• ٣ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٢ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الرسائل السلبية

السيد حيدر طالب آل يحيى الموسوي

الرسائل السلبية
ماهو التفكير السلبي؟ هو التشاؤم في رؤية الأشياء، والمبالغة في تقييم الظروف والمواقف، إنه الوهم الذي يحول لا شيء إلى حقيقة ماثلة لا شك فيها، وهذا بخلاف التفكير الإيجابي، الذي هو: التفاؤل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، إنه النظر الجميل في كل شيء، وهو منهج حياة قائم بذاته، وأول السباب التفوق والنجاح الإيجابية بالتفكير، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): "ليس من العدل القضاء على الثقة بالظّنّ".
الأفكار السلبية تجتاحنا أثر مواقف نحث لنا في البيت، العمل، الشارع، وحين لا نتوقف على ثقة تامة بأنفسنا، وعندما نكون مترددين ومهيئين للركض خلف كل انفعال عاطفي، وجاهزين للانسياق خلف كل موقف وما يجره من ردات فعل سلبية، تحدث في داخلنا آثار ندفع نحن ثمنها فيما بعد! ففي أغلب الأحيان ننفعل وننجر خلف كل هذه المواقف السلبية، ونصدق أيضا أفكارنا السلبية عن أنفسنا أو عن الآخرين، ولو تأملنا قليلا لتيقنا أننا كنا نضخم الأمور ولا نتعامل أبداً معها بروية وموضوعية.
·       البرمجة السلبية والإيجابية للذات:
إن معظم الناس تبرمج منذ الصغر على أن يتصرفوا أو يتكلموا أو يعتقدوا بطريقة معينة سلبية، وتكبر معهم حتى يصبحوا سجناء ما يسمى "بالبرمجة السلبية" التي تحد من حصولهم على أشياء كثيرة في هذه الحياة، فنجد أنّ كثيراً منهم يقول أنا ضعيف الشخصية، أنا لا استطيع الامتناع من التدخين، أنا ضعيف في طلب العلم وتحصيله، وهكذا نجد أنهم اكتسبوا هذه السلبية أما من الأسرة أو من المدرسة أو من الأصحاب، ولكن هل يمكن أن تغيّر هذه البرمجة السلبية وتحوّلها إلى برمجة إيجابية؟ الإجابة نعم، ولكن لماذا نحتاج ذلك؟ نحتاج أن نبرمج أنفسنا ايجابياً لكي نكون سعداء ناجحين، نحيا حياة طبية، نحقق أحلامنا وأهدافنا، وخاصة وأننا مسلمون ولدينا وظيفة وغاية لا بد أن نصل إليها لنحقق العبادة لله سبحانه وتعالى، قبل أن نبدأ في برنامج تغير البرمجة السلبية لا بد أن نتفق على أمور وهي:
1-       لا بد أن تقرر في قرارة نفسك أنك تريد التغير، فقرارك هذا هو الذي سوف ينير لك الطريق إلى التحول من السلبية إلى الإيجابية.
2-                تكرار الأفعال والأقوال التي سوف تتعرف عليها، وتجعلها جزءاً من حياتك.
الآن أول طريقة للبرمجة الايجابية هي:
·       التحدث إلى الذات:
هل شاهدت شخصاً يتحدث مع نفسه بصوت مرتفع وهو يسير ويحرك يديه ويتمتم وقد يسب ويلعن، أو هل حصل وإن دار جدال عنيف بينك وبين شخص ما وبعد أن ذهب عنك الشخص، دار شريط الجدال في ذهنك مرة أخرى فأخذت تتصور الجدال مرة أخرى وأخذت تبدل الكلمات والمفردات مكان الأخرى وتقول لنفسك لماذا لم أقل كذا أو كذا، وهل حصل وأنت تحضر محاضرة أو خطبة تحدثت إلى نفسك وقلت، أنا لا أستطيع أن اخطب مثل هذا أو كيف أقف أمام كل هؤلاء الناس، أو تقول أنا مستحيل أقف أمام الناس لأخطب أو أحاضر، إنّ كل تلك الأحاديث والخطابات مع النفس والذات تكسب الإنسان برمجة سلبية قد تؤدي في النهاية إلى أفعال وخيمة.
ولحسن الحظ في استطاعتنا التصرف تجاه التحدث مع الذات، وفي استطاعتنا تغير أيّة برمجة سلبية لإحلال برمجة أخرى جديدة تزودنا بالقوة، يقول أحد العلماء: "في استطاعتنا في كل لحظة تغير ماضينا ومستقبلنا وذلك بإعادة برمجة حاضرنا"، إذا من هذه اللحظة لابد أن نراقب وننتبه إلى النداءات الداخلية التي تحدث بها نفسك.
وأريد أن أوضح بعض الحقائق العلمية نحو عقل الإنسان ونركز خاصة على العقل الباطن، أنّ العقل الباطن لا يعقل الأشياء مثل العقل الواعي فهو ببساطة يخزن المعلومات ويقوم بتكرارها فيما بعد كلما تم استدعاؤها من مكان تخزينها، فلو حدث أنّ رسالة تبرمجت في هذا العقل لمدة طويلة ولمرات عديدة مثل أن تقول دائماً في كل موقف، أنا خجول أنا خجول، أنا عصبي المزاج، وهكذا فإنّ مثل هذه الرسائل سترسخ وتستقر في مستوى عميق في العقل الباطن ولا يمكن تغيرها، ولكن يمكن استبدالها ببرمجة أخرى سليمة وإيجابية، وحقيقة أخرى هي أنّ للعقل الباطن تصرفات غريبة لابد أن ننتبه لها، فمثلاً لو قلت لك هذه الجملة: "لا تفكر في الجو المغبر"، هل يمكنك أن تقوم بذلك وتمنع عقلك من التفكير، بالطبع لا فأنت غالباً قد قمت بالتفكير في شكل الجو المغبر لماذا؟
إنّ عقلك قد قام بإلغاء كلمة لا واحتفظ بباقي العبارة وهي: فكر في الجو المغبر، إذا هل ممكن أن نستغل مثل هذه التصرفات الغريبة للعقل، والآن إليك هذه الخطة حتى يكون تحدثك مع الذات ذا قوة إيجابية:
1-       دون على الأقل خمس رسائل ذاتية سلبية كان لها تأثير عليك مثل: أنا إنسان خجول، أنا ذاكرتي ضعيفة، أنا لا أستطيع الكلام أمام الجمهور، أنا عصبي المزاج، والآن مزق الورقة التي دونت عليها هذه الرسائل السلبية وألق بها بعيداً.
2-       دون خمس رسائل ذاتية إيجابية تعطيك قوة وابدأ دائماً بكلمة "أنا أستطيع" مثل: أنا أحب التحدث إلى الناس، أنا ذاكرتي قوية، وهكذا.
3-                دون رسالتك الإيجابية في مفكرة صغيرة واحتفظ بها معك دائماً.
4-                والآن خذ نفساً عميقاً، واقرأ الرسالات واحدة تلو الأخرى إلى أن تستوعبهم.
5-       ابدأ مرة أخرى بأول رسالة، وخذ نفساً عميقاً، واطرد أي توتر داخل جسمك، اقرأ الرسالة الأولى عشر مرات بإحساس قوي، أغمض عينيك وتخيل نفسك بشكلك الجديد ثم أفتح عينيك.
6-       ابتداءً من اليوم احذر ماذا تقول لنفسك، واحذر ما الذي تقوله للآخرين واحذر ما يقول الآخرون لك، لو لاحظت أيّة رسالة سلبية قم بإلغائها، وقم باستبدالها برسالة أخرى إيجابية.
تأكد أنّ عندك القوة، وأنك تستطيع أن تكون، وتستطيع أن تملك، وتستطيع القيام بعمل ما تريده، وذلك بمجرد أن تحدد بالضبط ما الذي تريده وأن تتحرك في هذا الاتجاه بكل ما تملك من قوة، لذلك عليك بأن تثق فيما تقوله، وأن تكرر دائماً لنفسك الرسالات الإيجابية، فأنت سيد عقلك، أنت تحكم في حياتك، وتستطيع تحويل حياتك إلى تجربة من السعادة والصحة والنجاح بلا حدود.
وتذكر دائماً: عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، كما قال أمير المؤمنين (ع): "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"، وقدر قيمة الحياة.
·       كيف تتغلغل الرسائل السلبية في حياتنا:
تتواجد الرسائل السلبية في حياتنا بفعل الأسباب التالية:
1-    ضعف الثقة بالنفس والقدرات.
2-    التجارب غير الناجحة (المحبطة).
3-    عقد المقارنات مع الآخرين.
4-    الميل الفطري نحو النقد السلبي.
5-    طبيعة البعض الشعورية التي تظهر العجز والفشل.
·       أسباب تؤدي إلى التفكير السلبي:
1-    الانتقادات والتهكم الذي ربما يتعرض له الفرد من المحيط.
2- الانسياق السريع خلف المؤثرات والانفعالات الوجدانية والعاطفية، والاسترسال دونما روية، مما يبعدهم تماماً عن الثبات والهدوء الذين يمهدان لشخصية الفكر والسلوك.
3-    تركيز الإنسان على مناطق الضعف لديه، ومن ثمّ تضخيمها حتى تصبح شغله الشاغل.
4-    الإنطواء على النفس والبعد عن المشاركات الاجتماعية الإيجابية والتدريب على التفاعل الاجتماعي.
5-    المواقف السلبية المترسبة لدى الفرد من صغره.
6-    الحساسية الزائدة لدى البعض من النقد أو التوبيخ.
7- الفراغ وكفى به سبيلاً، يسير للأفكار السلبية فعدم وجود أهداف وطموح لافت لدى الفرد يشغل عليه تفكيره، ويحدده في نقاط معينة يسعى إلى صنعها ورؤيتها في واقعة من شأنه أن يوجد فراغاً فكرياً كبيراً.
8-    اتخاذ أصدقاء سلبيين في أفكارهم ونظرتهم، ولا أحد يشك في تأثير الصديق، قال الإمام (ع):
واختر قرينك واصطفيه تفاخراً *** إنّ القرين بالقرين ينسبُ
9-    تضخيم الأشياء فوق حجمها وعدم تفهم المواقف بعقلانية وهدوء.
10-         ابتعد عن كل ما من شأنه أن يصنع أفكاراً سلبية لا حقيقة لها في الواقع، ومن ثمّ يصدها الفرد بل يرى انها حقيقة وهذا ناتج ولا شك عن شخصية تعيش فراغاً وانعداماً للثقة.
11-                       الخوف، القلق، التردد، يصنعان شخصية مزدحمة بالأفكار السلبية.
12-                       مشاهدة البرامج، أو قراءة كتب تحمل طابعاً سلبياً.
13-                       الاكتئاب والسوداوية في رؤية الأمور والمواقف.
 
     المصدر: كتاب (كي نحيا/ دروس في فن التواصل وإدارة الذات)

ارسال التعليق

Top