• ١ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ٩ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

«الصدق» دعامة أساسية في بناء المجتمع

د. أسعد السحمراني*

«الصدق» دعامة أساسية في بناء المجتمع

يصنّف الصدق بين الفضائل الخلقية التي تشكّل عاملاً هاماً في زرع الثقة بين الناس مما يثمر وحدة مجتمعية، وتماسكاً بين أعضاء الجماعة لا خلل فيه. كما أنّ الصدق يعبّر عن استقامة الإنسان الصادق، وشجاعته وإتزانه لأنّ الصدق يجمع خصالاً محمودة قلّما تكون في غيره.

إنّ الإنسان المستخلف في الأرض فطر على الصدق، ولذا ترى فطرته تتنافى مع الكذب الذي هو فساد يصيب نفس المرء، وجبن متناهٍ من شخص خاف الناس فكذب، ولم يخف الله تعالى وهو الأولى أن نخشاه. إنّ العقل السليم يرى بأنّ "الفطرة المستقيمة التي لم يلحقها دنس تأبى على صاحبها إلّا أن يكون صادقاً في ما يقول ويفعل، وذلك لأنّ في الكذب جرأة على الله، وخوفاً من العبد الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرّاً".

والصدق نقيض الكذب، ونقول: صدقه الحديث؛ أي أبنأه بالصدق. والصدق (بفتح الصاد) الصلب من الرماح وغيرها. وكذلك رمح صدق: رمح مستوٍ. ويُقال الصدق من الرجال: الصلب المستوي من الرجال والكامل من كلِّ شيء. وصدق الرجل في القتال: تصلّب فيه واشتد ووفاه حقّه. ولذا بات الصدق تعبيراً عن الجرأة والثبات.

ومما يؤكد قيمة الصدق في الحياة، أنّ الله تعالى قد وصف القرآن الكريم – وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يعتريه التغيير – بالصدق، وجاء ذلك في قوله تعالى: (الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر/ 33)، والأخيار من عباد الله الصادقين في عبادتهم وأعمالهم المخلصين في نواياهم أعدّ لهم سبحانه مقعداً في الجنة وصفه بأنّه مقعد صدق في الآية الكريمة: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر/ 55)، هنا مدح للمكان المخصص في الجنة لأهل الصدق، وهو مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم.

وأمر الله تعالى عباده المخلصين أن يدرجوا أنفسهم في صفوف الصادقين في الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة/ 119). والأمر هنا للأتقياء أن يكونوا مع الصادقين في الإيمان والعهود أو الصدق في القول والعمل وطاعة الله، فالصدق يجعل الإنسان مستقيماً ويحفظه الله تعالى.

إنّ الصدق الذي يعدّ واحداً من القيم الخلقية الإسلامية الهامة يشكّل دعامة في بناء مجتمع صالح إلا أنّه لا يكون صدق في القول فحسب بل الصدق أعمّ من ذلك، "وإنّما يكون في صدق اللسان إذا تحدث، يكون في النيّة التي في القلب، ثمّ في العزم والوفاء بما عقد النية عليه، ثمّ في العمل هذا وذاك كلّه".

والصدق قرين الحقّ لأنّ الصدق يكون ما في الذهن منه مطابقاً لما في الخارج، والحقّ هو الذي يكون ما في الخارج منه مطابقاً لما في الذهن. ولأنّ الإسلام هو الهدى ودين الحقّ الذي جاء به محمّد (ص) لذلك حثّ على الصدق بمعناه الواسع الذي يكون فيه المرء دائم التصديق كثير الصدق، فيصدّق قوله بالعمل مما يجعله مستحقّاً للقب صدّيق، وفي الحديث النبوي الشريف: "إنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً. وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وإنّ الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذّاباً".

والصّدّيق هو الذي لم يدع شيئاً مما أظهره باللسان إلّا حقّقه بقلبه وعمله. والصّدّيق لقب لا يُعطى إلّا لمن كان من الأخيار أصحاب العزم الذين لا يخافون في الله لومة لائم لا من أعراض الدنيا ولا من أهلها. لا بل الصّدّيق هو الدائم الصدق الذي يصدق حتى في الموضع الذي لا ينجيه منه إلّا الكذب. ولهذا قال أهل الحقيقة: الصدق هو قول الحقّ في مواطن الهلاك.

وممن استحقوا هذا اللقب يوسف (ع) لصدق التزامه، وصدق أمانته، ولقد جاء فيه قول الله تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) (يوسف/ 46).

إنّ الصدق يولد انسجاماً بين ما في القلب والعقل، وبين ما يظهر على اللسان وبين ما يمارسه المرء من الأفعال، مما يثمر طمأنينة عند الصادق تجعل خطاه متّزنة، وغرسه مثمراً. أما الكذب وهو إظهار غير ما يضمر المرء، أو ممارسة عمل مخالف للقول فهو سبيل إلى الشكوك والريب مما يجعل الكاذب مضطرباً مزعزع الثقة بنفسه وبغيره. في هذا المفهوم كان الحديث النبوي الشريف: "عن محمّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ع) قال: حفظت عن رسول الله (ص): دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة".

إنّ ما يدفعنا للتركيز على أهمية الصدق الحال العامة التي تسود مجتمعاتنا بتأثير المفاهيم التغريبية التي تقوم على المذهب المكيافيللي الخطير الذي يبيح الرياء والحيلة، ويفتح الباب أمام كلّ الوسائل والأساليب تحقيقاً للغرض المطلوب على قاعدة: "الغاية تبرّر الواسطة".

إنّنا نرى أناساً كثيرين تدفعهم الأنانية والمصالح الخاصة إلى التخلي عن الحقيقة ومعاداتها، والأسوأ من ذلك أن نفراً غير قليل يعدّ الكذب والرياء من أجل الحصول على مكاسبه الشخصية لوناً من ألوان المهارة والحذق، فبالله عليكم أيّة مهارة هذه؟. وإذا كنا سنأخذ بهذا المذهب مما يجعل الكذب سمة في مجتمعٍ ما، فهل سيؤدي ذلك إلى التآخي والتوادّ بين أفراد المجتمع، أم أنّ ذلك سيكون معول هدم لروابط الجماعة ودعائمها؟.

الكذب بلا نقاش خلق سيء وباب للإفساد العام، وللانهيار الاجتماعي، وهو مدعاة لإضعاف ثقة الناس ببعضهم، وسبيل لتباغضهم وتنافرهم، ولذلك جاء في القرآن الكريم وعيد وتهديد للكذّابين، من ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر/ 28)، وفي آية أخرى: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (الجاثية/ 7).

أمّا الصدق ففيه وحدة المجتمع وخلاصه فإذا "كان اللسان صادق اللهجة، أميناً في ترجمة خوالج النفس وأغراضها، أدى رسالة التفاهم والتواثق، وكان رائد خير، ورسول محبة وسلام. وإن كان متصفاً بالخداع والتزوير، وخيانة الترجمة والإعراب (الإفصاح)، غدا رائد شرّ، ومدعاة تناكر وتباغض بين أفراد المجتمع، ومعول هدم في كيانه.

وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى مجتمع الإسلام الأوّل نرى أنّ من أسباب قوته الرئيسية الصدق الذي اقتدى به أبناء ذلك المجتمع بالنبي (ص) الذي اشتهر من قبل البعثة الرسالية بلقب الصادق الأمين. وبعد ذلك جاءت النصوص الشرعية تحضّ على الصدق، وتنفّر من الكذب وتحذّر من عواقبه، وما ذلك إلّا لأنّ "الاستمساك بالصدق في كلِّ شأن، وتحرّيه في كلِّ قضية، والمصير إليه في كلِّ حكم، دعامة ركنية في خلق المسلم، وصبغة ثابتة في سلوكه. وكذلك كان بناء المجتمع في الإسلام قائماً على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات واطّراح الريب، فإنّ الحقائق الراسخة وحدها هي التي يجب أن تظهر وتغلب، وأن تعتمد في إقرار العلاقات المختلفة".

ويجب أن يكون بيِّناً بأنّ اعتماد الصدق لا يجوز أن يكون موسمياً أو ظرفياً، أو مرتبطاً بالحالة التي نكون فيها، وإنما يجب أن يكون منهاجاً يشمل النيّة والقول والعمل، لأنّ من تعوّد الكذب في مسألة أو ظرف قد تفسد طويته فتنطبق عليه القاعدة التربوية التي أجملها المتنبي في شعره قائلاً: "لكلِّ امرىء من دهره ما تعوّدا".

ويدخل في الباب نفسه أنّ خداع الأهل لابنهم الصغير فيه إثم، وهو منهج تربوي خاطئ لأنّه ينمّي عادة الكذب فيه. والكذب في الإسلام محظور حتى لو كان في المزاج والتهريج، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: "ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له".

قد يحتج عليك أحد الناس قائلاً: وما يضرّ أن تعطي من طرف اللسان حلاوة، فالظروف صعبة ونحن نساير وقناعاتنا ثابتة؟. إنها حجة ساقطة لأنّ من رضي بالخداع أمام الحالات الصعبة سيستسهل ذلك في غيرها من الظروف، وقد يعتاد الكذب. والمطلوب ممن لا يستطيع مواجهة الأمور بشجاعة وصدق حتى لو كان في موقع الهلاك أن يلتزم ما جاء في الحديث النبوي: "من آمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

فمن واجب المرء إما أن يصدق ويتحرّى الصدق حتى يعود ذلك بالنفع على الجماعة والفرد، ويتحوّل صلاحاً، ويولّد ثقة تنسج وحدة متينة لأبناء المجتمع، وإلّا فالأولى أن يصمت حتى لا يكون ممن كبر مقت الله تعالى لأفعالهم لأنهم ينافقون فيقوون غير ما يمارسون ويسلكون، وفي هؤلاء جاء قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف/ 2-3).

 

* أستاذ فلسفة

 

المصدر: كتاب الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

ارسال التعليق

Top