• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

القرآن الكريم.. خير جليس وأطيب أنيس للصائمين

أ.د. محمود عباس*

القرآن الكريم.. خير جليس وأطيب أنيس للصائمين

خير جليس وأطيب أنيس للإنسان في كلّ زمان هو القرآن، وخير ما يتقرّب به الصائم إلى ربّه في رمضان هو القرآن؛ ولهذا يقبل المسلمون على قراءة القرآن في رمضان إقبالاً لم يعرف عنهم في بقية الشهور. فهناك علاقة حميمة بين القرآن وهذا الشهر بالذات ولو نطق رمضان لإعترف بفضل القرآن الكريم عليه. فقبل الإسلام لم تكن لرمضان فضيلة ولا منزلة تقدِّمه على غيره من الشهور، فهو ليس من الأشهر الحرام التي عظَّم الله حرمتها وجعلها هدنة زمنية للسلام، ورمضان ليس من أشهر الحج المعلومات التي شرَّفها الله فجعلها مواقيت لأطيب المناسك. فرمضان قبل الإسلام كان مجرد شهر من الشهور التي قال الله فيها: (إنّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثنَا عَشَرَ شَهراً في كِتابِ اللهِ يَومَ خَلَقَ السَّموَاتِ والأرضَ مِنها أربعَةٌ حُرُمٌ) (التوبة/ 36)، ومعنى هذا أنّ رمضان لم تكن له منزلة الأشهر الحرم عند الله قبل الإسلام. فرجب كان أفضل منه وذوالقعدة وذوالحجة والمحرم أفضل منه لأنّها أربعة حرم، بل كان شوال أفضل منه لأنّه من أشهر الحج المعلومات، ولم تظهر فضيلة رمضان إلا بعد أن اختاره الله ميقاتاً لنزول القرآن الكريم، وما جعله الله شهراً للصيام تشريفاً وتعظيماً له إلا لكونه ميقاتاً لإنبثاق أنوار الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين. ففضيلة رمضان عندنا في أنّه عيد ميلاد الوحي بكل المقاييس، شهر يذكر الأُمّة بعيد ميلادها وباللحظة التي انبثق فيها نور الكتاب في أرض الله فطارد الظلمات وأحيا الاموات، واتصلت الأرض بعد إنقطاع بأسباب السماوات..

ليتنا نستروح هذه المعاني ونحن نقرأ قوله تعالى: (شَهرُ رَمَضانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدىً لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان) (البقرة/ 185)، ففي الآية إشارة واضحة إلى أنّ رمضان نال حظّه من التكريم الإلهي لكونه ظرفاً لأجل الأحداث وأعظمها وميقاتاً مباركاً لنزول القرآن هدىً للناس. وإنّما تكون عظمة الزمن وقيمته بعظمة ما يؤرخ له من جلائل الأعمال؛ ولهذا فضَّل الله رمضان وكرَّمه فجعله ميقاتاً لفريضة الصيام، كما كان ميقاتاً لوحي الله الأعظم إلى رسوله الأكرم (ص) وهذا ما يفهم من أمر الله جلّ في علاه (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) (البقرة/ 186)، فجاء الأمر بصيام الشهر مرتباً على قوله سبحانه: (شَهرُ رَمَضانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ) أي مَن شهد منكم رمضان فليصمه لأنّه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، فنحن نصوم الزمن الذي فضَّله الله على سائر الشهور من أجل القرآن الكريم، وتنحني أصلابنا في رمضان بالذات على كتاب الله تقرُّباً إلى الله، واعترافاً بعظمة هذا الكتاب في حياة أُمّة لولاه لضلّت وأعرضت عن ربّها وتخلّت. وفي رمضان نحمل مصاحفنا في غدونا ورواحنا لتطمئن قلوبنا بذكر الله في عالم ترتعش فيه القلوب المسكونة بالهواجس والوساوس (ألا بِذِكرِ اللهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرَّعد/ 28). من فضل الله علينا أنّه يَسَّر القرآن للمؤمنين والمؤمنات قراءة واستماعاً وترتيلاً وحفظاً (ولَقَد يَسَّرنا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ) (القمر/ 17)، والكتاب الوحيد الذي يتعبّد المسلم بتلاوته هو القرآن الكريم. ففينا مَن يقرؤه في رمضان تعبُّداً ولا يستطيع أن يتدبّر معانيه فله بكل حرف يتلوه حسنات، وفينا مَن يتعبّد بتلاوته ويتدبّر معانيه وتلك رتبة أعلى ومنزلة أرقى لمن هيأ الله له الأسباب. فالأُمّة في حاجة إلى معايشة هذا الكتاب معايشة تأمُّل وتدبُّر وإعتبار، كما يقول الحق سبحانه مخاطباً نبيّه (ص): (كِتابٌ أنزَلنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألبابِ) (ص/ 29). والحق جلّ في علاه ينكر على الذين أغلقوا قلوبهم دون كتاب الله فلم يتدبّروه ولم يحاولوا أن يفهموه، فيقول سبحانه: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ على قُلُوبٍ أقفالُها) (محمد/ 24).

جميل أن نحرص على حفظ القرآن، وأجمل من هذا أن نفهم ونتدبّر وفوق كل هذا أن نعمل بمقتضاه، وفي هذا يقول ابن مسعود: "كان الرجل منّا إذا تعلَّم عشر آيات لم يكن يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ". والرسول (ص) حدّثنا عن فريق من الناس بلغوا الغاية في صلاتهم وصيامهم، ولكنه أنكر عليهم أنّهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ولهذا نقول للذين يحرصون على قراءة القرآن في رمضان أكثر من مرّة رفقاً بكتاب الله، فهو ليس كتاباً بشرياً يقرأ بأي شكل من الأشكال. وقد نصح رسول الله (ص) لمن سأله أن يقرأ القرآن مرّة في الشهر، وهذا هو السر في تجزئة القرآن الكريم ثلاثين جزءاً لتسهيل قراءته في شهر.

فالقراءة العاجلة تخلو غالباً من الخشوع والدقة. والقرآن الكريم لم ينزل في شهر أو شهرين ولا سنة أو سنتين، وإنّما نزل مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة ليقرأه النبي (ص) للناس على مهل ليستوعبوه ويفهموه، أو كما قال سبحانه: (وقُرآناً فَرَقناهُ لِتَقرَأَهُ على النّاسِ على مُكثٍ ونَزَّلناهُ تَنزِيلاً) (الإسراء/ 106).

ارسال التعليق

Top