• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الجولان... لماذا الآن؟

د. أماني القرم

الجولان...  لماذا الآن؟

أشكّ أنّ إعلان ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان قد سبّب صدمة لأحد، فقراره المشئوم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، جعل العقل البشري مستعداً لتوقع أي شيء يصدر عن هذه الإدارة بعد ذلك سواء ارتفعت حدة الاستنكارات أم خفتت!!

تحتل هضبة الجولان مكانة ذات إستراتيجية بالغة الاستثنائية في الشرق الأوسط أمنياً واقتصادياً. فمجرد الوقوف على الهضبة يمكّن الإنسان من كشف أربع دول هي فلسطين وسوريا ولبنان والأردن. كما أنّها تعدّ خزّاناً إستراتيجياً للمياه وأرضاً للنبيذ الفاخر بفضل كرومها وثرواتها الزراعية ووفرة مياهها.

والسعي الإسرائيلي لحيازة اعتراف أمريكي على الجولان ليس وليد اللحظة أو نتيجة ظروف الانتخابات الإسرائيلية فحسب، بل يمتد إلى سنوات سابقة كان آخرها طلب نتنياهو من الرئيس السابق باراك أوباما في نوفمبر من العام 2015 الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية، وكرر الطلب نفسه مع دونالد ترامب في العام 2017.

شكّلت الحرب الأهلية السورية فرصة ذهبية لإسرائيل للإطاحة بأية سيناريوهات سابقة كان يتم الحديث في خضمها عن انسحاب إسرائيلي من الهضبة مقابل السلام مع سوريا. فتداخل الدولي مع الإقليمي مع المحلي في عمق الساحة السورية أدّى إلى اختلاف كلّي لسوريا قبل العام 2011 عن سوريا بعد هذا العامّ. وعلى الرغم من التقدّم الحالي الذي يحرزه نظام الأسد في استعادة السيطرة على معظم المناطق السورية، إلّا أنّ الدعم الخارجي الذي لولاه ما استطاع الأسد لملمة قبضته مرّة أُخرى، يجعل الشكّ حاضراً في استمرارية الجغرافيا السياسية لسوريا الموحّدة.

عموماً ترامب لا يقدّم شيئاً بالمجان، وهدية نتنياهو إليه النبيذ من أراضي الجولان ليست كافية! والسؤال: لماذا جاء الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان في هذا التوقيت بالذات؟؟

الحقيقة أنّ المصلحة مشتركة لكلا من ترامب ونتنياهو:

بالنسبة لترامب: بعد تخلصه من صداع تحقيقات «مولر» المتعلّقة باتهامات التعاون مع روسيا في الانتخابات الأمريكية، فإنّ ترامب الآن يركّز على حملته الانتخابية الرئاسية القادمة والتي بدأها مبكّراً، وبتقديم هديتين هما الأغلى ثمناً لإسرائيل: القدس والجولان، فإنّه بذلك يضمن أصوات اليهود الأمريكان ودعم الإيباك له بسلاسة ودون منافس .

أمّا بالنسبة لنتنياهو: فإنّ القرار الأمريكي بمثابة صاروخ انطلق به إلى رئاسة وزراء إسرائيل للمرّة الخامسة. والتخطيط  بعناية لإخراج هذا الإعلان في هذا التوقيت مقصوداً ولا يبتعد عن أصابع نتنياهو وأصدقائه في البيت الأبيض. ولم تكن زيارته مع السفير الأمريكي فريدمان وعضو الكونجرس الجمهوري ليندسي غراهام حليف ترامب لمرتفعات الجولان في 11 مارس الماضي إلّا تمهيداً لما ستؤول إليه الأُمور خاصّة بعد انخفاض أسهمه إثر حملة اتهامات الفساد التي لحقت به وازدياد حظوظ منافسيه. وقد أضاف هذا القرار مزيداً من النجاحات على صعيد سياسة نتنياهو الخارجية وعزّز من موقفه الانتخابي. ولا يخفى في الأوساط الإسرائيلية الحديث المتكرر عن تدخل ودعم أمريكي قوي لنتنياهو في الانتخابات القادمة. ونتنياهو يعلم ذلك جيِّداً فصُوره الكبيرة تقترن بصور ترامب في مختلف الشوارع!

سخرية نتنياهو من منافسيه كانت لاذعة إبان التوقيع على القرار، حيث أعلن أمام الملأ أنّه قدّم لترامب أفضل نبيذ من كروم الجولان قائلاً: أرجو ألا يفتحوا تحقيقاً حول هذه الهدية!!

ارسال التعليق

Top