• ١٨ شباط/فبراير ٢٠٢٠ | ٢٣ جمادى الثانية ١٤٤١ هـ
البلاغ

الجانب الفكري والعاطفي في حياة السيِّدة زينب (عليها السلام)

عمار كاظم

الجانب الفكري والعاطفي في حياة السيِّدة زينب (عليها السلام)

لقد نشأت السيِّدة زينب (عليها السلام) حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت الوحي، ومركز العلم والفضل، فنهلت من نمير علوم جدِّها وأبيها وأخويها، فكانت من أجلِّ العالمات، ومن أكثرهنّ إحاطةً بشؤون الشريعة وأحكام الدِّين. فقد كانت (عليها السلام) في فجر الصبا آيةً في ذكائها وعبقريتها؛ فقد حفظت القرآن الكريم، كما حفظت أحاديث جدّها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيما يتعلّق بأحكام الدِّين وقواعد التربية وأُصول الأخلاق. وقد بُهر بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من شدّة ذكائها، فقد قالت له: «أتحبّنا يا أبتاه؟»، فأسرع الإمام قائلاً: «وكيف لا أُحبّكم وأنتم ثمرة فؤادي؟». فأجابته بأدب واحترام: «يا أبتاه، إنّ الحبّ لله تعالى، والشفقة لنا». وعجب الإمام (عليه السلام) من فطنتها، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله تعالى. وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى، أنّها قالت (علیها السلام): «مَن أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده؛ ألم تسمع إلى قوله: سمع الله لمَن حمده؟ فخف الله لقدرته عليك، واستحِ منه لقربه منك».

وممّا يدلّ على مزيد فضلها، أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في حال غيابه، فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية. ونظراً إلى سعة معارفها، كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يروي عنها، وكذلك كان يروي عنها عبدالله بن جعفر، والسيَّدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام). ولمّا كانت في الكوفة في أيّام أبيها، كان لها مجلس خاصّ تزدحم عليها السيِّدات، فكانت تلقي عليهنّ محاضرات في تفسير القرآن الكريم، كما كانت المرجع الأعلى للسيِّدات من نساء المسلمين، فكنّ يأخذنَ منها أحكام الدِّين وتعاليمه وآدابه. وكانت ألمع خطيبة في الإسلام؛ فقد هزّت العواطف، وقلبت الرأي العام، وذلك في خطبها التاريخية الخالدة التي ألقتها في الكوفة ودمشق، وهي تدلّل على مدى ثرواتها الثقافية والأدبية.

اشتهرت السيِّدة زينب (عليها السلام) بحكمتها ورجاحة عقلها وإيمانها القويّ، حيث كانت (عليها السلام) رفيقة الإمام الحسين (عليه السلام)، فامتلأ قلبها بحبّ أخيها، لأنّ قلبها امتلأ بحبّ الرسالة التي حملها أخوها الإمام الحسين (عليه السلام)، ولهذا تركت زوجها وابن عمها عبدالله بن جعفر في المدينة، وجاءت مع الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، ومعها ولداها. وكانت إلى جانب الإمام الحسين (عليه السلام) ترعى كلَّ عياله وكلَّ عيال أصحابه، وكانت هي التي تشرف على علاج ابن أخيها الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عندما كان مريضاً في كربلاء، وكانت تجلس إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، تتحدّث معه، وتسأله عن طبيعة الموقف ومجريات المعركة، وكانت تعيش القلق على حياته، حتى إنّها عندما سمعته ينشد شعراً، شعرت بأنّه ينعى نفسه، فأخذتها العاطفة، وانطلق الإمام الحسين (عليه السلام) يصبّرها ويقوّي موقفها ويوصيها بوصاياه: «إذا أنا هلكت فلا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي بالويل والثبور»، وكأنّه يقول: لا تشمتي بنا الأعداء.. فزينب (عليها السلام) مثال حيّ للشجاعة والثبات والصبر والتضحية والعنفوان.

إنّ زينب (عليها السلام) كانت تملك علماً تستطيع من خلاله أن تتحدّث في الموقف عن آيات الله، وأن تنطلق لتوبّخ يزيد ولتعرّف مجتمعه بالسيرة النبويّة الشريفة وبالرسالة الإسلامية، ونفهم من ذلك، أنّ السيِّدة زينب (عليها السلام) كانت قوية الشخصية، فلا ترتجف أمام سلطان ولا أمام قوته وجيشه. كانت كأبيها الإمام عليّ (عليه السلام) الذي قال: «لو تضافرت العرب على قتالي، لما ولّيت عنها هارباً». وكانت (عليها السلام) في كلّ مسيرتها تملك الشخصية القيادية، كانت القائدة التي استطاعت أن تكمل حركة الثورة الحسينية، ولو لم تكن زينب لماتت هذه الثورة، ولكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ضحّى، وزينب (عليها السلام) أكملت التضحية، وعرّفت العالم ما معنى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

ارسال التعليق

Top