• ٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

المعرفة.. «تلك المعادلة العظيمة»

آدم ريس

المعرفة.. «تلك المعادلة العظيمة»

إنّ الفضول والقدرة على استنباط جواب لكل سؤال يخطر لك هما أفضل وأقوى أداتين يمكنك أن تتسلح بهما.

عندما كنت صغيراً لم أكن أكف عن سؤال والديّ، خلال جولاتنا العائلية الطويلة في السيارة، عن المسافة المتبقيّة للوصول إلى وجهتنا. ولشدّة مللهما من الإجابة عن أسئلتي التي لا تنتهي، كانا يخبراني عن طول المسافة بالكامل بالأميال ويتركا لي أمر تقدير أو حساب المسافات وزمن الوصول. ولطالما أمتعتني الرياضيات، ومن ثمّ الفيزياء، لأنّها كانت تمنحني القدرة على حساب ما أريد معرفته بنفسي.

لقد قيل قديماً إنّ "الفضول قتل القطة"، ولكن لا، لا تصدقوا هذه المقولة! إنّ الفضول والقدرة على استنباط جواب لكل سؤال يخطر لك هما أفضل وأقوى أداتين يمكنك أن تتسلح بهما. كما أنّ المعرفة والقدرة على اكتسابها هما المعادلة الصحيحة للنجاح. لا يلزمك أن تكون ثرياً أو محبوباً وذا شعبية كي تتمكن من اكتشاف الأشياء وابتكار ما هو جديد. كل ما يلزمك هو الفضول والشجاعة على المتابعة لاكتشاف الحلول والإجابات، بالإضافة إلى عقل لا يستسلم أو يرضخ للعقبات والتحديات.

أما الفيزياء، التي هي مجال عملي في الحياة، فقد بدأت معي على نحو ليس بالسهل. فعندما بدأت أتلقى الفيزياء في المرحلة الثانوية لم أفهمها في بادئ الأمر، حتى إنني احتجت لمساعدة مدرّس خصوصي. وفجأة، أصبحت هذه المادة متعتي ومحط اهتمامي، لأنني اكتشفت أنها طريقة جديدة للتفكير، وحالما بدأت أفكر بتلك الطريقة نفسها لم أتوقف عن ذلك أبداً. اكتشفت أيضاً أنّ التفكير في الفيزياء والكون (كل النجوم والمجرّات والكواكب التي تضمها) قد حقق لي الرضا وأعطاني منظوراً شاملاً لحياتي. وفي الواقع، عندما كنت أتعرض في حياتي اليومية العادية لإحباط أو إزعاج، ما كنت ألجأ إلى الخروج والنظر إلى النجوم، ورويداً يزول انزعاجي ويبدو لي أمراً تافهاً. لقد أخبرني والدي مرة أنّ النجوم بعيدة جدّاً، وأن ما نراه الآن منها هو ضوؤها المنبعث عنها في الماضي لأن ذلك الضوء يأخذ ملايين السنين حتى يصل إلينا. لم أصدق أنّ النجوم يمكن أن تكون بعيدة إلى تلك الدرجة! وقد جعلني ذلك المنظور الكوني أشعر أن مشكلاتي الشخصية كانت صغيرة بالفعل نسبياً.

عندما أصبحت في سن المراهقة ازداد فضولي حول الكون بأكمله. أردت أن أعرف عمره ونشأته وما إذا كان يكبر أم يصغر. وقد شدّني في المدرسة موضوع الكون وأنّه يمكننا أن نعرف المزيد والمزيد عنه إن أردنا. يمكننا أن نذهب بعيداً لقياسه!

يعتمد علماء الفلك على مجاهر قوية جدّاً وعلى التقنيات نفسها التي يستخدمها المساحون لحساب نسبة التغير في مقدار تمدّد الكون. وقد قررت أن أشارك في عمليات الحساب اللازمة تلك لأعرف أجوبة كل تساؤلاتي وأكتشف مدى تغير الكون. إن قياس المسافة بين الأرض والمجرات البعيدة، حيث لا يوجد عداد لحساب ذلك بالأميال، يشكل التحدي الأكبر في علم الفلك. فلحساب كيفية تطور ونمو الكون كان عليَّ قياس المسافات بين عناصر نصف الكون تقريباً!

في الجامعة، طوّرت طريقة جديدة لقياس تلك المسافات، لم تكن تلك الطريقة بدقة عداد حساب الأميال على الطريق السريع إلا أنها كانت أكثر دقة من الطرق المعتمدة السابقة.

عندما قمت أنا وفريق العمل من الزملاء بحساب نسبة توسع الكون اكتشفنا مفاجأة كبيرة! إنّ الكون يتمدّد بشكل أسرع وأسرع كل الوقت! وكان ذلك الاكتشاف عكس ما توقعناه، نحن وباقي علماء الفلك. ويبقى السؤال حول سبب تسارع توسع الكون هو الأكبر والأكثر غموضاً في العلم اليوم. على كل حال، من الغريب حقاً كيف أنّ التخطيط لإيجاد جواب لسؤال ما يؤدي لبروز سؤال آخر.

 

المصدر: كتاب إنتبه! أنت مبدع

ارسال التعليق

Top