات، معطرٍ بالوحي. وعلى مرّ القرون، أصبحت العلاقة بين الأُمّة وكتابها ليس على المستوى المطلوب، بل أصبحت أخيراً على المستوى العام شاحبة بل غامضة لا تعبر عن واقع ولا تنم عن حميمية. ورغم الإرث العظيم الذي خلّفه القرآن في نسيج شخصية الإنسان المسلم، إلا أنّ هذه الشخصية أصبحت مشوبة بمزيج من ألوانٍ أخر يكاد يطمس على المسلم لونه، ويفقده مزاياه الخاصة، وكان لابدّ من اطلاق صفةٍ أخرى على هذه الشخصية ليست بالشخصية الأولى التي أرادها القرآن الكريم وهو يبنى الإنسان في مستهل نزوله.
إذن لابدّ لدرء الفتنة التي تهددنا بمسخ شخصياتنا من استحضار الموقف القرآني في مواجهتنا اليومية للحياة. واستحضر هذا الموقف عند السلف كان يتأتى لهم باعتبارهم حاملين للقرآن تالين له بادمان، أما نحن حيث تعذَّر علينا حفظه، وتساهلنا في تلاوته، حتى ترى الفرد منا لا يكاد يتم قراءته في العام مرة فضلاً عن الوعي والامعان في الفهم الذي هو ليس بالسهولة التي نتصورها بعد الحواجز التي جعلت بيننا وبينه. علينا – والحال هذه – أن نراجع مواقفنا من الحياة على ضوء الموقف القرآني منها، ونتلمس هذا الموقف الذي لن نعدمه في القرآن على مختلف الأصعدة، العام منها والخاص، من أجل سد الثغرات العقائدية في شخصية المسلم المعاصر، التي أصبحت نوافذ مشرعة لرياح الشرق والغرب.
 
- القراءة.. أم المعايشة؟
من أهم الفروق التي تميّز بها الرعيل الأوّل من المسلمين عنا، أنهم كانوا يعايشون القرآن معايشة ويحيون أحداثه.. فزمنه زمنهم، ووقائعه تاريخهم، ولغته لغتهم، ليس بمعنى اللغة العادي بل بالمعنى الحي للغة حيث يمكن، أن يشار إلى الأشياء، فالقرآن وهو "البيان" العظيم، كان يعبر عن تاريخٍ قيد العظمة، وأشياء بمستوى هذا التعبير، وهذه علاقة لغة القرآن يومئذٍ بالأشياء وإذا كان "الفرق الحاسم بين اللغة الميتة والحية أنّ الإنسان في الأولى لا يمكن أن يُرينا الأشياء".
فلا ينطبق هذا المفهوم على اللغة القرآنية باعتبارها تشير باستمرار إلى أحداث وأشياء مستجدة في حياتنا، وهنا يكمن سر العربية الرائع، التي أشار لها الوحي الكريم في أسباب نزوله أصبحت مقياساً عاماً يخاطب به كل مسلم في كل زمان، فلغة القرآن تشير دائماً إلى شيء ما في حياتنا كما تشير إلى علاقتنا بالعالم من حولنا. ويكفي لأن نعايش القرآن أن نصغي لما تقول هذه اللغة وننطبع بوحيها، وليس هذا الأمر سهلاً إلى حدٍ يمكن تناوله متى شيئاً، كما إنّه ليس صعباً حيث يتعذر على المسلم الذي يسعى لذلك، فالقرآن قد يمتنع على القلوب التي لا تريد أن تفهم الفهم الذي يريده الله فللفهم طريقه ومنهج يؤسس على مبدأ إيماني ينبغي أن يتوفر عليه الإنسان، وبدون ذلك ستحجب عنه نعم الفهم ولكنه قد لا يمتنع ليس على المسلم فحسب بل على الكافر الذي يسعى وراء الحقيقة بل لا يمكن أن تسميه كافراً وهو على هذه الحالة بل هو إنسان لا يعلم.
 
- في المنجم العظيم:
قيل: "إنّ التفكير منجم"، والتأمل في كتاب الله هو دخول لمنجم عظيم، وربما ترددت في اطلاق هذا التعبير، ثمّ تذكرت ان اختيار كلمة (منجم) لمكان الثروة المعدنية لم يكن اعتباطاً، بل هي من المنجم، أي الظهور بعد الخفاء. كما يقال ذلك للنجم = البقل، في قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن/ 6)، لمناسبة النجم مع الشجر، ويطلق على نجم السماء، إذ هو يغيب وينجم، وقول علي (ع) "كلما نجم قرن للفتنة" أي طلع.
ومن ذلك أنّ القرآن نزل نجوماً، أي يطلع شيئاً بعد شيء، ومن هنا قيل: إنّ القرآن كتاب الطبيعة، وأنّ الطبيعة كتاب الله، الذي يتحدث بالأشياء والقرآن كتاب الله الذي يشير إلى الأشياء، فآيات الله كما هي في قرآنه هي في ما خلقه من هذا العالم، وكلماته كما هي في كتابه الذي أنزله هي في الوجود الذي منحه. ثمّ إنّ القرآن كتاب الطبيعة، بما تحدث عنها خالقها به، وعندما يتحدث خالق الطبيعة عنها فلا يسعنا إلا أن نصغي ونفهم أو نستفهم، ننصت، ونتدبر.
ثمّ إنّ الطبيعة موضوع القرآن الأوّل، من بعوضتها، ونملتها، وذرتها، وذبابها وأجنتها، وهلامها، أو أروع تجلياته في ألوانها وإنسانها، وهو في أحسن حالاته حيث يكدح ليلقى ربه. وحيث يتخذ من آيات الله دليلاً لهذه المسيرة الفذّة إلى الله تبارك وتعالى.
ثمّ إنّ القرآن في كليته وشموله، وغيبه وشهادته صورة لهذا الكون، المترابط الذي لا يمكن تجزأته ولا استغناء بعضه عن بعض، (.. مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك/ 3-4).
وهذا التكامل في كتاب الله الكبير "الطبيعة" يعبر عنه القرآن تعبيراً بمستوى هذا الكمال. فهو الآخر كل لا يتجزأ، ونسق لم يختلف، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء/ 82).
ثمّ هو كذلك لا يسمح بالتجزئة، والفصل كما لا تسمح قوانين هذا العالم بتجزأته وإلا فقدت الأشياء أشكالها ووظائفها، "فلا يمكن الإيمان ببعضٍ والكفر ببعض".
هذه البنية المتكاملة التي "ما لها من فروج" تتألف من بنىً تفصيلية مترابطة بعضها ببعض، أطلق قديماً على هذا الترابط "النظم القرآني" وأفاضوا فيه، وربما خصّه بعضهم باهتمام خاص. وما يهمنا هنا هو تتبع الوحدات التي يتشكل بها النسيج الداخلي للشخصية المسلمة، ومن خلال هذا النسيج يتم استحضار ما أطلقنا عليه الموقف القرآني.
وقد وجدت أنّ هذه الوحدات الأساسية في القرآن تنتظم وحدات أخرى تبدو فرعية باعتبارها مستقطبة من طرف هذه الوحدات، ولكن يمكن أن نتابعها هي الأخرى ونعتبرها أو بعضها وحدات أساسية. تستقطب مفاهيم من نوع آخر، وهكذا يكون تتبعنا للبنى القرآنية، تتبعا عضويا متصلا لا يسمح لنا بالتوقف دون اكتمال الصورة القرآنية. وتكون معطيات هذه المتابعة، هو الانطباع هذه الصور والمفاهيم، ونوعاً من التربية الذاتية وبناء الشخصية القرآنية، التي تمتلك صورة كاملة وواضحة عن الكون والانسان، بمفردات عقائدية من خلال الرؤيا القرآنية، مثل التوحيد، و"القيامة"، و"ظاهرة الشرك"، و"النفاق" وما يحيط بها من مفاهيم، توضحها، وتتحول في آياتٍ أخرى موضوعاً أساسياً موضحاً بمفاهيم أخر إلخ..

ارسال التعليق

Top