• ١٧ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٥ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

السمات النفسية للمراهق

مصطفى الطحان

السمات النفسية للمراهق

1-    القلق أو الحصر النفسي:

وهي حالة غاية في الألم، ترفع درجة التوتر التي تؤدي إلى اضطراب في التوازن النفسي، وعليه فإن خفض درجة القلق أو الحصر النفسي يمكن أن تلقن للمراهق فيتعلم كيف يسيطر على أعصابه ويقلل من شعوره المتوتر بطبيعته، وهذا يستدعي تعليمه أنواعاً متعددة من الأساليب المختلفة التي تمكنه من التأقلم مع الأوضاع التي تثير حساسيته، أو أن يدفع عن نفسه ذلك التوتر بأسلوب دفاعي تلقائي، والذي يحدث عن طريق تصرفات لا معنى لها مثل:

·      حالات الإغماء أو عجز عضوي ظاهر بدون أن يكون هناك سبب مرضي واضح، وعندما يشعر المراهق أنّه وضع في موضع حرج تزداد درجة توتره فيحاول أن يخرج من ذلك المأزق بطريقة دفاعية تلقائية كأن يسقط مغشياً عليه، أو أن يفقد القدرة على الكلام أو المشي دون أن يكون هناك سبب مرضي واضح، وقد وجد في كثير من الحالات أن مصدر هذه الأعراض يقع في اللاوعي، فتلك الأفكار والمشاعر هي راسخة في عقله الباطن يرفض عقله الظاهر الاعتراف بها حتى لنفسه، لأنّ ذلك الشعور بتلك المشكلات لا يمكن أن يظهر بدون آلام وتوترات حتى الهلع، وعليه فإنّ هذه الأعراض تخدم وتحمي وتدافع عن المراهق من الشعور بتلك المشكلات.

مثال على ذلك: النسيان فنجد أنّ المراهق قد ينسى تماماً حادثة معينة ويصر على نسيانها لما سببته تلك الحادثة من آلام وتوترات.

فحالة الدفاع التلقائي هي عبارة عن حالة يحاول فيها المراهق أن يدفع عن كاهله توترات عنيفة تصاحبها آلام عضوية أو نفسية رهيبة.

 

2-    الكبت:

وهي حالة يمر بها المراهق كمحاولة لتخفيف مظاهر التوتر أو اخفائها عن الآخرين، فيوظف المراهق هذا الكبت بطريقة لا شعورية لأنّها تساعده في تخفيف التوتر، مثل نسيان اسم شخص يكرهه، أو حادثة مؤلمة لا يرغب فيتذكرها، وربما فترة في حياته ينساها لما تمثله من الألم وما يصاحبها من توترات، وعند استخدام المراهق لهذا الكبت ينتج عنه فقدان الإحساس بتلك التجربة المرعبة أو ما صاحبها من توترات وآلام. وبذلك يمكن تعريف الكبت: بأنّه تلك الحالة التي تنتج عن محو حادثة معينة أو فترة زمنية معينة من حياة الفرد.

ولعل الكبت أحد الأسباب التي تجعل هناك صعوبة في التعامل بين الكبار (بما فيهم الأبوان) والمراهقين، أو في الوصول إلى التآلف العاطفي وتقدير المشاعر والأحاسيس التي يحملها المراهقون وبالتالي انعدام المشاركة الوجدانية.

 

3-    الإنكار:

وهي محاولة بدائية من المراهق، إنكار الواقع وكأنّه غير واقع، ومن الأمثلة: أن يقول الشخص المشتعل غضباً أنّه غير غضبان. أو المتألم أنّه غير متألم.

يلجأ المراهق لهذه الحالة ليس ليدفع عن نفسه التوتر فحسب بل ليكتسب في نظر الناس نظرة أفضل مما لو باح بالحقيقة.

أو بمعنى آخر يتحمل ألماً جسمياً ليدفع ألماً نفسياً. مثل الطفل الذي يتصنع الابتسامة وهو يشرب الدواء المرّ، أو يكتم ألمه عند وخزه بإبرة الدواء؛ وذلك حتى لا يتهمه الآخرون بالجبن.

أو أن يتظاهر المراهق بواقع يختلف عن الواقع، مثل ادعائه أن والده يحبه ويحترم آراءه والواقع هو العكس، أو الادعاء بأن أمّه تقلق لغيابه والواقع هو غير ذلك.

وغالباً يكون الإنكار ناتجاً عن رغبة في نفس المراهق وأمنية أن يكون ذلك الذي يدعيه حقيقة، أي شعور بنقص عاطفي أو انعدام تآلف وتقارب وجداني بين المراهق والمقربين له.

وأسوأ ما في الأمر أن يصدّق المراهق في آخر المطاف ادعاءاته.. وهذا قد يؤدي إلى ازدواجية في الشخصية.

 

4-    الاستبدال أو الإحلال:

وهو أن يعزو الفرد تصرفاً أو سلوكاً غير مقبول إلى غير مصدره.

ففي الإحلال يعزو المراهق السلوك المستهجن الذي ارتكبه إلى شخص آخر. أمّا في الاستبدال، فيتصرف الفرد تصرفاً مقبولاً ولكنه يعزوه إلى سبب غير السبب الحقيقي، فهو يخاف من أبيه مثلاً، ولكنه ينسب خوفه إلى الظلام أو اللصوص.

 

5-    التعليل المنطقي (عقلنة التصرف):

وهذه وسيلة مريحة وواسعة الاستخدام من قِبَل الجميع أطفالاً ومراهقين أو كباراً، وهي إعطاء الفرد تعليلاً منطقياً مقبولاً لتصرفاته أو مزاجه، وقد يكون هذا التعليل غير حقيقي، وأنّ السبب وراء هذا التصرف لو عرف قد يؤدي إلى توتر وشعور بالذنب أو التأنيب.

وأشهر هذه التصرفات: الأب أو الأُم يكون في حالة نفسية سيئة ويضايقه صراخ أحد أبنائه أو شجار يدور بين الأبناء ينهيه بعنف وقسوة، ويعزو ذلك إلى أنّ الدافع لهذا التصرف، محاولة تأديب الطفل وتقويم سلوكه، بينما الحقيقة أنّه كان في ساعة غضب وضيق.

أو المراهق الذي يسكت على إهانة أو تحقير مدعياً بأنّه فضل ذلك لعدم الدخول في المهاترات والمنازعات لأنّه إنسان مسالم والحقيقة أنّه جبن أو عجز عن الرد.

 

6-    التصرف العكسي:

وهو أنّ يتصرف الإنسان بشكل يغاير رغباته الحقيقية، إما لينال إعجاب الآخرين، أو ليلفت إليه الأنظار، أو ليعبر عن معارضته ومخالفته لمجتمع أو أمر معيّن، مثل ظهور الهيبز في أوربا وأمريكا، فهم يتصرفون عكس ما يؤمن به المجتمع. فحيث تملأ الشوارع إعلانات الصابون والعطور، نجد الواحد منهم لا يستحم.

 

7-    الانطواء أو الانسحاب:

ومعناه هروب الفرد من حالة أو ظروف أو فرد، يتوهم أنّهم يمثلون تهديداً له، وخطورة هذه الحالة إذا أدت إلى شعور بالأمان والراحة مع الوحدة مما يؤدي إلى الإنفصال عن المجتمع والخوف من العلاقات الاجتماعية وهروباً من كل المواقف العصيبة وبالتالي تقوده إلى السلبية والانعزال.

 

8-    التزمت والتنطع:

وهي محاولة إنكار الحاجات الفطرية، لأسباب اجتماعية أو سياسية، يعيشها الشباب والمراهقون.

والإسلام لم يحارب الفطرة أو الرغبات الفطرية، ولكنه نظمها وهذبها، وأوجد الطرق التي تمكن الفرد من إشباع تلك الرغبات بالشكل السليم.

قال رسول الله (ص): "هلك المتنطعون".

وقال أيضاً: "إني أتقاكم لله غير أني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي".

والتزمت الديني والتشدد العقدي آفة يبتلى بها الإنسان خاصة إذا كان مراهقاً أو قليل التحصيل العلمي فهو يعتقد أن عمله هذا يقربه من الله بينما العكس هو الواقع، ولعلّ أفضل علاج لهذا هو أن نبدأ مع أبنائنا في هذا السن بقراءة السير ليتهذبوا وترق قلوبهم وتلين طباعهم، فالفظاظة والغلظة ليستا من صفات الإيمان، بل هما من صفات الجهل. (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/ 159).

 

9-    التبني السلوكي (التقمص):

وهي عملية تتم في مراحل تطور المراهق، حيث يتخذ لنفسه نموذجاً يفكر ويشعر ويتصرف بنفس الطريقة التي يتميز بها النموذج، ورغم أنّ هذا المعنى يتضمن التقليد إلا أن هناك فرقاً بينهما، إذ أنّ التقليد عملية محاكاة لسلوك معيّن ولو شجع لأصبحت المحاكاة ثابتة، ولو عُنف الفرد على ذلك التصرف ربّما ينتهي.

أما التبني فهو عملية أكثر تعقيداً، إذ أنّها محاولة لتطابق تام في رد الفعل الصادر عن المراهق، إذ يحاول أن يكون صورة متطابقة من شخص آخر محل إعجابه. بل قد يصاحب ذلك اندماج عاطفي بين الشخصيتين، كما أنّ التبني السلوكي مع النموذج يكون عامّاً وشاملاً ومؤكداً ويحدث بطريقة لا شعورية. أمّا التقليد فيتم شعورياً ودون اندماج عاطفي بين المقلِّد والمقلَّد.

 

معرفة الذات:

اختلف المفكِّرون في تعريف الذات، فقال بعضهم: "الذات تتحدث عن نفسها في مجموعة من الدلالات" ومعنى هذا أنّ الشعور بالذات يختلف من شخص لآخر، وهذا يؤثر على ثقة الشخص بنفسه ومدى شعوره بذاته. فمن لديه شعور قوي بالذات يرى نفسه كفرد متميز كوحدة مستقلة عن غيره رغم أنه يشاركهم نفس القيم والأهداف والتطلعات، غير أنّ هذا الشعور بتمايز الذات يصاحبه شعور بالحاجة إلى الكل، والشعور بالجماعية أي الشعور بالوحدة كجزء من كل، والشعور بالتفرد كجزء متميّز عن غيره من الأجزاء. والمراهق الذي يصل إلى مرحلة تكوين الذات فيتوازن لديه حب الذات وحب الآخرين، فلا يطغى الأوّل بحيث يصبح أنانياً، ولا يطغى الثاني بحيث يصبح إمعة، ولا يصل لمرحلة الثقة بالنفس لدرجة الغرور أو الاتكال على المجموعة إلى درجة التخاذل، وإنّ المراهق إذ دخل الإيمان في قلبه، وأصبح على عقيدة سوية يمكنه أن يجتاز هذه المرحلة بسلام.

إنّ وصول الفرد إلى معرفة ذاته واضطراب الذات إنما يتم في فترة المراهقة، ففي هذه المرحلة يحدث تطور كبير جسمي ونفسي وذهني يدفع الفرد للبحث عن ذاته، في هذه المرحلة يصبح للمحيطين بالمراهق درجة كبيرة في التأثير عليه وعلى تكوين ذاته ومن هنا يأتي قول الرسول (ص): "مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يهديك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة".►

 

المصدر: كتاب التربية ودورها في تشكيل السلوك

ارسال التعليق

Top