• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

السمو الأخلاقي والإنساني

عمار كاظم

السمو الأخلاقي والإنساني

لقد جعل الله الأخلاق في مكارمها العنوان الكبير للإسلام كلّه، لأنّ الإسلام في شريعته وفي كلِّ مفاهيمه هو حركة أخلاق، وهذا ما عبّر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكأنّ حركة النبوات، فيما أنزله الله تعالى عليها من وحي، كانت حركة أخلاقية تتّسع لكلّ زمن بحاجاته الأخلاقية، وعندما يتطوّر الزمن بعد غياب نبيّ المرحلة، فإنّه يحتاج إلى أخلاق جديدة، وهكذا حتى بعث الله تعالى رسوله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإسلام، ليكون الإسلام في شريعته ومنهجه الأخلاقي متمِّماً لمكارم الأخلاق. وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) النموذج الأكمل الذي يجسِّد الإنسان الذي تتجمّع مكارم الأخلاق في وجوده وشخصيته وفي حركته بين الناس، ولذلك خاطبه الله تعالى في كتابه المجيد بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم/ 4)، حيث بلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) في خلقه المستوى العظيم في كلّ صفاته المتمثّلة في إنسانيته، وأراد للأُمّة أن تقتدي به، فخاطبها بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب/ 21)، فهو القدوة، وعليكم أن تقتدوا به، فتأخذوا بسيرته وتنفتحوا على أخلاقيته. وقد عبّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا السمو الذي يريده الإسلام في أخلاقية الإنسان المسلم عندما يأخذ بمكارم الأخلاق: «أن تصل مَن قطعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفو عمّن ظلمك»، أن تكون أخلاقيتك نابعة من إنسانيتك، لا من عملية ردّ الفعل، أو انطلاقاً من مبدأ التعويض.

وقد تحدّث الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن بعض هذه الصفات التي يحبّها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في الإنسان المؤمن، على أساس أنّها تمثّل مكارم الأخلاق، فقد حدّث (عليه السلام) بعض أصحابه فقال: «إنّا لنحبّ مَن كان عاقلاً ـ مَن يأخذ بأسباب العقل في كلِّ ما يفكر فيه، وما يدخل إليه، وفي كلّ ما يتعامل معه؛ أن يكون الإنسان العاقل ولا يكون الإنسان الانفعالي الحاد الارتجالي، لأنّ الله تعالى أراد للإنسان أن يتحرّك بعقله لا بانفعاله ولا بعاطفته ـ فَهِماً ـ يتفهّم الأُمور من حوله ليعرف حقائقها ودقائقها ـ فقيهاً ـ متفقّهاً في دينه ـ حليماً ـ واسع الصدر، بحيث يتّسع للناس كافة، لمن أساء إليه، ولمن أحسن إليه ـ صبوراً ـ إذا واجهته المصائب وأحاطت به المشاكل، فإنّها لا تسقطه، ولا تؤدِّي به إلى الجزع، بل إنّه يتماسك في هذه الحالة، ويصبر ريثما تزول المصيبة ويفكّر في حلول المشاكل التي تطبّق عليه ـ صدوقاً ـ يصدق في كلامه وفي مشاعره وفي مواقفه، فلا يكون من الكاذبين ـ وفيّاً ـ يفي للناس بما وعدهم به وبما عاهدهم عليه ـ إنّ الله عزّوجلّ خصّ الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك ـ لأنّها نِعمة كبيرة أنعم الله بها عليه في بناء وجوده على أساس المنهج الأخلاقي ـ ومَن لم تكن فيه فليتضرّع إلى الله عزّوجلّ وليسأله إيّاها»، فمن لم يتربَّ تربية أخلاقية على أساس مكارم الأخلاق، فليعتبر ذلك بلاءً ابتلاه الله به ومشكلةً عاشها، فعليه أن يبدأ بالابتهال إلى الله ليوفّقه للحصول على ذلك، فقال صاحب الإمام الصادق (عليه السلام): «جُعلت فداك، وما هنّ؟» قال (عليه السلام): «الورع، والقناعة، والصبر، والشُّكر، والحلم، والحياء، والسخاء، والشجاعة، والغيرة ـ أن يكون غيوراً على ما ينبغي للإنسان أن يغار عليه في عرضه وكلّ أُموره ـ والبرّ، وصدق الحديث، وأداء الأمانة».

هذه هي خصال الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، وهي خصال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخصال القرآن، فعلينا أن نتأدَّب بآداب الإسلام، حتى نقرب إلى الله عزّوجلّ، وحتى نعيش في مجتمعاتنا كما يحبّ الله تعالى ويرضى.. فالخصال الإيمانية ترفع بالإنسان المؤمن وتجعل منه قدوة يُحتذى بها، وبالتالي تكون صفة المجتمع هي الرفعة الأخلاقية التي من خلالها يستطيع المجتمع ينهض ويكون صاحب حضارة وأخلاق تسمو وتعلو بنا على مستوى العالم.

ارسال التعليق

Top