• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الشباب ومشكلة أوقات الفراغ

أ. د. مجدي أحمد محمد عبدالله*

الشباب ومشكلة أوقات الفراغ

◄روى الإمام البخاري عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله (ص) "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ". فبين النبي (ص) أنّ الفراغ نعمة في حق العبد إذا إستعمله فيما يعود عليه بالنفع في دنياه وأخراه، أما إذا لم يغتنمه الشاب تحول من نعمة إلى نقمة، ومن منحة إلى محنة، ويصبح شبحاً مخيفاً يحول الشاب إلى ألعوبة بيد شياطين الجن والإنس. إنّ الشباب والفراغ والجدة... مفسدة للمرء أي مفسدة وقد قرر علماء النفس والتربية في الغرب أن فراغ الشباب في تلك البلاد يعد واحداً من أكبر أسباب الجرائم فيها. وأجمعوا على أن الشاب إذا اختلى بنفسه أوقات فراغه وردت عليه الأفكار الحالمة، والهواجس السارحة، والأهواء الآثمة، والتخيلات الجنسية المثيرة، فلا يجد نفسه الإمارة إلا وقد تحركت وهاجت أمام هذه الموجة من التخيلات والأهواء والهواجس، فيتحرك لتحقيق خيالاته مما يحمله على الوقوع في كثير مما هو محظور. وليس هذا ما ينفرد به شباب الغرب بل هو مما يشترك فيه شباب الدنيا بأسرها، ولذلك كان إغتنام أوقات الفراغ قبل الإنشغال، واستغلال زمان الشباب قبل الهرم، والصحة قبل المرض، والحياة قبل الممات، من وصايا الرسول (ص) لأمته.

ورحم الله عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله (ص) إذ يقول: "إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً، ليس في شئ من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة".

 

-       طبيعة أوقات الفراغ وأثاره:

يبدو لي أننا نردد في بعض الأحيان جملاً وأسئلة لم يعد لها محل معاصر من الإعراب. ومن تلك الأسئلة (كيف نقضي أوقات الفراغ)؟ فالواقع أننا اليوم في مواجهة حل من إثنين: إما أن نقضي على أوقات الفراغ ونجهز عليه حتى الموت أو أنها ستقضي علينا إذا ظلت تحاصرنا وعشنا أسرى خلف قضبان الحيرة والعجز عن مواجهة وقهر الفراغ. قد يصبح السؤال أكثر منطقية في هذه الألفية إذا أعدنا صياغته وقلنا: (لماذا نعاني من أوقات الفراغ؟) فوجود حيز فارغ من مساحة يومنا ذي الـ24 ساعة فقط لا غير، يشير حتماً إلى أننا إما لا نعمل أو لا ننام أو ليس لنا هوايات أو لسنا متفاعلين مع المجتمع بأفراده وأدواته ومناشطه.

وبالإمكان هنا أيضاً أن نستبدل كلمات (لا) و(ليس) الواردة أعلاه بـ(الا نعرف كيف) فالكثير منا يود أن يعمل لكن لا يعرف كيف يجد العمل الذي يحبه ويستمتع بأدائه وينشغل بتطوير أدائه فيه، والبعض الآخر لا يعرف إن كانت له هوايات ليمارسها بشكل يومي والبعض الأخر يحيط نفسه بكافة وسائل الترفيه والصحبة، ومع ذلك يعانى من الملل والفراغ الذي قد لا يكون محيطاً به بقدر ما هو يسكنه لأنّه ببساطة لم يعرف بعد ماذا يريد ولا كيف يستثمر تلك الساعات القصيرة والثمينة من العمر. ثمة حلقة ما مفقودة من حياتك وعليك أن تبحث عنها إذا كانت أحد هؤلاء، ولن أسهب كثيراً في فلسفة السؤال وتشخيص الحالة لكني سأبرر تأكيدي بأنها حالة لم يعد لها محل من الإعراب أو الوجود في عصرنا الحالي. والدليل أنّه بالرغم من أن الـ24 ساعة هي نفسها التي تعيشها يومياً كافة الكائنات في جميع أنحاء العالم دون زيادة أو نقصان، إلا أنّ المفارقة نلمسها بين طرفي النقيض، وندركها بين هذا الذي يعاني من ساعات فائضة مهدرة وذاك الذي يعاني من ضيق الوقت ولم تعد تكفيه أو ترضيه ساعات اليوم الواحد، فهنا التفريط وهناك الإفراط.

حيث بدأت تبرز في الغرب ظاهرة الإعتماد على ما يُسمى بأقراص Stay Awake منذ أن توصل مبتكروا هذا الدواء إلى نتيجة تفيد بأنّ الـ24 ساعة لم تعد كافية لإتمام مشاغل الإنسان فطرحوا ذلك الحل السحري الذي يُعطل الإحساس بالنوم لساعات تطول أو تقصر، بحسب الجرعات، ويساعدك العقار على البقاء متيقظاً دون أن تشعر بالنعاس أو التوتر أو الخمول، لتتمكن تبعاً لوصفات محددة من البقاء متيقظاً لمدة تصل إلى 40 ساعة بنفس النشاط الذي تشعر به بعد إستيقاظك من ليلة نوم عميق... المثير أنّه لم يثبت لتلك الأقراص إلى الآن آثار جانبية خطيرة إذا ما تم تعاطيها تحت إشراف طبي، كما أنّه يعتمد عليها منذ ست سنوات بكثافة أصحاب الجداول المزدحمة بالأعمال أو الذين تتطلب أعمالهم المناوبة الليلية حيث لا يكون النوم خياراً مطروحاً... ويعادل مفعول بعض هذه الحبوب 20 كوباً من القهوة...

الفراغ كان ولا يزال أحد أبرز المعوقات التي تقف في وجه الإبداع الشبابي، إذا ما تم تجاهل ذلك الإبداع بإتقان وشكل مدروس، ليمهد إلى الوقوف في الجرائم بشتى أنواعها. نعم، قد تسعى جهات محددة إلى إيجاد حلول لتلك الأزمة التي يعيش معها أبناء وجيل المستقبل، إلا أنها ليست بالضرورة تكون حلولاً جادة.

أنّ الفراغ مشكلة ترهق الإنسان وتجعله متعباً أكثر من المرهقين من ممارسة الأعمال اليومية، ويبعث الضجر والملل للفرد، فالفراغ يجعل صاحبه يدور حول نفسه ولا يدري ما يفعل، بالإضافة إلى أنّه قد يشكل بداية إلى طريق الكآبة والإصابة بالهم. كذلك فإنّ "الفراغ قد يؤدي بالفرد إلى الإصابة بأمراض نفسية، وذلك ما سينعكس سلباً على الفرد نفسه والمجتمع، ما يعني أنّ الفرد من دون قيمة"، فإن "مسؤولية شغل أوقات الفراغ للشباب والطلبة تحديداً تقع على عاتق جهات متعددة وهي: الفرد نفسه، الذي لابدّ أن يكون في مستوى معرفة إحتياجاته، ومن ثمّ المجتمع الذي يضم الأسرة والمدرسة وجهات المجتمع المدني. "أجل العلم وعن دور المدرسة في التوجيه نحو شغال أوقات الفراغ: "أنها لابدّ أن تشغل أوقات الفراغ بأمور نافعة من خلال طرق التدريس، التي لا تأخذ – للأسف في الكثير من المؤسسات التعليمية – بمبدأ التعلم الحقيقي الذي يعني التعلم من أجل العلم ذاته وليس من أجل الحصول على الدرجات ومن ثمّ الوظيفة، بل أنّه يعني فراغه. "مسؤولية الدولة والقطاع الخاص أيضاً فإنّ "للتعلم دعائم يقوم عليها تتمثل في :التعلم من أجل المعرفة، ومن أجل العمل، ولتحقيق الذات وهو أحد الجوانب المهمة؛ إذ أن لكل فرد طاقات ومن المهم أن تخرج للمجتمع، بالإضافة إلى ضرورة التعلم من أجل الآخرين"، خاصة وأن للدولة أيضاً مسؤوليات في جانب شغل أوقات فراغ الشباب من خلال إيجاد البنية التحتية لتوفير مراكز أبحاث صغيرة وصالات رياضية وترفيهية ومسارح وجمعيات ونوادٍ علمية لتنمية مدارك الشباب ومختلف الهوايات كالكتابة والرسم وغيرها.

ولا يمكننا أن ننسى دور مؤسسات القطاع الخاص، فهناك ضرورة أن تفتح المجال لتدريب الشباب واستغلال الفراغ والطاقات الشبابية، في الوقت الذي نرى فيه أن غالبية من يعيش الفراغ من الشباب هم الطلبة، ومن الضروري أن يسعوا إلى الإندفاع ذاتياً نحو التنمية العلمية التي ستساعدهم على شغل أوقاتهم لتعم الفائدة لهم وللمجتمع. وكان التشديد على "ضرورة أن تسعى الحكومة إلى القيام بدراسة لإثبات مدى حاجة الشباب إلى الاهتمام من جانبها، داعياً الحكومة إلى إتخاذ الدول التي تهتم بشبابها نماذج تحتذى بها. وفي النهاية فإن شغل أوقات فراغ الشباب هو بمثابة صمام الأمان للشباب أنفسهم ضد القيام بأي تجاوزات أو إنحرافات غير مرغوب بها 3 ساعات فراغ يومياً.

أما أستاذ علم النفس أحمد سعد فقدم تعريفا لـ"الفراغ" قائلاً أنّه "الوقت الذي يتحرر فيه المرء من العمل والواجبات الاجتماعية، والذي يستغل في الإسترخاء والترويج أو زيادة المعرفة وتنمية المواهب الخاصة، أو تنمية المشاركة في المجتمع المحلي"، معتبراً أن "الأنشطة الأساسية للفرد تنحصر في العمل أو الدراسة، والإلتزامات العائلية، والواجبات الاجتماعية والروحية".

ولفت سعد إلى وجود طريقة يتم بها حساب أوقات الفراغ وهي "طريقة البواقي"، التي يتم من خلالها إسقاط الفترات التي يستفيد فيها الفرد من احتياجاته الضرورية كالعمل والنوم والأكل، موضحاً أنّه "إذا استغرق الفرد في النوم 8 ساعات، وفي المدرسة 7 ساعات، و في الأكل 3 وجبات ساعة واحدة، وفي التنقل ساعة أخرى، وفي العبادة ساعة واحدة، وفي النظافة أيضاً ساعة واحدة، وفي المذاكرة ساعتين سيكون المجموع 21 ساعة، وبذلك يكون وقت الفراغ 3 ساعات يومياً.

الفراغ أنواع... وفي الوقت نفسه نوه سعد إلى أنّه في أيام الأجازات تزيد أوقات الفراغ لـ13 ساعة في اليوم. وبحسب سعد، فإنّ "الدراسات في هذا الجانب أثبتت أنّ الطلبة يقضون 37 في المئة من أوقات فراغهم مع أصدقائهم، 23.5 في المئة من أوقاتهم مع إخوانهم في المنزل، و8.5 في المئة من أوقاتهم في المنزل بمفردهم، و31 في المئة من أوقاتهم في أماكن أخرى"، مضيفاً أنّ "للفراغ الذي يعيشه الشباب أنواعاً، منه الفراغ الزمني، والفكري، والروحي، والحضاري. وأكد سعد أن "من مضيعات الوقت: المكالمات الهاتفية، والتسكع في الأسواق، والتجول بالسيارة، واللعب بألعاب الكمبيوتر، ومشاهدة برامج التلفزيون غير الهادفة، والقيام بزيارات سريعة أو من دون موعد، والثرثرة والجدال مع الأصدقاء، بالإضافة إلى النوم أكثر من المعدل الطبيعي وهو 8 ساعات يومياً"، في الوقت الذي حذر فيه أستاذ علم النفس من مخاطر عدم شغل أوقات الفراغ عند الشباب قائلاً إن ذلك يؤدي إلى: التهور في إستخدام السيارة، واستخدام الهاتف في المعاكسات، والتسكع في الأسواق، ومعاكسة الفتيات، والتدخين، والإكثار من مشاهدة الفيديو، والسهر خارج المنزل، والإنحرافات الجنسية، والسلبية، والعنف.

أشكال القضاء على الفراغ وفي الوقت نفسه، قدم سعد أشكالاً للقضاء على أوقات الفراغ لدى الشباب وهي: الإشتراك في الأندية، والعمل خلال وقت الفراغ، والقراءات الدينية والثقافية، ومشاهدة التلفزيون أو الإستماع إلى الراديو، والقيام بالأنشطة الرياضية، والتمشي بالسيارة، وقراءة الشعر، ولعب الألعاب الذهنية، وكتابة القصص، والرسم، والتمثيل، وتعلم الخياطة وأمور التدبير للفتيات. واعتبر سعد أن من أهم عوامل جذب الشباب للجهات التي تقدم أنشطة لهم: وجود وقت الفراغ، واهتمام الجهات نفسها بالأنشطة الرياضية والثقافية في هذه النوادي، وتوافر الملاعب والمنشآت المناسبة، بالإضافة إلى توافر البرامج الترفيهية، إلا أنّه نوه في الوقت ذاته إلى وجود عقبات تمنع الشباب من التردد على النوادي الرياضية التي أبرزها: معارضة الأهل، وعدم تنظيم الوقت لدى الشباب، والإشتغال بمسؤوليات أخرى، وأحياناً عدم توافر المواصلات لدى الشباب، وعدم تنوع الأنشطة التي تقدمها الجهات الشبابية. معوقات كثيرة أمام الأنشطة الرياضية كما نوه سعد إلى وجود معوقات ممارسة الأنشطة عموماً في أوقات الفراغ من وجهة نظر الأبناء من بينها: عدم تشجيع الأسرة، وعدم وجود أندية قريبة من سكن الشاب، وعدم وجود برامج تعليم هوايات، وعدم وجود مراكز لممارسة الهوايات. وفيما يخص معوقات الأنشطة الرياضية من وجهة نظر الأبناء أيضاً، قال سعد أنّه "على رغم أهميتها فإنّ المعوقات التي تقف أمام ممارستها عدة، منها: عدم تعلم الأنشطة الرياضية بالمدرسة، وعدم وجود الأدوات الرياضية والملاعب المناسبة، وغياب مقار للأندية الرياضية.

ورأى أستاذ علم النفس أنّ "الشباب دائماً ما يقترحون إيجاد مراكز تنمية الهوايات، وتنظيم البرامج الدينية والثقافية، وتوفير الحدائق والبساتين، والأندية الصغيرة بالأحياء السكنية، ومنح الفرص لممارسة الهوايات بالمدارس، وتنظيم رحلات داخل دولهم وخارجها، والذهاب إلى السينما"، مضيفاً أنّ "الذكور وبحسب الدراسات يفضلون ممارسة جميع أنواع الرياضات وخصوصاً كرة القدم والسلة واليد، والطاولة والتنس، وألعاب القوى، والشطرنج، وسباق الدرجات، والسباحة".

 

-       إستغلال الفراغ في تفعيل الطاقات المعطلة:

كان أبا العتاهي يتحدث عن واقع معايش حين قال: إنّ الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة حقاً لقد إنتشرت في أيامنا هذه عادات غير سليمة وسرت بين شبابنا بذريعة تمضية وقت فراغهم. إن سد هذا الفراغ الكبير، بالوسائل الخاطئة يعد من أخطر الأمور على حاضر شبابنا ومستقبلهم. ومن البديهي أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إنحراف السبل بهذه الفئة الغالية التي يقع على عاتقها الإرتقاء بالمجتمع والرقي به نحو الحضارة والتقدم. وهنا يبدأ دور الأسرة والحي والمدرسة، وجميع مؤسسات الدولة، الحكومية منها والأهلية، في مساعدة الشباب على السير في الطريق السليم حتى لا يكونوا عالة على المجتمع، وأن يملأ هؤلاء الشباب وقت فراغهم بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع العام.

 

-       معاناة الشباب:

بداية إلتقينا مجموعة من الشباب وتحدثنا معهم عن مدى معاناتهم من وقت الفراغ، فكانت آراء نسبة كبيرة منهم تجمع ألى أن وجود إهدار الوقت في غالبية الأحيان، وأنّه يضيع منهم دون أن يستفيدوا منه مما جعل هذا الوقت يشكل إلى حد ما عبئاً عليهم، وعندما تم سؤالهم عن سبب إهدار الوقت ذكروا أنّه لا يود نشاط معيّن يستهويهم، فبعضهم ذكر أنّه يقرأ ولكنه لا يمكنه أن يفعل ذلك كل يوم، لأنّه سيمل من القراءة. أما بعضهم الآخر فذكر أنّه يتبادل الزيارات مع الأقارب والأصدقاء والجيران، ولكن هذا أيضاً برأيهم ليس كافياً لشغل جميع الوقت، وباختصار فإنّهم جميعاً يواجهون تلك المشكلة ويقترحون إنشاء مؤسسة صغيرة تتولى تنسيق جميع من يتقدمون بطلبات لشغل وقت فراغ لديهم، فتقوم هذه المؤسسة بتوجيههم نحو حرف معينة أو ممارسة أنشطة أو أشغال تعود عليهم بالفائدة وتعود على المجتمع بالخير والتقدم.►

 

·      أستاذ علم النفس المساعد (كلية الآداب – جامعة الإسكندرية)

المصدر: كتاب (أزمة الشباب ومشاكله بين الواقع والطموح/ رؤية سيكولوجية معاصرة)

ارسال التعليق

Top