• ١٩ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ١ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

القضية الحسينية.. عمق إسلامي وتطلعات إنسانية

العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله

القضية الحسينية.. عمق إسلامي وتطلعات إنسانية
نحن أحياناً نصغّر القضيّة الحسينية لندخلها في زنازين ذاتياتنا.
لا نستطيع أن نذكر كربلاء دون أن نذكر بدراً وأحُداً والأحزاب وحنيناً.
كانت الأُمة كلّ همّ الحسين.
لقد حوّلنا الخرافة إلى ما يشبه الحقيقة.
المسألة أن يبقى الصمود وتبقى العزّة.
القضية الحسينية: هل نكبرُ بها، وبالآفاق التي انطلقت فيها في مدى الزمن، وفي الروح التي انبعثت منها في مدى الإنسان، وفي الفكر الذي انطلق منها في مدى الإبداع؟! هل نكبر بها لنخرجها من دائرة الزمن المحدود لنحرّكها في الأبعاد المترامية، أو أنّنا نصغّرها لندخلها في كلِّ زنازين ذاتيّاتنا وطائفيّاتنا وكلّ أساليب الضعف التي فرضت نفسها على العقل والقلب والحركة والحياة؟!
... هل نكبر بها؟ وإذا أردنا أن نكبر بها، فإنّ علينا أن لا نفصلها عن جذورها، لنجعلها مجرد حادثةٍ مفصولة عن حركة الإسلام في الواقع، بحيث تغيب المسيرة الإسلامية في كل خطوطها ومفاهيمها وحركيّتها وانفتاحها على الإنسان، وبحيث لا نربطها بالحركيّة التي صنعت ذلك المجتمع، وأرادت أن تقتحمه لتبعد المأساة عنه وعن الذين صنعوا المأساة.
 
- عاشوراء امتداد لحركة الرسول (ص):
ولذلك، فإنّني أخشى أن أقول إنّنا أدخلناها في ذاتياتنا، فدخلنا في الذات ولم ندخل في القضية، لم ندرسها بعمق، ولم نتزوّد منها للمستقبل، فالقضية الحسينية هي قضية ذات أبعاد ثقافية، تحرّك السياسة في امتدادات الثقافة، وتحرك الجهاد في وعي الإسلام، والقضية هذه كانت نتيجةً طبيعيةً للتراكمات التي عاشها المجتمع الإسلامي في كل انحرافاته، وفي كل ما دخل فيه من هنا وهناك. لذلك كانت كربلاء فرعاً من أصل، وجزءاً من كلّ، لن نستطيع أن نذكرها إن لم نذكر بدراً وأُحُداً والأحزاب وحنيناً وكلّ ما صنعه المجتمع المشرك في مواجهة رسول الله (ص) والإسلام في مكّة، وما فرض عليه من أوضاعٍ لم يستطع الرسول (ص) من خلالها أن يمدّ حركته وإسلامه.
 
- علي (ع) رسالة وعي متحرّك:
كلّ هذه الأوضاع تراكمت عبر الزمن، وتحوّلت إلى رواسب نتيجةً لهذا التراكم، ولذلك، لم يعد بإمكاننا أن نفصل كربلاء عن كل مأساة علي (ع)، ومأساته هنا ليست في أنّه ضُرِبَ في المحراب، فهي أقلّ أنواع مأساته، ولكنّ مأساته كانت في هذا العنفوان الكبير، والقمّة العليا من العلم والإبداع وحركية الفكر، ومواكبة امتداد الإنسان في مدى الأجيال، حتى يشعر كل جيلٍ بأنّ عليّاً (ع) معه في حضوره الثقافي والروحي، وفي كل أبعاده الإنسانية. لذا نحن لا نستطيع أن نفصل كربلاء عن علي في كل مسأساته، وعن علي في كل صبره، هذا الصبر الذي لم ينطلق من عجزٍ في الحركة، ولكن من وعي للقضيّة.
وهذا ما يتجلى في حركة الإنسان الرسالي، الذي يمتلك القدرة على الاقتحام بالمعنى المادي، ليسقط هذا أو ذاك ممن يقفون في طريقه، ولكنّه عندما ينظر إلى الرسالة، ويرى أنّ هذا الاقتحام المادي في بعض المراحل سوف يسيء إلى الرسالة، فإنّه يصبر ويتأمّل ويفكّر، ويعطي المنهج ويخطّط للمستقبل بكل رويّةٍ وتأنٍّ.
وهكذا كان علي (ع): "قد يرى الحوّل القلّب" الذين يملكون تحويل الأمور في عناصرها الذاتية والموضوعية وتقليبها، "وجه الحيلة" والقدرة على تحريكها في كلّ لعبة، سواء كانت لعبةً اجتماعية أو سياسية أو ما إلى ذلك، "فيدعها رأي عين"، وهو يراها في معرفةٍ تنفذ إلى عمق الأشياء بأبعادها السلبية والإيجابية، "وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين".
كانت مشكلة علي (ع)، أنّه لم يحمل الذات في طموحات عقله، ولكنّه حمل الرسالة في كيانه كلّه، وهكذا كان عندما انطلق وهو يقول: "والله ما معاوية بأدهى منّي"، في رسالة إلى الذين لم يفهموه، وما أكثر التفلسفة والسياسيين الذين لم يفهموه، والذين كانوا يقولون إنّ عليّاً لا يفهم السياسة، ومعاوية أكثر دهاءً منه وسياسةً، فيردّ عليهم بالقول إنّ السياسة ليست لعبةً يتقاذفها الأطفال ككرةٍ في أقدامهم، ولكنّ السياسة رسالة تخطّط للإنسان كيف تتعمّق إنسانيّته، وكيف تطهر وتسمو وتنمو وتعطي للحياة معنىً، وتعطي للمستقبل خطّة، كان يقول: "والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر"، عندما يحقّق له الغدر والفجور ما يريد استهدافه، "ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس". وكان لسان حال علي (ع) يقول إنّني الوفي دائماً، لأنّني رأيت الوفاء توأم الصدق، وإذا كنت صادقاً، فلا يمكن إلا أن أكون وفيّاً، لأنّ الذين يغدرون هم أولئك الذين لا يعرفون ما معنى الحقّ، وما معنى الإنسان في وعي الحقّ.
إنّ الذي يخرج الفكرة من أعماق الأعماق في خطّ الخير، قادر على أن يحرك الفكرة في كل الآفاق في خطّ الشر، ولكنّ دونها حاجزاً من أمر الله ونهيه يمنعه من التقدّم، لأنّ الرسالة لابدّ من أن تتقدّم، ويقف القائد يحدّق بها ويرعاها وينمّيها بعناصرها.
وهكذا كانت مأساته، "إنّ ها هنا لعلماً جمّاً لو وجدت له حَمَلَة"، حيث كان يريد من خلال هذا العلم أن يثقِّف الأُمّة، إذ كان يعتبر أنّ العقل عندما ينفتح على الثقافة، فإنّ الفكر ينطلق بالحقّ مثقّفاً، وعندما ينفتح القلب عليها، تنطلق العاطفة بالحقّ مثقّفة، وعندما تنفتح الحياة عليها، تنطلق الخطوات المثقّفة، عندما تجاهد ثقافياً في الحرب، وعندما تجاهد سياسياً في الواقع، لأنّ قصّة أن تكون المجاهد، هي أن يكون عقلك في وعي الجهاد للقضيّة، ووعي القضية للجهاد.

 

- مأساة الحسين (ع) كمأساة أبيه:

تلك كانت مأساة علي (ع)، وقد عاش (ع) في كلِّ كيان الحسين (ع)، فكان عقله وقلبه ومأساته عقل الحسين (ع) وقلبه ومأساته، ونحن نعرف من خلال خطاب الإمام الحسين (ع)، أنّه كان خطاب الأُمّة: "خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي"، كانت الأُمّة كلّ همّه، كما كانت الأُمّة همّ جدّه وأبيه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران/ 110)، وأراد للأُمّة أن تتجدّد بحركيّة بناء المعروف في واقعها، وطرد المنكر من ساحاتها، كانت هذه هي القضية، ولذلك كانت آلام الحسين (ع) كآلام أبيه، كان يتألّم لكلّ هؤلاء الذين قيل له عنهم: "إنّ قلوبهم معك وسيوفهم عليك".
وكان الحسين (ع) يتألّم، كيف تكون نبضات القلب ضعيفةً، بحيث إنّها لا تعطي الساعد وعي السيف الذي يضرب به، ووعي المعركة التي يخوضها. وقيمة القلب أنّه يتكامل مع العقل، العقل يعطي الفكر، والقلب يعطي الإحساس والشعور والنبضة الإنسانية من أجل أن تنطلق النبضات في خطّ الفكر، ولكن عندما تنحرف مسيرة القلوب، يبقى الفكر مجرد معادلة في التجريد، وينطلق القلب في اتجاهٍ آخر، فيحلّق الفكر في الفضاء، ويتمرَّغ القلب في الأوحال، لأنّ الدماء التي تضخّ في القلب هي دماء مليئة بكل ما يثقل القلب ويحجب عنه وضوح الرؤية، فيحبّ من أبغض الله، ويبغض من أحبّ الله. ولذلك، فإنّ القصة ليست في أنّ الإنسان قلب وعقل فقط، بل هو وحدة يتحرّك فيها العقل مع القلب، لتنطلق الطاقات في الاتّجاه السليم.
إنّ ما نريده هو أن نكبُر بعاشوراء، فلا نرى فيها مجرّد قيادةٍ تنزف الدماء منها، دماء الكارثة ودماء المصيبة، ودماء الجسد، ولكنّنا نريدها أن تكون قضيّة، فنتمثل الشخص وجه القضية وروح القضية، لا أن ننفذ إلى الشخص وننسى القضية، وهذا ما نفعله الآن، والزمن من مسيرته قطع الأجيال ووصل إلينا، فأصبحت المسألة كيف نبكي الحسين (ع) بالتاريخ أكثر مما نبكي الإسلام في الواقع، وأصبحت المسألة هي كيف نبكي هؤلاء الذين استشهدوا مع الحسين (ع) قبل أن نبكي المجتمع الذي يتخبّط في واقعنا.
 
المصدر: مجلة ثقافة التقريب

ارسال التعليق

Top