• ٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

التوفيق الإلهيّ لإدراك فضيلة التوبة

عمار كاظم

التوفيق الإلهيّ لإدراك فضيلة التوبة

للرجاء دورٌ مهمٌّ في إبقاء الحيوية المعنوية في الفرد المسلم، فالشريعة لم تقطع رجاءه على أثر ارتكابه بعض الذنوب، بل فتحت مصراعيها للمذنبين كي يعودوا، وجعلت لذلك طرقاً، منها: الشفاعة، والتوبة، والاستغفار. قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحيماً) (النِّساء/ 64)، وقال أيضاً: (وَالَّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلين) (آل عمران/ 135-136)

رُوِي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجلّه الله سبع ساعات، فإن استغفر الله لم يكتب عليه شيء، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كُتِبت عليه سيِّئة، وإنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربّه فيغفر له، وإنّ الكافر لينساه من ساعته». لذا رغّبت الشريعة المؤمنين وحثّتهم على الاستغفار، والنصوص الواردة في ذلك مستفيضة جدّاً، كتاباً وسنة. وما أكثر الأدعية المرويّة عن أهل البيت (عليهم السلام) والمتضمّنة لأنواع الاستغفار، منها دعاء الإمام عليّ (عليه السلام) الذي علّمه كميل بن زياد، وممّا جاء فيه: «اللّهُمّ اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللّهُمّ اغفر لي الذنوب التي تُنزل النقم، اللّهُمّ اغفر لي الذنوب التي تُغيّر النِّعَم، اللّهُمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدُّعاء، اللّهُمّ اغفر لي الذنوب التي تُنزل البلاء، اللّهُمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته».

إنّ المغفرة هي الستر، بمعنى أن يستر القادرُ القبيحَ الصادرَ ممّن تحت قدرته.. فالمغفرة إذن هي التغطية على الذنوب والعفو عنها، وهي من أسماء الله عزّوجلّ، الغفور، والغفّار، بمعنى الساتر لذنوب عباده، وعيوبهم، المتجاوز عن خطاياهم، وذنوبهم. أمّا التوبة فهي الرجوع من الذنب، وفي الحديث: «الندم توبة». وقد عرَّفها علماء الأخلاق بأنّها ترك المعاصي في الحال، والعزم على الابتعاد عنها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في حقّ الله وحقوق الآخرين. والتوبة من المنازل المهمّة الصعبة، فهي عبارة عن الرجوع عن عالم المادّة إلى روحانية النفس، بعد أن حُجبت هذه الروحانية ونور الفطرة بغشاوات ظلمانية من جرّاء الذنوب والمعاصي.. فحقيقة التوبة إذن، هي الرجوع الاختياري عن المعصية إلى الطاعة والعبودية لله وحده لا شريك له، (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النّور/ 21). وتوبة العبد إلى الله ورجعوه بتركه للمعصية - وهو توفيق إلهيّ محض -؛ لأنّ الإنسان في ذاته فقير، والفقر عين ذاته، بمعنى أنّه متمحِّضٌ في الحاجة، لذا فهو محتاج إلى توفيق الله ومدده تعالى.

ارسال التعليق

Top