• ٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

التشجيع على التعاون

التشجيع على التعاون

إنّ الصراخ والنَّق يمكن أن يصبحا عادة، لكنها عادةً غير فاعلة. وغالباً ما تستخدم الأُم الغضب للحصول على فعل، بدلاً من استخدام الفعل للحصول على فعل. وهو أسلوب غير مُجدٍ، لأنّه لا يعطي النتائج المرجوة.

كان علي، البالغ ثماني سنوات من العمر، جالساً على الأرض يلعب بألعابه. نظرت الأُم إلى ساعتها وقالت: "علي، إنها الساعة التاسعة تقريباً (مع أنها كانت الثامنة والنصف)، ضع ألعابك في مكانها المخَصَّص واذهب إلى الحمّام للاستحمام". هنا، كان على يُدرك والأُم تدرك أيضاً، أنها لم تكن تعني أن عليه أن يستحم. بل كانت تعني أن عليه البدء في التفكير في أن وقت الحمّام قد حان. (لو تجاوب علي مع مطلب الأُم العقيم ونفّذه لكان أغمي عليها). بعد عشر دقائق تقريباً، قالت الأُم مرة أخرى: "لقد تأخر الوقت يا علي. عليك الاستيقاظ باكراً غداً للذهاب إلى المدرسة. ضع ألعابك في مكانها واذهب للاستحمام". وهنا أيضاً، كانت الأُم لا تتوقع أن ينفذ علي مطلبها، وكان علي يُدرك ذلك. بل كانت تعني أن وقت الحمام قد اقترب. أخذ علي ينتقل من مكان إلى آخَر ليُثبت لأُمّه أنّه سمع ما قالت، ثمّ عاد ليلعب مرة أخرى. مرت ست دقائق أخرى ثمّ أصدرت الأُم أمراً جديداً، ولكن بصوت يحمل في طياته لهجة التهديد هذه المرة: "اسمع. طلبت منك أن تتحرك وتذهب إلى الحمام. وأنا أعني ما أقول". أدرك علي أن عليه تنفيذ الأوامر، فجمع ألعابه وذهب متسكّعاً في اتجاه الحمام، ولو طلبت منه الأُم أن يُسرع الخطَى لأسْرَع.

كان يُفترض أن تقول الأُم لطفلها علي: "لديك بعدُ خمس عشرة دقيقة للعب". وكان من الأفضل لو وضعت مُنبّهاً بالقرب منه يقرع الجرس عند الوقت المحدد. لأنّه لا أحد، صغيراً كان أم كبيراً، يحب أن يُقاطَع فجأة أثناء انشغاله بنشاط ما. ثمّ عندما يقرع جرس المنبّه، يُفترض أن تأتي الأُم إلى المكان الذي يلعب فيه علي، وأن تبلغه بصوت هادئ بحلول موعد الحمام. لو فكرت الأُم قليلاً وتصرفت بهذه الطريقة، قبل أن تصدر أوامرها قبل نصف ساعة تقريباً من وقت الحمام، لكان علي استمتع باللعب أكثر، وأبدى استعداداً للتعاون معها وتنفيذ مطلبها من دون صراخ وتهديد.

 

حلول بسيطة:

كلّ أُمّ تقريباً تصاب بالإحباط وتنزعج عندما لا يتعاون طفلها معها، فتضطر إلى رفع صوتها في وجهه أو إلى تهديده أو معاقبته، في حال لم يمتثل لأوامرها. ولكن قد يُجبر العقاب أو التهديد بالعقاب الطفل على تنفيذ رغبات الأُمّ، الا أنّه لا يحفزه إلى التعاون، بل قد يؤدي إلى شعوره بالامتعاض، وهذا يقلل من فرص التعاون. هناك حلول بسيطة وأكثر فاعلية لحفز الطفل حثه على التعاون، منها:

التشجيع: إنّ تشجيع الطفل على التعاون، وذلك عن طريق غض نظر مُتعمّد عن هفواته الصغيرة (مع تذكيره بها ولكن بلطف)، له تاثير أقوى من الصراخ والنَّق. كما أن تعامُل الأُم بمنطق مع عدم تعاون الطفل، وتقديم إغراءات غير مادية، ووضع الحدود، وتقديم المثال الجيِّد، يُفيد جدّاً في هذا المجال.

التذكير: يحتاج الطفل دائماً إلى تذكيره بما هو مطلوب منه، وبالقوانين المفترض اتّباعها. وكلما كان الطفل صغيراً، احتاج إلى التذكير أكثر، خاصة لأنّه مَيَّال إلى نسيان الأشياء التي لا تعنيه شخصياً، مثل الأكل وفمه مغلق. ومع ذلك هناك فرق كبير بين التذكير والنَّق. إذا طلبت الأُم من طفلها بلطف واحترام فعل شيء ما وفعله، من المفروض عليها أن تُشعره بأنها مسرورة منه، بسبب تعاونه وتجاوبه مع مطلبها. مثلاً، يمكنها القول: "شكراً لأنك جمعت ألعابك من الأرض ووضعتها في مكانها".

تجاهل عدم التعاون: إذا لم يتجاوب الطفل مع مطلب الأُم، عليها أن تتجاهل عدم تعاونه. لأنّ التجاهل هو نوع من أنواع العقوبات، التي يمكن أن تحفز الطفل إلى التعاون، خاصة إذا اقترن بمكافأة غير مادية مثل، اللعب مع الطفل، قراءة قصة له، السماح له بدعوة صديق إلى اللعب معاً.. إلخ. إذا بقي الطفل على موقفه، على الأُم أن تتصرف بطريقة لائقة وتكون قُدوة حسنة لطفلها، وتنفذ العمل بنفسها من دون الإشارة إلى عدم تعاون الطفل.

عدم تكرار الطلب: إنّ الطلب من الطفل القيام بشيء ما مراراً وتكراراً، لا يُجدي نفعاً. بل على العكس، قد يدفع الطفل إلى عدم تنفيذ العمل أبداً، ويمكن أن يدفعه أحياناً إلى أن يثور في وجه الأُم ويرفض التعاون وتلبية مطالبها. لكن تغيير الأُم من سلوكها والتزامها بالحدود، هما اللذان يُجديان. إنّ الصراخ الدائم والنَّق يجعلان الطفل يأخذ كلام الأُم على محمل الجد عندما تكون غاضبة فقط، إضافةً إلى أنهما يستنزفان طاقتها.

بناء روابط قوية مع الطفل: إنّ قوّة ومَتانة علاقة الأُم بطفلها، تزيدان من رغبته في التعاون معها، وهناك فرق بين التعاون والطاعة. إذا أرادت الأُم أن يكون طفلها متعاوناً، من المهم أن تدعه يأخذ القرار بنفسه لا أن تُجبره عليه. وفي حال كانت العلاقة بينهما قوية ورفض الطفل التعاون، عليها أن تُعيد النظر في ما طلبت منه، إذ يمكن أن يكون مطلباً يعجز الطفل عن تحقيقه، أو لا يتناسب مع سنه ورغباته. فالطفل لا يكترث كثيراً إذا كانت غرفته مرتّبة ونظيفة. لذا، عليها ألا تُجبره على إطاعتها على حساب علاقتها به.

تحديد المطالب: حتى الأطفال الذين تربطهم علاقة قوية مع الأُم، غير مستعدين للتعاون معها مئة في المئة. هناك وسائل تستطيع عبرها الأم أن تزيد من فرص التعاون، بغض النظر عن مستوى العلاقة. منها مثلاً، أن يكون طلب الأُم واضحاً ومختصراً، وألا يكون على شكل سؤال حتى لا يرفض الطفل تلبيته. مثلاً، أن تقول له: "حان وقت ارتداء بيجامتك واذهب إلى السرير لتنام". ومنها أيضاً، التحدث إلى الطفل بصوت هادئ وحازم عند الطلب منه فعل شيء ما أثناء وجوده في مكان بعيد عنها. إنّ إعطاء الأوامر بصوتٍ عالٍ حتى يسمع الطفل الموجود في غرفته، أقل فاعلية وتأثيراً من الذهاب إليه، والحصول على انتباهه ثمّ الطلب منه القيام بعمل مُحدَّد. إنّ طريقة تعامُل الأُم مع طفلها وحديثها معه، هي التي تدفعه إلى عدم التعاون حتى لو كان راغباً في ذلك.

معرفة الأسباب وراء عدم التعاون: على الأُم أن تبحث عن أسباب مقاومة الطفل ورفضه التعاون. وهذا يتطلب أن تصغي إليه باهتمام. وبعدما ينهي طفلها الحديث، عليها أن ترد على ما فهمت من حديثه. فإذا كان ردها خاطئاً ولا يتناسب مع ما كان يعنيه، عليها ألا تقلق لأنّه سيعود ويكرر ما قاله. إنّ الرد على الطفل يشجعه على الاستمرار في الحديث مع الأُم، وهذا بدوره يساعدها على التوصل إلى معرفة سبب عدم تعاونه.

المرونة في التعاطي مع الطفل: على الأُم أن تكون راغبة في تغيير رأيها. إذا استطاع الطفل أن يُقنعها بوجهة نظره وتَقبَّلت رأيه، فهذا لا يُعتبر ضعف من جانبها. فالطفل يشعر بالسعادة عندما يلحظ أن أمه مرنة ومستعدة للنقاش. فيُحفزه موقفها هذا إلى الرغبة في التعاون. يجب ألا يغيب عن بال الأُم أنها إذا مشت مع طفلها ميلاً واحداً، يصبح مستعداً لأن يقطع معها أميالاً.

وضع الحدود: إنّ وضع الحدود هو أداة مهمة من أدوات بناء التعاون في العلاقات، لأنّه يساعد الطفل على معرفة ماذا تريد الأُم ومعرفة الخيارات المتاحة أمامه. لذا، إذا كانت الأُم تَودّ أن تُغيّر من سلوك طفلها وتنال تعاونه، وكانت تريد تجنب الصراخ والنق والعقاب، عليها وضع الحدود. يجب أن تكون الحدود واضحة ومحددة، وأن تبلغ للطفل بوضوح. فإذا حازت اهتمام الطفل، وإذا فهم المغزَى منها، وإذا تم توضيح المطالب والشروط، وتحديد الوقت، كان تأثيرها أقوى. مثل قول الأُم لطفلها: "سأقرأ لك قصة، شريطة أن تنظف أسنانك وترتدي بيجامتك قبل الساعة السادسة". عند وضع الحدود، على الأُم أن تأخذ في الاعتبار احتياجات كل مَن هو معني بها، حتى يحترمها الطفل ويعمل على تطبيقها. فالحدود تساعد على منع وقوع المشاكل. وفي حال حصولها تمنع من استمرارها أو تفاقمها. مثلاً، "إذا ذهبت معي إلى السوبرماركت، تستطيع شراء صنف واحد من الحلوى". عندما يعرف الطفل مسبقاً الحد المسموح به، لن يفتعل مشكلة في السوبرماركت ويتشاجر مع الأُم، بل على العكس يُبدي تعاوناً مع مطلبها.

الحصول على انتباه الطفل: من الوسائل التي تساعد على التعاون، الحصول على انتباه الطفل قبل الطلب. إنّ الطلب من الطفل القيام بعمل ما من مكان بعيد وبصوتٍ عالٍ لا يؤدي إلا إلى تجاهل الطلب، لأنّه ببساطة لن يصغي إلى ما تقول الأُم. الأفضل، إذا لم تكن الأُم تريد الذهاب عند الطفل وإبلاغه الرسالة، عليها مُناداته باسمه ليحضر هو إليها.

ترك الخيار للطفل: صحيح أنّ الأُم تعرف ما هو الأفضل لطفلها، لكنها غالباً ما تفرض عليه الخيارات، من دون أن تأخذ مصلحته ومستوى ذكاءه وقُدراته في الاعتبار. إنّ معظم الأهل مُتطلّبون جدّاً، ويتطلعون إلى تحقيق أحلامهم وطُموحاتهم، التي لم يستطيعوا تحقيقها من خلال أطفالهم. وعندما لا يستطيع الطفل أن يَرْقَى إلى مستوى تطلّعات الأهل، يُعتبر غير مُتعاون. حتى يكون الطفل متعاوناً ويتجاوب مع مَطالب الأهل وتطلّعاتهم، يجب تَرْك الخيار له، خاصةً في المجالات التي تتعلق بمستقبله.

ارسال التعليق

Top