• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الدول والمجتمعات في عالم متغير

منصور مبارك

الدول والمجتمعات في عالم متغير
◄يلوح السؤال الجوهري المطروح على طاولة بحث المجتمع العالمي منذ بداية القرن الحادي والعشرين متعلقاً بمستقبل البشرية، والوجهة التي سيتخذها المجتمع الإنساني تحت وقع المتغيرات الهائلة التي يشهدها العالم المعاصر. وبمعنى آخر، يغدو ذلك السؤال مرتبطاً بمصير المجتمع الإنساني، وإن كان ممكناً تحديد الطريق التي يجدر به السير عليها؟
لا مرية في أنّ المجتمع الإنساني بألف لام التعريف ذاته لم يصل بعد إلى درجة من التماسك والتبلور كما قد توحي بذلك الحمولة الدلالية لهذا المصطلح، ذاك أن طريقاً طويلة وملتوية استهلكتها الجماعات البشرية لتصل إلى نوع من التنظيم كالذي نشهده راهناً. فالطريقة التي يتفاعل فيها البشر أصابها تغيير كبير منذ بداية التاريخ وصولاً إلى زمننا الراهن؛ إذا انتقلت الإنسانية من محض جماعات صغيرة يتفاعل أفرادها على نحو مباشر؛ بل ومغرق في المباشرة، على نحو يكون فيه التواصل قائماً على التعارف وجهاً لوجه، ويرتبط فيه كل فرد بعلاقة وثيقة مع الآخر، إلى مرحلة جديدة تتكون من مجتمعات كبيرة تتسم علاقة الأفراد فيها بكونها عامة وسطحية، لا تقوم فيها بين بعضهم البعض علاقة مباشرة على الإطلاق. ويستعاض عن ذلك القصور في التعارف بآلية تنميط الأفراد على هيئة فئات وطبقات. ومن جانب آخر، تشكل ما تنقله وسائل الإعلام في المجتمعات الكبيرة النافذة التي من خلالها يتعرف الأفراد بعضهم ببعض.
بطبيعة الحال ذلك مرتبط كما سلف القول بطبيعة تطور المدن والمجتمعات. إذ كانت التجمعات الإنسانية في الماضي البعيد تعد السبب الكبير في توحد الأفراد واجتماعهم، وعلى الرغم من أنّ المدن الصغيرة كانت سابقاً تعمل بوصفها وحدات مستقلة – مثلما عليه الأمر في الكيانات السياسية راهناً – فإنها كانت بالغة الضآلة مقارنة بعالمنا المعاصر؛ وتحديداً بالدولة الأمة. فمن حيث المساحة والتعداد السكاني، لم يتجاوز سكان أكثر المدن القديمة اكتظاظاً عشرات الألوف، في حين أنّ الدولة المعاصرة تحتضن في داخلها ملايين السكان، وتفترش مساحة شاسعة تقاس بمئات الأميال، في حين لم تتجاوز مساحة المدن القديمة عشرات الأميال. فضلاً عن ذلك، وكما تنتصب نموذجاً عليه مدن قديمة مثل أثينا اليونانية ومدن الوسط الإيطالي، كان نسيج المجتمع السياسي للمدينة الشعب نفسه، حيث كان قادتها السياسيون على معرفة مباشرة بالأفراد ومخالطين لهم كما ينجزون شأنهم شأن العامة من الشعب أعمالهم اليومية في المدينة، وكان مجلس المدينة يتكون من ذgك الشعب ويلتئم حينما يقرع الناقوس في ساحة المدينة.
وللحق، فإن تلك الصورة المبسطة للجماعة البشرية كانت الينبوع الذي تدفقت فيه الفلسفة السياسية كما نعرفها الآن، إذ لم يكن تأسيس المبادئ الفكرية لإدارة المجتمع الإنساني سوى ثمرة لهذه المجتمعات السياسية الصغيرة، وبخاصة تلك التي خبرتها مدينة أثينا اليونانية. فقد كان الشعب مسؤولاً عن مصيره، أقله بالطريقة التي يتوجب أن تسير فيها الشؤون الداخلية للدولة، ومن تلك الجماعات تم صوغ الأسئلة الأكثر أهمية حول الطرق المثلى لإدارة مصائر الأفراد والمجتمعات، من مثل: من أفضل صيغ الحكم؟ وما مواصفات الحاكم؟ وما العدالة؟ وغيرها من الأسئلة. فالمدينة – الدولة Polis قدمت للبشرية أفضل طريقة على الإطلاق يتحكم من خلالها الأفراد بمصيرهم على نحو يلبي طموهم، ومن ثمّ يمكنهم من إنجاز قيم العدالة، والحرية، والديمقراطية. إذ من تلك التجربة على وجه التحديد، انطلق النقاش في كل ما زخر به تراث الإنسانية من أفكار حول المواطنة والقانون والفلسفة السياسية وهلم جراً.
ومثلما هو معروف، فإن صيغة المدينة – الدولة لم يكتب لها البقاء طويلاً، وبالتالي لم تتعد كونها مرحلة من مراحل تطور الجماعات البشرية، ذلك أنها لم تصمد طويلاً أمام الأخطار الخارجية. ففي حالة أثينا بوصفها النموذج الباهر للمدينة – الدولة، والتي أنتجت نظاماً ديمقراطياً وفلسفة وفناً يعدان أساساً للمعرفة الإنسانية في هذه الميادين؛ لم تكن على الدوام بمنأى عن الاحتلال والفناء على أيدي كيانات أكبر، ما جعلها على أهبة الاستعداد لخوض الحروب كي تصون استقلالها. وهو الأمر الذي حدا بها إلى إبرام تحالفات ضعيفة مع المدن المجاورة، وهي كما يخبرنا التاريخ تحالفات لم تصمد طويلاً، وبأنها على المدى البعيد كانت قاصرة عن التصدي لأطماع إمبراطوريات تقوم على أنظمة أشد مركزية. والحال كذلك، فالمدينة – الدولة لم تسقط كنموذج سياسي اجتماعي بسبب من قصورها الداخلي بل في المقام الأول بسبب ضعفها في مواجهة القوة العسكرية الخارجية.
وفي مسافات متعددة خبرت المجتمعات البشرية فيها تطورات كبيرة، فإنّ الكيان السياسي الذي برهن على قدرته مواجهة الأخطار الخارجية وجسّد في الوقت عينه بعض فضائل المدينة – الدولة لم يكن سوى الدولة – الأُمّة، لكونها تشكلت على مستوى أكبر من ذاك الذي تأسست عليه المدينة – الدولة، وبحيث ضمنت ملايين الأفراد موزعين على مساحات جغرافية واسعة، وكانت لها في الوقت عينه فضائل وميزات المدينة – الدولة إذ كانت تنهض على مؤسسات كالبرلمان، والمحكمة، والحكومة، والقيادة العسكرية... إلخ. ولئن كانت متمركزة في العاصمة، فقد كان بوسعها الإدعاء بكونها مجتمعاً سياسياً لأن أفرادها ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أعضاء في جماعة متميزة أو أمة، ويختلفون بالتالي عم جاورهم.
وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك الانتقال إلى مستوى أكبر من التنظيم الاجتماعي ممكناً دون وجود أدوات للإتصال أو التواصل، تجعل من كافة المناطق المحلية التي تتكون منها الدولة – الأمة على إتصال ببعضها البعض، كما وتتيح للأفراد معرفة ما يفكر به الآخرون بغض النظر عن بعد المسافة التي تفصلهم عن بعضهم البعض. وهو ما جعل تبادل الأفكار والرؤى فيما بينهم أمراً ميسراً. وتلك اللحظة الفريدة من التحول في تاريخ البشرية هي ما عبر عنها المؤرخ بنديك أندرسون بإطلاقه وصف "المجتمعات المتخليلة" على الأُمم، لكونها على النقيض من مجتمعات يتصل أفرادها وجهاً لوجه، فإن وجود الأفراد في الدولة – الأمة تحديداً يقوم على فعل جماعي للخيال، إذ يتوجب على الأفراد في هذا الكيان السياسي الكبير أن يطبعوا أذهانهم وأجسادهم على كونها جزءاً من أمة متميزة وليسوا فقط أعضاء أسرة أو سكان بلدة معينة.
لربما يبدو ملغزاً بعض الشيء وصف الأمم بالخيال، وإعادة اختبار الفرضية القائلة بأن ثمة عنصراً أو عناصر جوهرية تضرب فرقاً بين شعوب تعيش على جانبي حدود وطنية. ولكن ما هو على قدر كبير من الأهمية أن ما سبق هو المقدمات التي من شأنها أن تقود الأفراد إلى فكرة الهوية القومية، إذ إن هوية كهذه غالباً ما يكون مصدرها شعوراً طاغياً بالعدائية تجاه الآخر وبخاصة المجاورين. والهوية بهذا المعنى تعمل وفق آلية تتجه إلى الداخل بحيث تعزز من الأنا الجماعية. آية ذلك ما شهدناه من كون الأمم تنشغل عادة في خلق الأساطير وتطويرها عن نفسها، وعن روحها الفريدة، وخصائصها الثقافية المائزة، وعن إنجازاتها الماضوية وبخاصة العسكرية والسياسية والعلمية وغير ذلك. ولذا فإنّ الهوية القومية ههنا، لا يمكن القول بأنها متخيلة بقدر ما يمكن التشديد على كونها تؤدي بعضاً من الوظائف المهمة، ولكنها في الوقت عينه تنهض بوظائف قاتلة.
فالجماعات التي يطلق عليها مسمى الأمم تتقاسم في أغلب الأحوال، لغة مشتركة، وعيشاً مشتركاً عبر الزمن، وسمات ثقافية يتم التعبير عنها في صيغ معنوية وكذلك مادية، على النحو الذي تبنى فيه المدن وتقام فيه المباني، وتشيّد فيه الأضرحة، والمباني الدينية وما شابهها. ساعتئذن فإنّ الجيل الجديد الذي ينشأ في هذه الأجواء الثقافية والمادية، لا يلوح بمقدوره الحؤول دون أن يكون لهذا الميراث المشترك دور هائل على تشكيل فكره وشخصيته حتى وإن حاول التمرد على جوانب كثيرة فيه.
ذلك تأثير الثقافة القومية كبير وعميق في الأمم التي أقامت دولاً خاصة بها، لأنّ الانتقال الثقافي فيها يسري من خلال القوانين، ومؤسسات الحكومة، والنظام التعليمي، والإعلام، وكذلك من خلال المكونات الأهلية الأخرى. وههنا فإنّ الثنائية التي يتشكل منها هذا الكيان – الأمة والدولة – يعضد كل منهما الآخر، بحيث إن قوة الدولة تستخدم كي تضخ الحياة والقوة في الهوية القومية، في الوقت عينه الذي يصبح فيه الأفراد الذين تشدهم هذه الهوية بعضهم إلى بعض أكثر استعداداً للقبول بسلطة سياسية مشتركة وتجمعهم القناعة في ضرورة الدفاع عنها حينما تتعرض للخطر.
ما سبق يفسر قدرة الدولة – الأمة على البقاء والبرهنة على أنها أكثر الكيانات السياسية نجاحاً، إذ إنها بالمقياس التاريخي كبيرة بما فيه الكفاية كي لا تستولي عليها قوى خارجية معادية، وترتكن في الوقت عينه على ولاء أفرادها حينما تكون على محك الخطر. وبالطبع فإنّ الفرق الفارق فيما خص فكرة الولاء القومي يتمثل في حقيقة كون الحروب التي تخوضها الدول – الأمم غالباً ما تكون خسائرها البشرية والمادية هائلة، كما أنها في حالات كثيرة، وبخاصة حينما يجد الاستبداد طريقه إليها غالباً ما تنفجر فيها النسخة البشعة من الصراع البشري؛ الحروب الأهلية، لم يكن التفكير به ممكناً قبل نشوء هذا الكيان.
وارتباطاً بذلك، فإنّ التطورات التي شهدها العالم في أواخر القرن العشرين وبخاصة فيما يتعلق باعتماد الديمقراطية أداة لتسيير العلاقات السياسية في المجتمعات وتعميم اقتصاد السوق والتجارة الحرة فضلاً عن الثورة الاتصالية والتكنولوجية، ألحقت الكثير من الشك بملاءمة بعض الكيانات السياسية المختلفة بمن فيها الدولة – الأمة للتطور الهائل الذي تشهده البشرية. وما الحروب الأهلية التي بلغت في العقدين المنصرمين رقماً كبيراً سوى دليل دموي على أن فكرة حشد الجماعات تحت هويات متخيلة يكاد يرتقي إلى سوية الوهم الذي يتكفل الزمن بتبديده. فالحروب الأهلية قدمت الشاهد تلو الآخر على أن إمكانية الحفاظ على هوية واحدة في عالم اختلطت به الحدود وصار أقرب إلى الامتزاج والاختلاط بات أمراً مستحيلاً، فضلاً عن ذلك فإن قدرة الدولة – الأمة ذاتها على السيطرة على القوى الاقتصادية العالمية قد تضاءلت إلى حد كبير، ففي عالمنا المعاصر تحولت القوة من الفضاء القومي لتغدو معولمة تنتمي إلى الفضاء الكوني، ما جعل يد الدولة – الأّمة مغلولة إلى حد كبير، وعلى أبواب القرن الحادي والعشرين يصبح السؤال ملحاً حول ماهية الكيانات السياسية أو الاجتماعية الجديدة التي ستشهدها الإنسانية.►

ارسال التعليق

Top