• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الدُّعاء.. عبادة، علاقة ومناجاة

عمار كاظم

الدُّعاء.. عبادة، علاقة ومناجاة

يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186). ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضل العبادة الدُّعاء وإذا أذِنَ الله لعبد في الدُّعاء فتحَ له أبواب الرحمة إنّه لن يهلك مع الدُّعاء أحد». الدُّعاء هو التعبير الحيّ عن شعور الإنسان بحاجته الدائمة إلى الله في جميع أُموره، واعترافه الخاضع بصفة العبودية التي تشمل الإحساس بالارتباط العميق بالله والفناء فيه، بحيث لا يحسّ معه بوجوده، ولا يشعر بكيانه. ورد في الحديث أنّ «الدُّعاء مُخّ العبادة ولا يُهلَك مع الدُّعاء أحد»، وهو تعبير عن جوهر العبادة وحقيقتها التي تتجلّى في إقبال العبد المحتاج على المعبود الغني: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر/ 15). «الدُّعاء مُخّ العبادة»، لأنّه التعبير الحيّ عن معنى العبودية والخضوع والخشوع الذي يتمثّل في العبادة. وبدونه، تصبح العبادة جسداً لا روح فيه، وبذلك، يخرج الدُّعاء عن أن يكون طقساً تقليدياً يمارسه الإنسان بدون فهمٍ أو وعي، بل بفعل العادة الدائبة. وقيمة الدُّعاء في الإسلام، هي تربية الإنسان على المحافظة على شعوره الدائم بالحاجة إلى ربّه في جميع أوضاعه وحالاته، وتأصيل هذه القيمة في وجدانه وروحه وعقله، ليكون الإنسان الواعي المخلص لربّه. قيمة الدُّعاء في حياة الإنسان، لا تنطلق من شعوره بالحاجة الآنية المحدودة، بل تمتدّ لتشمل الشعور العميق بالصلة الروحية التي تشدّ الإنسان إلى ربّه في محبّة واطمئنان.

ومن خصوصيات الدُّعاء ترسيخ الإيمان واستقراره في قلب الإنسان، فمن خلال الدُّعاء واستمراره، والتوجّه لله تعالى يتقلّص خطر زوال الإيمان. قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال/ 2). إنّ الحديث مع الله تعالى والقرب منه يعمّق في الإنسان روح الإخلاص، الذي يعني العمل لله بنيّة خالصة، وعندما تتجذّر هذه الحالة لدى الإنسان فإنّ جميع أعماله يمكن أن تُنوى لله تعالى. الدُّعاء وظيفته أن يضع عن كاهل الإنسان هذه الأغلال ويهبه روح الإخلاص التي تحرّره من كلّ قيدٍ بما فيها أثقلها وهو قيد الأنا والأنانية: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر/ 65). نعم، إنّ الدُّعاء هي تلك العبادة التي تحيّ العشق القلبي لله تعالى، وهذا العشق هو مظهر لجميع كمالات الباريّ تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحجّ/ 35).. فالدُّعاء والأنس والنجوى مع الله تعالى يخلق هذه المحبّة في القلوب.

ارسال التعليق

Top